قصة ذات 30 حديثا
الشخصيات سهيل ٠٠٠٠٠ الصامت ٠٠٠٠٠ رواة محدثون لؤى ٠٠٠٠٠ معن ٠٠٠٠٠ كل راو مسؤول عن حديثه
حدث معن قال : لفظت ام الصامت ابنها ، فانكرته بعد حين ، ثم راضعته فنشأ على بغضها . وكان يخرج فى حداثته الى صبيان الحى فيرى فى وجوههم نبذا ، فيرجع مقهورا متلبسا ، فلا يجد اين يمسح دموعه .
- 1 - قال : فلما أينع واشتد بعد مرض ، خرج ؛ فأقبل على المعرفة يقلب ألوانها ويتفهم ثناياها فنشد طريقه خلالها فما أصابه . وجد فى الطلب . وكلما وقف على مذهب قال : " آمنت به " . ثم لم يلبث أن ينكره إنكار المقت . فيأخذ سواه من المذاهب فيقول : " هذه قيمى آمنت بها قبل خلقى ! " فيقبل عليها ، وعلى نفسه يروضها عليها ، فلا يجد لها مدخلا إلا إباء وتمنعا . فتكون له شبيه الخيال والوهم . فاذا به يقع فى الفشل . فلما وعى قال : " أطول الدلاء لا تنتهى الى البئر النزوع " .
قال : وبينا هو على هذا الاشكال من أمره إذ تعشق امرأة من أجمل النساء شمائل وخلقا ، وأصلب من الرجال إرادة . فهام بها ، وهامت به . فوجد فيها وئام النفس ، وجمال الانسجام ، ووفاق القلب ، والعقل . ووجدت فيه الاشكال والتمزق . فقالت له يوما : " غاية الوجود فى الذات " . فحاول الصامت وجاهد ، وصابر حتى أعلن : " أنا المطلق ! أنا الموحد ! أنا المعنى ! " . ثم إنها ماتت فجأة ، فانتشرت نفسه ، وطارت . فلما عاد وجد أمه قاعدة على الجمر ، فما فهم . فازور عنها . فلقيته ، وقالت : " هذه عين أبيك وريحه ! " فأتاها حتى عافها . ثم انهما لفى بعض الليالى ، وقد سعت بهما العيون ، إذ اعتقلا . ومات الصامت ، ولم بلغ الأربعين . وقال عند احتضاره : " خلقنا برآء ! " .
- 2 - حدث لؤى قال : حب الصامت فتاة معتدلة الخلق . فذهبت به كل مذهب . وكان به حياء أو كان يكتم ذلك فى سريرته . فبعث اليها برسول أمين يطلعها على حبه لها فأنكرت الرسول وشتمته . ثم أرسل اليها رسالة يشكو فيها حبه لها فمزقتها واحتقرته . فزاده ذلك تعلقا وكربا . فلم يمر على حبه لها حول حتى ورد عليه نعبها . فبكاها ثم اعتزل الناس . ومن ذلك الوقت خولط فى عقله فأودع المارستان .
- 3 - حدث سهيل قال : حب معن الثريا شديدا . وكان فى أول الأمر رسول الصامت اليها . ولما عرف ذلك معن منه قام الخلاف بينهما . ويقال ان معنا يحب الثريا لأنها ككواكب الثريا .
- 4 - حدث سهيل قال : لم نسمع الصامت يتحدث عن النساء قط . وكان اذا ما تحدث الناس فى حضرته عن ذلك لاذ بالصمت والاطراق ، حتى انتبه اليه بعضهم فرماه بالخصاء أو بالحلق . فذهبت فيه الأقاويل كل مذهب حتى آضطر الى العزلة .
- 5 - حدث لؤى قال : كنا نختلف إلى معن ، ونحن أحداث نسمع الرواة ، ونقرأ الصحف وننظر فى الكتب ونتناقش . وكان يصحبنا فتى طويل القامة ، نظيف الثياب ، غزير الشعر . لا نعرف من أمره شيئا . وكان صامتا ، كأن به حزنا . ولم يزل على ذلك حتى سمى بالصامت
- 6 - حدث الصامت قال : كان معن يقول حينما تقرأ عليه قصص الأبطال : البطل باطل والانسان حق !
- 7 - حدث لؤى قال : مات الصامت . فلم تبكه أمه . ولم تقم له قبرا فى حديقة دارها . ولم تمكث فى بيتها لا تخرج . ومر عام على وفاة ابنها فماتت . ودفنت بجواره .
- 8 - حدث معن قال : لما رمى الصامت بالخصاء او الحلق ، وثلبته الالسن ، قضى على نفسه
بالعزلة . فلم يخرج الا لمن يثق به . فمحى امره من اذهان الناس امدا طويلا . حتى جاءنى نعيه . فسألت الناعى عن سببه فقال : اخذه عسس المقبرة ذات ليلة ، وهو ملتبس بامرأة ، فلما نودى به فى التحقيق صرح انها أمه . فامر الحاكم بقتله صبرا .
قال سهيل : فوقع على هذا الخبر كالصاعقة . ثم قلت للناعى : - " او تعرفها " ؟ قال : " ومن ؟ " قلت : " أمه " قال : " وكيف اعرفها ، وانما رويت لك الخبر " قلت : " اعلم يا هذا فهى والله اختى الثريا "
- 9 - حدث سهيل قال : لما احتضر معن قال : " كن مذنبا وإلا فسوف تكون بريئا ، وذلك عين الشر ! " .
- 10 - حدث معن قال : مررت بالمقبرة يوما ، وأنا رائح الى دارى وقد مضت قطعة من الليل وكنت إذ ذاك على سكر خفيف . فبينما أنا أسير وأجر رجلى إذ اعترضنى سهيل ، فكدت أصطدم به لو لم يأخذ حذره . فمر بى ، وكأنه ما عرفنى و لا رآنى قط . فتعجبت لتجاهله إياى غاية العجب . وأحببت أن أكلمه . فجمد لسانى فى فمى . ثم ألقيت بصرى اليه فاستغربت شكله وهيأته . فكأنه زاد طولا ونحولة . فانكرت ذلك ورجعت لنفسى فقلت : " انى لأراه مهموما مغتما متلبسا وقد لزم داره واعتزل أنديتنا . وقد عهدته مولعا بالجدل ، فكها " . وقلت :
" ويحك ، مالك تراه على هذه الهيئة النكراء ؟ والله لا تبعنه ولا عرفن ما يطلب " .
قال : " فعدلت عن طريقى . فلما تقدم على ، ودار بخلدى انه يهرول ، أخذت السماء تلقى على الكون سواد ملطخا كسلح الطير ، فعشى بصرى . وعظم على ذلك . وبدأت أضطرب في الظلام . ورأيت بعد لأى سهيلا يأتى المقبرة فلا يلج بابها ، بل يعرج عنه فيخلفه . ففعلت ما فعل . تالله ما علمت قط كم مسافة قطعت ، وانا وراءه اخبط فى العتمة . .
" وانى لفى توترى هذا ، اذ رايت سهيلا ينتهى الى دوحة عظيمه ويحوم حولها كانه يطلب فكرة عزبت عن عقله . فاحترت جدا واستعذت بالله سبعا او عشرا . وما هى الا برهة حتى اختفى عن بصرى سهيل . فرجحت اختفاءه واستنجدت بعقلى فما اسعفنى . ثم خيل الى ان الدوحة اكلته . كما يا كل الذبان النبات الأكول . فقمت والحذر يقعدنى . حتى اسرعت نحوها . فلم أجرا على لمسها وبدت لى كالنار اليابسة . فلم ألف سهيلا ولا شيئا إلا عروقا عظيمة تهالكت في الارض خلتها تنبض ماء . ثم طلبت سبيلى ، وقد آمنت بالدوحة والماء والخيبة . فوجدتها بعد لاىء . وبعد ساعة تراميت فى النوم
قال : فلما اصبحت وجدت نفسى ملقى على أرض محصبة حمراء حذاء قبر خرب وقد اجتمع على الدود والنمل . ففزعت وعدوت لا ألوى على شىء .
- 11 - حدث لؤى قال : لما نزلت الطريق ، بحثت عن مدينة الابراج وقد كنت سمعت عنها أحاديث جمة . فتشوقت اليها وتمنيتها . حتى ظفرت باللافتات فهدتنى اليها . ودخلتها بعد مشقة .
قال : وقفت حينا أتامل اشكال هندستها . وأنماط معمارها ، وضروب صيغها فبدت لي عارية ، باهتة ، خاثرة . فكأن خطبا هندسيا ألم بها ، كأن لعنة مادية اقامتها على اسسها فركبت عماراتها بعضها على بعض . كانها تسمو الى شئ لن تناله . . وطفت فيها ساعات فلم ار فيها شيئا الا هذا القفار الموحش
الذي يعصف بنوافذها وابوابها فترتعش فتخفق فتتهشم . . فقلت لقلبى : هذه مدينة النحاس بلا ريب ! وشعرت بقلبى حالما دخلت المدينة يضخ شيئا كالمادة ضخا . فتكررها شرايينى فاكون كالتمثال الذي لا يعرف أزمة الروح . ثم رغبت عن المدينة وامتلأ قلبى ، وهممت ابحث عن نزل او مشرب لاستريح . وانى لكذلك إذ نجم إنسان آدم طوال أنيق من وسط شارع عريض فأقبل نحوى وهو يخطو خطوات متزنة بل متثاقلة . فوقف على بعض امتار مني وحدجني بنظرة فى صمت ، فهممت ان أكلمه ، وان استنجد بوجوده فى هذه المدينة الراكدة . فاحسست وقتذاك كأن حاجزا منيعا يحول دونه ودونى وساد الصمت بيننا وجثا . ثم تقدم خطوة فرأيت شفتيه ترتعشان . وانتظرت ان يقول كلمة ولو حرفا ولو بعض حرف . ولكنه ما نطق وما نبس ! فحاولت ثانية ان أخاطبه وان امد يدى لمصافحته . فكان يدى تأبت وجمدت . وشعرت كأني أسيخ في رمال لزجة من الصمت . ثم تقدم خطوة فلمحت يديه ترتجفان فخلته مريضا بالاعصاب . وحضتنى نفسى على أن أكلمه لاخر مرة ولو أن أقول له : " اهلا وسهلا بك ! " وان اصافحه بحرارة . فامسكت . ثم تقدم خطوة ثالثة حتى اقترب منى فانحنى قليلا واراد اذنى . فهمس فيها :
- " لا تقل شيئا ولا تفعل شيئا ! انهم يصغون ويرقبون ! " قال : فلم افهم ما قال فهمست فى اذنه : - " ومن تعنى ؟ " فهمس : " هم ! الضمير . . . هم ! افلا تفهم ! ؟ " فهمست : - " ومن هم ؟ هم من .. هؤلاء ؟ انى لم أفهم شيئا من حديثك هذا ! افصح يا اخى افصح ! " فهمس : - " لا اعرف ! " فهمست : - " فكيف لا تعرف من هم ؟ وهم - كما تقول - يصغون ويرقبون ؟ ! وانت الذى . . . " فقاطعنى وهمس : - " انطلق مع إذن ! . . . "
- 12 - قال لؤى :
قال أصحاب الآلات لما سألهم معن ماء وطعاما : " انا ننقب عن الماء . ولئن وجدناه ، وعثرنا على عيونه فلسوف تهيج هذه الارض بالزعفران . وإنا لمجدون ! "
- 13 - حدث لؤى قال : عزمت على السفر وذلك فى الصائفة المنصرمة . فهيأت كل ما احتاج اليه وتاهبت . وقد آثرت الرتل السريع على سواه من وسائل النقل للامن والروح عبر الاقاليم . وقلت فى نفسى : " سافر يا هذا ، وانزع عن كاهلك اثقال الدنيا واعباء الحياة واتركها لمن بحسن القيام بها . فانك لم تخلق ابدا لهذا " .
قال : ثم كان يوم السفر . فاحسست والله كانه يوم الفرار . فزفت ساعة الرحيل فركبت الى ما اريد . وصعدت السريع بين جلبة الركاب وزحامهم الشديد . وطفرت من عينى دمعة ، ولكنى قلت عند ما انتهيت الى غرفتى : هنيئا لك لؤى ! ورميت بحقائبى . . . ولما تحرك الرتل ، وطوى الارض وتهاوت بنايات المدينة عن يمينه وشماله وخرج يطلب المطمئن والحزن آمنت بالسلام ، وان اعترانى شىء فى نفسى كالحياء أو كالخجل . فارتعت وعضضت نفسى عليه ثم تناسيت ذلك . ولبثت بالسريع يومين مرا كاللحظة طورا وكالابد تارة . وانا اتجول فيه بين المطعم والغرفة . فلما صبحنا اليوم الثالث وكنت انتظر النزول مع اخر العشية أذيع فى الركاب ان السائق قتلته سكتة قلبية . فاضطرب الفزع فيهم ، وطار عقلهم ، وعمت الفوضى ، وخرجت السبح من الجيوب تدعو . . .
قال : فصرخ بعضهم : - " ليمسك بالمقود مسؤول ! " فقال قائل : - " رفض المسؤول وأبى وهو ينتظر الاذن من مركز الارتال ! " فقال ثالث : - " اجراءات لازمة ! " فقال رابع :
- " يمسك المسؤول بالمقود والا فجروه ! " فقال خامس - " فيم الانتظار ؟ ارموه بالارض ان استكبر وعصى ! " فقال المسؤول :
- " مهلا يا ناس ! افتحوا الباب على الضحية . فانه مغلق عليه بسبعة مفاتيح ! ولئن فتحتموه فو الله لا صيرن بكم الى النجاة . فهلموا مع حفظم الله من التهلكة !
قال : فاسرع الناس وقد ركب بعضهم بعضا حتى جاؤوا القاطرة . فاخرج احدهم مفتاحا ضخما فاولجه فى الباب وقال : " هذا مفتاح ضيعتى لعله يصير بنا الى الخلاص فاختطفته الأيدى خطفا ، وقذفوا به الطريق فهلك ثم تقدم ثان فقال " هذا مفتاح متجرى سيصير بنا الى الخلاص " فمات لطما وركلا وغرق فى البصاق ثم تقدم ثالث فقال : " هذا مفتاح مصنعى فهو والله الخلاص
فمن الركاب من صفق ، ومنهم من نظر ، ومنهم من سب وشتم . ودخل بعضهم على بعض باللكم
قال : ثم تقدم رابع وخامس وسادس وسابع فلم يتحرك الباب قيد انملة ، بل زاد اصرارا وتعنتا . ثم اخذوا اعمدة حديد عظيمة فاقبلوا عليه . فامتنع فضيعوا جهدهم هباء . وقالوا : - " ما نفعل ؟ " قال قائلهم : - " نخاطب المركز ! "
فعدوا حتى دخلوا غرفة اللاسلكى . فالفوا الهاتف مهشما ، ممزق الاوصال . ثم اقبلوا على النوافذ يلقون بابصارهم الحيرى الى الطريق . فاذا بالرتل لا يابه بالمحطات ، وقد تعالت اصوات اولى امرها وصرخوا " الرتل ! الرتل ! " وأضحى السريع برقا . وصرخت عجوز :
- " رتل يقبل علينا ! النجاة ! النجاة ! انقذوا ارواحكم " . فرددت الصراخ اصوات . فالقى الركاب بانفسهم كالقرب تتصدع دما فتطير فى غبار الطريق اشلاء . ثم قالت لى العجوز :
- انزل ! قلت : - لا ! قالت : " انزل ! " قلت : - اليك عنى ان بصرك لقصير ! " . قلت : - " لا " قال : فنزلت العجوز فهلكت . وبعد لحظة مر الرتل المقبل بالسريع ولم يصطدما . وانفضخت عرقا . . وعدا الرتل حتى فشل .
- 14 - حدث معن قال : لما دنا منى الرجل ودنوت ، وهمس وهمست ودعانى ان انطلق معى اخذت الحقيبتين بفضول واصغار واضطراب .
قال : وقطعنا بعض الشوارع حتى انتهينا الى شبه دهليز فوقف وأومأ الى ان ادخل . ففعلت . حتى وصلت آخره امام باب كبير بسيط المنظر . فلما دنوت منه انفتح على مصراعيه . فانجذبت ووجدت نفسى فى قاعة تضاءل فيها جرمى . وما ان شعرت بثقلها على نفسى حتى اقبل على رجل بدين على غلالة نوم حمراء فهتف :
- " اهلا ! اهلا ! وسهلا بك ! هذا غياب طويل يا اخى " فمددت يدى اللثقة الصردة لاصافحه . ففعل مثلى ثم استانف ترحابه - " نعم ! انه لغياب طويل ! كيف تخول لك نفسك الخ . . قال معن :
وانى لفي تكوين هذه الاحتمالات المتداخلة المتعاكسة ، إذ ربت الرجل على كتفى كانه يريد ان يقول ان انتبه . فوعيت . وسمعته يقول بصوت عال :
" يا فلانة ! هذا ضيفنا يقبل علينا ! فأعدى لنا المائدة ! " ثم التفت الى وهو يقول :
يا اخى ! لطالما انتظرت قدومك . . . ففيم هذا الغياب ؟ او كنت على سفز ام جرك التجوال الينا ؟ ولم لم تجب على رسائلنا ؟ او كنت مهموما بشواغلك ؟ . . الخ . . "
وتركته يهذى مليا . . وجلت بناظرى فى هذه القاعة الواسعة المترامية . فهذه شبابيك اندلسية تنفذ منها نصاعة النهار . ولكن ما لهذه الشموع التى يذهب نورها سدى ؟ صدر القاعة ملىء بمكتب من الابنوس عليه علب لفائف و مجلدات قديمة ، واقلام ، وهاتف أبيض ، واكتظت القاعة فى وسطها وفى بعض زواياها باصناف التماثيل القائمة والراقدة والمتراكمة على الارض كأنها مهملة ٠٠٠
قال معن فى حديثه : اجل ! لقد رايت هذا الرجل منذ سنين عدة . فلم يتغير : هذا شكله وبدانته ، وقبح وجهه . . وهذا الانف الذى ما ينفك يرمع ويرمع .
ثم اشتبه على الامر . فقلت فى قلبى : هذه اضغاث احلام ! ثم رجحت معرفتى به . لكنى احببت مع ذلك ان اضعه فى اطار مكانى ما ، علنى اجد سبيلا لذاكراتى . . لكن النسيان أتى عليها . ولم يترك سوى شكل هذا الرجل الذي يقرع اذنى بكلمات لا افهم ما يقصد وراءها . ذاك الرجل الذى قد يكون عرفته فى الاحلام ، او فى ضباب اليقظة هو نفس هذا الرجل المنتصب امام كالسارية ! وحاولت نفسى كى اعرف على وجه الحقيقة الواضحة الظروف او الزمان الذى عرفته فيه ، لتكشف لذاكرتى عن لمحة ، عن إشارة عن علامة تدلنى بل تحدد لى عالم هذا الرجل حيال عالمى
واصطرعت فى فكرى الاحتمالات المختلفة المتناقضة . ولكن بلا جدوى ، وداخلنى الاستسلام وسمعته يقول : - " ... قل المزار وطال البين ! " فقلت : - " انى . . "
فقال : - اني اعلم جيدا ما تريد ان تقول ! فقلت : - " أريد ... " فقال : - أجل ! أجل ! انى اعلم كل شىء ! ٠٠٠ لكن كان من حقك ان لا تنسى صداقتنا ومودتنا ، وعشرتنا ! بالله عليك ، الم نشرب الماء وناكل الملح معا ؟ "
قلت : - " ربما ! ولكن " فقال : - " لكن ماذا ؟ الا تزال كما عهدتك مترددا ، متشككا ، حائرا ؟ يا اخى ! انى انصحك ان تعالج نفسك وان تغير من طباعك هذه ، وان تبعث في نفسك الثقة والامل والطمأنينة ! خل عنك يا اخى الرضا ، والقناعة والاستسلام ودونك ، دونك العزم والطموح واللهفة ! "
فصحت به : - قف يحفظك الله ! اما هذا فلا اقبله منك ! زعمت انى وخليطك واليفك فشكرناك على ذلك واثنينا عليك . ثم زعمت انني متردد ، متشكك ، حائر ، فانتقدتنى وتريد بذلك ان تلقى على درسا فى الاخلاق على حساب هذه الخلطة والالفة ! .. .
قال : - " هذا أعرفه منذ . . . " فقاطعته وقلت : - اعلم يا سيدى انى ابغض الاخلاق والمؤدبين ! . . وترمينى بالقناعة والرضا والاستسلام وتامرنى بالعزم والطموح واللهفة ! . . فهذا والله من غريب كرم الضيافة ! ...
فقال : - " أخي ! كيف لا يعاتب الصديق صديقه ؟ الا يلومه ؟ الا يؤنبه ؟ ايحسن بى اذن ان أجاملك ! وانت على أبواب الزواج ! . .
- " ما جئت لاتزوج . . . - " بلى ! " قال معن : فلم أكد استوفى كلامى حتى دخلت امرأة من أحسن النساء وجها ، وأناقة تحمل طبقا نحاسيا عليه بعض الاوانى وأصيص فيه أزهار البنفسج ، فوضعت الطبق على الخوان وخرجت مدبرة فى بعض حياء
قال : " الحديث ذو شجون . أما الان فنتوكل ! ثم أذن لى الرجل بالقعود . ففعلت . ونظرت الى الطبق بعد ما رفع الرجل المناديل فالفيت الاوانى الشفافة ملآنة ماء
قال : - " طعام ! " قلت : - " لا ! وليس هذا بطعام ! " قال : - " بلى ! وهل يوجد شىء أحيا من الماء ؟ فيه نعمة المؤمن وجحود الكافر ! فرأيت الرجل يتناول آنية فيكرع ماءها بلعا ، ففعلت مثله حتى تحرقت جوفى
وبعد أن شربنا الماء عبا ولهفا وبلعا دخلت جارية قبيحة الوجه قصيرة نحيفة ، جميلة الثياب ، بها قزل . فاخذت الطبق ، وخرجت فى اضطراب وخيلاء فاشار الرجل : - " هذه الثريا ! . . . " ثم نهض الرجل بدون اذن . .
- يتبع -
