الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

اجراس الصمت، مجموعة شعرية لكلثوم عرابى

Share

لكل نكبة تأثيرها الخاص فى طبع الحياة ، فبعضها يولد اليأس والبعض يدفع الى الثورة والفداء حتى الشهادة

والنكبة التى اصابتنا فى فلسطين على استمرارها ، اطلعت لنا بواكير ادب ، انسام افق والضحى بعد لم يكتحل ذلك اننا ما زلنا فى صميم المعركة تلفنا الاحداث وتعيش على اعصابنا فلم يتح لنا صهرها فى نفوسنا واصدارها شعاعا صادق الاداء . .

فالاديب فى بثه الحياة كالناظر الى المعركة ، لئن اقترب منها راى ما يحيطه على وضوح وغاب عنه ما ابتعد ، لذلك كان التاريخ يكتب بعد اجيال من وقوع الحوادث ، يبقى فى النفس البشرية آفاقا لا تحد ولا تضرب على مقاييس ورب قبرة حملت تباشير الربيع على زقزقة والشتاء فى العروق ، ليكون لنا من هذه الزقزقات - مجموعة اجراس الصمت - لكلثوم عرابى

قرأتها غير مرة فكنت ألمح في الخيوط التى تحوك شعرها اسلاكا من هم يتحفز للوثوب على توقيت محقق بهم بالامل الى الادراك ، ففى اناشيدها ، التى لم تكن التفافا على بكاء يائس لوعة الاحتراق على مجامر الند وبوحة الالم الناهض الى الثورة ، حيث تتلألأ مرارة الشجو على استصراخ يهيب بالنفوس إلى الاندفاع لأبلاغ الرسالة إلى ابعد مراميها ، ولا غرو فكلثوم عرابى رافقت النكبة العربية فى فلسطين وعايشتها . .

منذ الطفولة في سنتها الثانية عشرة رأت الارهاب والوعيد وسمعت الوعود وذاقت مرارة اخلاها ثم لاحقها الهم فمر على يديها سقام النفوس وضناها ، فنشأت وشبت في جحيم الغاصب ، ورأت كيف تحقر القيم وتحطم الكبرياء . .

ماتت اختها وامها بين يديها ، واضاعت - آلام الارض - ، ولما حملت اطفالها الى لبنان كانت على دوامة الالم والحنين ، عين على الارض التى تحللت

فى جسدها هى ، وحللت احباءها فى احشائها ، وعين الى المنفذ الذى على ما فيه من غربة ، يبقى ملجأ يقيها سطوة الطاغى وحقارة متشردى العالم ، وكان ان علقت فى خيالها صورتان ، زمن الطفولة ومرحها وامانيها فى الوطن وبين الاهل ، وسلسلة عذابات خافت عليها الاندثار فى عذاب اكثر مرارة ، فراحت تخطها فى النوايا ، فلا تفقد لذة الذكريات وحنان البوح . كى ٣ -

و كان ان امتلأت النفس بالجراحات الباسمة وعمرت باللذة الثملى على خدر الالم ، فاذا بالبوحة - اجراس صمت تدق على نهم المتعب الى ارتشاف الهدوء، فلا تراخ ولا استسلام ، اصوات خرساء لها على الاذن دوى الرعود ، تنبض من الداخل وتسمع على العروق ، فتدفع بالاعصاب الى التوتر سالكة إلى المفاصل على عربدة ، منها الثورة الساحقة ، الشاملة حتى لكأن النفس فى تكاتفها طاقة انقبضت على ذاتها تخفزا للهنيهة الصفر ، لتكون الوثبة المقررة

تستمع اليها فى - الام الارض - فاذا نحن على ملاحم ساحها المدى تصطرع فيها النفوس على قهقهات الجزعى وحشرجات النزق ، حتى اذا امتدت الايدي للاخذ وهمت بالبرهة استقام الخط ، وانجلى عن المطلب ، فاذا به ثورة لا هوادة فيها حتى تشبع النفوس من تراب ارضها او تشبعها من دمائها . .

اجراس الصمت ، لم تكن اعترافات سارولا ولا مراثي ارميا ، هي صرخة مدوية يستطيعها المرء متى اتيح له ان يكشف راسه امام الشمس وقد طهر نفسه وجسده واصبح متأهبا للفداء . .

يوم ان كنا صغارا وقصارا

مثل اعشاب طريئة

نتمرى فى الهواء الطلق ، فى نور النهار

ألف مرة

نسأل الشمس ومرآة الربيع

ما ترى سر الكبار

ونفكر . . فى ظلال الليل

كيف نكبر . .

طفولة تحلم على سرير الاطمئنان ، بالحنون الطيب من مراشف الحياة ، لا نكد ولا خيال ألم ، حالة الطفولة البريئة تمر على ريشة صناع ماهر

وتمر الاحداث ، وتعبث الايدى بالمقدسات ، وتعفر الوجوه على اعتاب الدرهم ، فاذا بالارض الطيبة مسرحا للذئاب والكلاب الجائعة والثعالب

الخادعة ، تعبث بها خرابا وفسادا ، وتبقى القلوب المؤمنة على ايمانها متعلقة بارضها الطيبة المقدسة :

. . . وبكت امى دعوعا من حنين

قالت الارض ايا جارة

كنز لا يباع

لن نخليها ونرحل

من سيسقى المشمشة

من ترى فى الصبح يصحو

من ترى يحمل قوتا للطيور

وحقول الصبح من يرعى مداها

والمواسم

كيف ننساها ونرحل . . .

وتنسج الريشة الوانها من برود النكبة ، فسموم الجار الحسود ، والتشرد والطغيان والعرى والجوع والخيام المبعثرة فى القفار كلها ممواج على الصورة ينهمر فى المدى البعيد امل يتكاثف وينمو ، فاذا به المشعل الذى يقود الى الانطلاق وكشف الوهم عن العيون واظهار الاشياء على عريها .

. . . وصوت الجارة الحمقاء فى اذنى

يدق الفأس فى رأسى

ويبعث فى دمى كرها

وحقد ينزف الامل

يسيل اليوم من تعبى ومن كربى

افتش فى رمال القفر

عن قبس من الفجر

وصوت فى دمى يصرخ

أمى الارض يا ربي

ترانى كيف القاها ؟

ويجيئك الجواب على نبضات شعرية جازمة تدق على صمتها المؤلم حنايا النفس لياتي الغد ممهورا بالف حكاية من حكايات الفداء

كبرت يا امى كبرت

والسنون السود علمتني

ان اعجن الضياء من دمى

ومن جبيني اصنع اللهب

وجارني الحمقاء

تلك التى سقتك السم مرة

غدت عجوزا مكسورة الساقين والعظام

شمطاء ترعش .

رعش حولاء لا تبصر غير الظلام

تغلى مياه الموت فى عينيها

تحدق فى مقهورة

وتحسدنى

كبرت ، يا امي كبرت . .

فى هذه القصيدة - الام الارض - عصارة ايام جعلتها بدء ادب النكية الذي يقود الى الثورة لانك تجدها كالشفق تعمر بألف لون على تباشير صبح ، ربما تخللته نتف من غيوم سوداء ، لا تلبث ان تروح بها شمس النهار

الالم مذاقه مر ، على انه طالما احلولى متى انصهر في النفس ، فاذا به عصارة توق  الى الانطلاق تجعل الكائن يفجر طاقته كاملة فى هدوء وتصميم يحتمان له الوصول الى المطلب

وهكذا نرى فى اناشيد - اجراس الصمت - ألما على مرارة كان له نزع البراقع واظهار الحقيقة على عريها ، ليرى الآخرون السبيل الذي يجب ان يسلكوه . .

فمن - نشيد اجراس الصمت - الذى كأنه اجراس تقرع فتعب الاودية منها ولا ترتوى الى - من الاعماق - الى - شهداء العاصفة - كلها ابتهال مؤمن له من الفسحات السماوية امل البلوغ .

ويستمهلك وانت تمر بين العناوين نشيد بائع الثمر - جمانة بن ضروب اللآلى تعطى بهاء يتفرد بالدفء الذاتى حيث البراءة على بساطة السرد انهمار ظنون فى عالم الاحلام

يا بائع الثمر

والشمس والقمر

والنار والشجر

خذ قلبي الصغير

وشعري الغزير

وعمرى المغروس فى قرارة الغدير

مقابل الثمر .

. . . غن لنا طول الطريق

يا بائع الثمر

ولف جسمى البض الجميل

بموجة الانهار بالصور

واصنع لنا من الحصى

باقة من الثمر

واضفر لنا الاكليل

من خصل الضياء فى القمر .

ولا يظن ان ادب النكبة سيطر على شعر كلثوم عرابى الثائر وحسب ، بل احسبنى ابقى بعيدا عن روح هذه الشاعرة اذا لم اقل انها باجمعها اصبحت طاقة ثائرة ادنى مراميها مدى لا يحد . .

وانك وانت تسير معها فى - اجراس الصمت - متنقلا من عنوان الى آخر : ومن لون آلى نغم ، تمر على حكايات اعمار وتعمر بشهداء طيبوا الارض بدمائهم  على مواعيد مع شهداء يتأهبون للشهادة الممهورة بالدم ، فيحسن الفداء وتقبل الضحايا . . حتى لقد اصبح لها الحب طريقا الى الثورة ، فلا خدر ولا وشائج لذة واسترخاء ، بل موجة عارمة من اللهب المقدس لك مواعيد واياها فى - حنين -

وبى تعب من هموم الحياة   ينوء باثقالها كاهلى

فلا الارض ارضى ادوس ثراها    ولا الزرع يشتاقه منجلي

ورحت امزق ستر الليالي     عساها باشراقه تنجلى

وكم اوجعتنى الندوب العتيقة    والحزن مصباحه مشعلى

  تكدس فى الحنين واصبح    هما بنيرانه اصطلى

كل هذه المؤثرات والممنعات تراها مبثوثة على مدى حيران فى قصيدة - محرابى - لكأنها تثاقلت على دروب الحياة ، فاجتمعت في هذا النشيد تنفس عنها صارخات المآرب

وحدى عرفت الحب شيئا عارما   نشوان فى الق وغض اهاب

غرز السهام بكل عرق نابض        فاذا الفؤاد يسيل ذوب عذاب

وعبدته لله رمزا خالصا       اشتاقه فى وحدتى وترابى

احيا إذا ما الشعر لون خاطرى   واموت لو هجر الهوى محرابى

وبعد فالتجول فى اجراس الصمت - مرهق متعب لا يقل كذا عن عمل الشاعرة نفسها ، فانك وانت  تجذب لونا اليك تأخذك الوان بهيات على شتى نواحيك ، فلا تزال فى قبضة الجذب والدفع بين نغم ونغم وصورة وصورة ، حتى الأوزان الشعرية لها موسيقاها كائنا تتلاعب ) به الشاعرة على اناقة تجمع الموزون من الشعر مع الحر المنطلق حتى لكأن الأثنين ضما  الى بوحة واحدة فتنهل وتنهل وتبقى على ظمأ فالمورد عذب والدفق فوار مغواء.

مجموعه ، اجراس الصمت - تباشير فجر لأدب يروح بنا من النكبة الى الثورة البناءة ، فلا يعاب علينا اننا وقفنا مكتوفي الايدى امام آلامنا بينما احسها الآخرون عنا . . مثله الاناشيد الخالدة في بناية الحضارة

اشترك في نشرتنا البريدية