الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

اثــر . . . لن يزول

Share

وجه بشوش تشع الابتسامة فيه ، فتشدك لصاحبه شدا ، وتجعلك تشعر بالطيبة التى يتحلى بها ، وبالاخلاص الذى يعمر فؤاده ، وبالعطف الذى يملا شغاف قلبه ، فيفيض بما فيه كالينبوع المتدفق ، ويجود بمائه الصافى على كل محبيه وعارفيه ...

ليس العلم وحده ، الذى يتصف به ، هو الذى يجعلك تميل اليه كل هذا الميل ، بل لما يمتاز به هذا العلم من رفعة وسمو وكرم اخلاق قل ان تجتمع كلها فى فرد واحد . . .

لكم جلست بين يديه ، ومتعت اذنى بحسن حديثه ، وبصرى بالطيبة المشعة من ابتسامته ، وشعاع الذكاء المنبثق من ناظريه . . . .

وحين كان يقول لى يا ابنتى ، كانت ترن فى اذنى ، كلمة صادقة عطوفا تجعلنى اشعر بمتانة الرابطة الروحية التى تربطنى اليه . . .

كان راوية من اعظم الرواة ، لا فى تونس فحسب بل فى العالم العربى كله ، وله ذاكرة نادرة تسجل ما يطالعه وتصبه فى ذهنه ، لينبثق منه بعد حين طويل او قصير ، وقد اقتبس الكثير من الطرافة وتحلى بها كان يسبغه عليه من ذكاء روحه وصفاء فكره . . .

فلقد كان الادب العربى بالنسبة اليه بحرا زاخرا يشقه بمركبه ، ويتجول فى طوله وعرضه ، ويجعل جليسه يشاركه فى جولاته الادبية الممتعة ...

كان الادب للاديب الكبير حدائق ناضرة ، فواحة بالورود والازاهير ، فكان ينتقى ورده من كل حديقة ليؤلف منها باقة ليهديها لجليسه بكل كرم وجود . . . ويخرج الجليس من عنده واريج الباقة يفوح فى صدره ، وفى ذهنه تتراءى الانعكاسات التى انتقلت من فكره الى فكرة . . . وكان طيبة القلب نبع فياض ينبع فى الفؤاد ، ويتراءى لمعانه فى العيون فتبدو كالمرآة الصافية التى تعكس ما يختلج فى القلوب من حنان وصفاء ولطف مشبع بالاخلاص والصدق . . .

كان الفقيد العزيز يتحدث عن جميع الادباء والشعراء فى القديم والحديث ، ويروى اشعارهم واخبارهم ، بلسان عذب ، وتعاليق لطيفة تدل على نفسه الكريمة الظريفة . . .

وكل من عرف شيخ الادباء واتصل به ، واطلع على مدى معارفه وعلومه وآدابه السامية ، يحس فى كل قلبه بالخسارة الفادحة ، وبالفراغ الكبير الذى خلفه الفقيد النابغ فى عالم الادب العربى . . .

كان مكرسا كل دقيقة وكل ثانية من ثوانى حياته للادب ، وكان بينه وبين قلبه انسجة تجعله لا يتحرك الا لحب الادب وخدمته . . .

وكان ينوه فى احاديثه عن اصله الاندلسى وانه لخير خلف لافضل سلف ، ممن خدموا العلم والادب ، وانه للجدول الرقراق الذى كان يجرى دائما ليصب ماءه العذب فى محيط الادب الواسع الاطراف الذى يشمل كل شئ ويسع كل شئ . . .

لقد توقف الجدول عن الجريان الآن ، بكل اسف ، ولكن ذكرى الشيخ الكبير والأديب النابغ ، والشاعر المجيد ، والراوية العبقرى ستبقى دائما محفورة فى الافئدة والصدور . . لان الماء اذا توقف عن السير ، فمكان الجدول لا يزول ، انه هنا دائما وابدا للدلالة على ما كان يفيض منه من علم وادب بكرم عظيم لا يدانيه كرم . . .

فرحمة لأبينا الروحى شاملة . . نطلبها من كل قلوينا وعواطفنا ، ونرجوها عظيمة جلى ، بقدر ما يغمر من محبة خالصة وتقدير كبير لذكراه الغالبة التى ستبقى خالدة فى اذهاننا ، ما دامت هذه القلوب تنبض فى صدورنا . . . انه ، لم يمت ، ولن يموت وهذا الجدول الرقراق ، قد حفر مكانه فى الارض وفى اضلاعنا ، ليخلد مدى الاجيال والعصور ! . . . .

اشترك في نشرتنا البريدية