الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

احتراق

Share

الى م - ن - اعترافا

" القصة القصيرة هي تحفة فنية ذات وحدة وشمول . . هى لوحة متكاملة العناصر من لوحات قصة او . . من قصة حياة

الاسلوب الإيحائى فى القصة القصيرة هو اعظم مقوم لها . . "

ر . غ .

نظر حامد الى ساعته فألفاها تشير الى الخامسة والنصف مساء فغادر مكتبه ، وتوقف قليلا أمام مكتب المدير ، وفجأة عن له أن يصعد الى سطح بناية عمله الشاهقة . . وفيما هو يصعد المدرج ببطء امتد نظره ، من احدى كوات المدرج ، الى مكتب ندية ، احدى زميلاته ، فوجدها جالسة الى مكتبها تعبث ، بين أصابعها ، بلفافة تبغ يتصاعد منها دخان أغبر اللون . .

وتابع سيره . . ولما احتواه سطح البناية رأى الشمس مائلة نحو مرقدها هادئة في موكب اشعاعها البرنزى اللماع . . وفيما كان نظره يطوف بين قمم البنارات المتعالية احس أن بفمه طعم التبغ ، طعما عطنا لا يحوى نكهة التبغ ومد يده الى جيبه الصغير فوجد علبة التبغ قد نضبت لفائفها . .

وغادر هذا المقر وتوقف فى احدى محطات الحفلات العمومية ، وقف ولا يدرى بالضبط وجهته . . واخيرا خطر له أن يذهب الى صديقه البشير ، ومعه يقتل بعض الوقت ، فى أبخرة قصصه الكثيرة عن النساء . غير أن صوت نادية حول اتجاه هذه الخاطرة . قالت له :

- يبدو أنها تأخرت عن الموعد ؟

- من هى ؟

- التى تترقبها فى قلق ؟

- أنت مخطئة ؟ لقد عفت النساء ؟

- لأنك غبى ؟

- أقررت بغباوتى قبل أن أكون فى هذا الوجود ؟

- العفو يا حامد ؟ لقد بحثت عنك فى مكتبك فلم أجدك . وها أنا جئت لأزف اليك خبر ترقيتك فى عملك . لقد أصبحت رئيس قسم ،

وقد علمت ذلك من رسالة واردة الى المدير من كتابة الدولة . .

ولما أدرك صدق لهجتها رمقها بنظرة طويلة ثم ابتسم وقال :

- ولكن ، لماذا هذا ؟

فقالت مستغربه :

- لماذا هذا ؟

- لان هذا لا يغير شيئا

ورافقها فى تجوال قصير فى شوارع المدينة ، رافقها على مضض !

وليس معنى هذا أنه سئم ناديه وانما لانه فى تلك اللحظة بالذات كان يغمره احساس مقيت ، احساس من يلوك جسما مطاطيا خاليا من كل طعم أو لذة . .

انه يعرف نادية منذ اكثر من ثلاث سنوات ، عرفها فى احدى قاعات المحاضرات التى يحضرها العموم . . فهى على جانب كبير من الاناقة والوسامة والذكء . لذلك فان الحب الذى يربط بينهما صادق النزعات عميق ، غير أنهما لم يدركا تمام الأدراك ما الذى يقف بينهما وبين الزواج . .

كانا يسيران صامتين ، ولما دخلا حديقة عمومية توقفت ناديه أمام طفل فى السادسة من عمره واقتربت منه وأمرت يدها على رأسه ثم احتضنته وقبلته

- ما اسمك يا حبيبى ؟

- سامى ؟

قال لها حامد

- فى عينيك نداء الأمومة ؟ أتفكرين فى الزواج :

ولم تجبه . . وبقيت ترمق الطفل الاسمر يبتعد ، فأضاف

- لو رآك هذا الطفل بعد عشر سنوات ، فيدعوك لرقصه ، رقصة مراهق ؟

قالت : - قد يحدث ذلك ، وقد تحدث أشياء أشياء أخرى كثيرة .

ولكن ، لا أدرى الآن ما عسى أن يكون موقفى ؟ لا أدرى ؟

ونظر اليها حامد . . نظر الى عينيها ، الى شفتيها فارتجفت يدها ، فنظرت اليها وهمست له - انها حمقاء ؟ ان المرأة لا يمكن لها أن تتخلص من أنوثتها ؟ ان أنوثة المرأة ضرب من ضروب العبث ؟ ولم يجبها ، بل اجتذبها اليه ، فأحس برأسها يتدانى منه ، فأسرع بيده الى جيدها ، فمالت اليه بوجه . ساكن ، متميز التقاطيع ، ناعس الأهداب ، واسلمت شفتيها للثم خافق متلاحق

. . دعتهما سمية احدى صديقات نادية ، للحفلة التى ستقيمها بمناسبه عيد ميلادها . . وقضيا ليلة ساهرة ، راقصة ، وفي الاثناء اخبرها حامد بأنه قرر أن يقضى عطلته السنوية عند أمه بالريف ، وذلك ليتمكن من كتابة قصته التى طالما حدثها عنها . فوعدته بأن تكتب له رسائل كثيرة .

. . قالت نادية محدثة احدى زميلاتها فى العمل :

- لقد تعلمت شرب النبيذ ؟

- ويحك أيتها الشقية ؟ وكيف ذلك ؟

- كان ذلك البارحة فى حفل عيد ميلاد سميه ؟ الحق انى ترددت فى اول الامر ولكن حامد شجعنى على ذلك ؟

- يا لك من تعسة ؟

- ولم يمض بعض الوقت حتى ألفيت يدى تمتد الى الكأس الثانية الح وبعدها أحسست أنى عائمة فى أبخرة دفء لذاذة حميمة ، مثيرة . . فضحكت وراقصت كثيرا .

ولا أدرى لماذا لم اراقص البارحة حامدا ؟ الحق أنه كان ثملا ، شديد التلطف باحدى البلجيكيات الشقراوات . . ؟

- وهل سمحت له بذلك ؟ فقالت مماجنة

- متى استعبدتم الناس . .

- ومن هو هذا الاستاذ صالح الذى قضيت معه كامل السهرة تراقصينه رقصا اثار فضول جميع الحاضرين ؟

- ومن أين لك ذلك ؟

- انه حديث جميع الزميلات هنا ؟

- لا أعرفه ؟ قدم الى . . ولقد نعته بقليل الادب عندما لثم وجنتى بشفتيه المستعرتين ، ولكنه راح يهمس فى اذنى بكلمات دافئة . .

- وحامد ؟

- أف ! دعنا من هذا الموضوع ؟ انى أحب حامدا حبا عظيما وكلما تلامحت لى فكرة الزواج به تطايرت الى دماغى خواطر غريبة تريبنى ؟ اذكر انى اسررت له مرة بمكنون هذه الاحاسيس الغريبة فأجابنى بكل يسر وسرعة : " انى أعلم ذلك يا نادية ؟ " .

لا يمكن أن يبقى لعلاقتنا هذا الميسم ؟ ولكن هل من كل هذا بد ؟

وسقطت نادية فى بكاء مر ! فقالت لها زميلتها

- تزوجى يا نادية ، تزوجى ؟

. . مضى على حامد فى الريف اكثر من شهر ، ولم يعد الى العمل . وكتب لنادية رسالتين ولم ترد منها الا رسالة مؤرخة بتاريخ الاسبوع الاول الذى غادر فيه حامد العاصمة . كانت الرسالة شبيهة بيوم حامد التى يسجلها هناك ، بالريف . . فهى تسطر ثرثرة خاوية من كل عمق . كانت تكتب له

" . . غادرت مكتب فى الساعة الواحدة بعد الزوال لأن اليوم يوم السبت . وأذكر أنى ، بحركة آلية ، لاشعورية ، ملت الى باب مكتبك وفتحته فوجدته مظلما ، . وقبل ذلك بلحظات كنت أراك تمرح فى أعطاف أشجار الزيتون . "

" . . وفيما كنت أختار لبوس اليوم استبدال بى احساس لمرهق بدأت أمله . . احساسى أنى فى وقد ليلة الاحد . . واتجهت الى المرآة ولما انعكست ملامح وجهى عليها أخذتنى ربكة ؟ لماذا ؟ لا أدرى ، وانما الذى أدريه هو انى بعد لحظات ، ألفيت اصبعى يرتفع وئيدا ، ويتلمس ، فى شىء من اللامبالاة نقطة من الصدأ علت احد جوانب المرآة . . "

" . . وأطردت عنى زحمة الشوارع هذا الشعور . واذكر ان أحد الشبان ضايقنى كثيرا وألح فى مجاذبتتى الحديث ، فابتسمت له . . ابتسمت ولا ادرى بالضبط لماذا ؟ .

ولما طلب منى ان نتقابل بعد الزوال اخبرته بأنى متزوجة ولى ثلاثة أطفال . . ولما دخلت الى مكتب نسيته بسرعة ، ونسيت أنى فى احضان يوم السبت . . "

" . . . طلبني المدير على الساعة الحادية عشرة صباحا ، وقضيت فى مكتبه نحو نصف ساعة شرح إلى فيها برنامج عمل مرهق ، طويل . كان ، كعادته ، هادىء المحيا متزن النبرات . . كان يحدثنى حينا ويبحث فى أوراقه حينا آخر . . وكنت ارمقه بل أرمق ما صبغته به الخمسون سنة التى عاشها ، وأحسست ، فجأة ، أن لونا غريبا من الهيبة المحببه الى النفس تشع من هذا الوجه الهادى . . واذا برغبة ملحة ، خبيثة ترتج فى وجدانى : انى اريد أن ألمسه ، أن أضمه . . أن أضم الخمسين سنة ، أن أعانقها ، أن ألثمها . وابتسمت وانا أشاهد شفته السفلى تتحرك فى بطء وتريث وتأمرني بالعودة الى مكتب ولا أدرى لماذا هويت على يديه استرحمه ليمنحنى عطلة . عطلة تمتد اسبوعا . . "

" . . لا أدرى لماذا طلبت هذه العطلة كما انى لا أدرى لماذا اكتب لك كل هذا ؟ أكتب لك ، ولك خاصة ؟

انت الآن فى مكان ما من لهوك

انت ما أبهى " الأنت " ؟ . . أفى امكانك ان تبقى ذكرى طفرة ماج بها مض ؟ أقى أمكاننا أن لا نتجاوز هذا الحد ؟ لا أدرى ؟ . . "

قضى حامد ثلاثة اشهر فى الريف بعد ما قدم استقالته من عمله . . قضاها أسير رغبته المستعرة فى كتابة قصته . ان قصته حية فى دماغه نابضة في وجدانه ، متحركة فى مشاعره . . غير أنه كلما أخلد الى قلم وأخذ يكتب تتزاحم أفكاره وتتلاحق ، وتتراكم وتتلاحم وتعج وتصطخب فيركن الى الصمت ويعروه لون من الافلاس المقحم . . واخيرا جمع كل ما كتبه وعاد به الى العاصمة وانخرط فى كلية الآداب لمتابعة تعليمه . . لقد ارجع فشله فى كتابة قصته الى عدم ترويه من ميدان المعرفة . .

. . مرت ثلاث سنوات على حامد فى العاصمة خاوية . . فارغة ولم يعلم من اخبار نادية الا خبر زواجها وانجابها طفلة . . ثم انها تقيم مع زوجها الاستاذ صالح فى بلاد اجنبية . . . وهكذا وجد نفسه ، هو هو ، يجر نفس الاحاسيس الفوضوية المضطربة ، منطويا على اعباء فشله فى كتابة قصته . . ولما حلت ليلة رأس السنة المسيحية ، قضى بعض الوقت فى قراءة قصته التى اعاد كتابتها . . ولما انتهى الى الخاتمة امسك قلمه واخذ يرسم على صفحاتها اشكالا هندسية خاوية من كل مدلول . . ثم اخذ يرنو إلى مجموعة الاوراق التى تحوى قصته ، ثم جمعها وألقى بها فى الموقد . .

اخذ معطفه بحركة آليه وقرر أن يقضى هذه الليلة فى ملاهى المدينة . . كان الجو باردا ، وكانت الرياح القارسة تهب عنيفة ، وكانت الشوارع ، رغم رداءة الجو د دائبة الحركة . . وتوقف امام دكان ليقتنى علبة تبغ ، ولكن فتاة أروبية دخلت الى الدكان فى هذه الاونة ، وزاحمته فى عجلة بادية وطلبت علبة تبغ من النوع الرفيع ، فتفحصها حامد بنظرة متسائلة ثم قال لها : - الا يمكنك أن تترقبي دورك ؟ فلم تلتفت اليه الفتاة ولم تعره اى اهتمام بل رفعت يدها الى شعرها الذى تلاعبت به الرياح وأخذت تزيح عن عينيها خصيلات ناعمة تلعثمت في فوضى على عينيها . . وسرعان ما تعرفها حامد . . انها فتاة تلك الليلة ، الليلة التى عرفت فيها نادية زوجها . . وخرجا من الدكان معا . واحست بوجوده بجوارها ، بجوار يدها اليمنى . . وجاذبها الحديث ، وحاولت التخلص من تلاحق كلماته ولكنه اصر والح وأطال . . ولما اقتربت من سيارتها قالت له : - اني أعلم أننا نعرف بعضنا بعضا ، واننا رقصنا معا ذات لليل ولكن هذا لا يعنى شيئا لانى لغيرك ، هذه الليلة على الاقل ؟

ولما امتطت سيارتها تابع حامد سيره فى الشوارع الفسيحة ، الزاهية بمصابيحها المختلفة الألوان . . وقضى بعض الوقت فى بعض الحالات الليلية الساهرة ، وشرب كثيرا

ولما نظر إلى ساعته ألفاها تشير الى العاشرة ليلا ، وعندئذ قرر ان يلبى دعوة سميه لقضاء سهرة هذه الليلة عندها فى بيتها . .

كتبت نادية لسمية تخبرها بمقدمها الى أرض الوطن ، وانها ستقضى ليلة رأس السنة المسيحية معها . وطلبك منها ان تدعو حامدا ليقضى هذه الليلة معهما كما اوصتها بأن لا تخبره بمجيثها لتفاجئه هى نفسها بذلك

غير أن حامدا قرر فى بادىء الامر أن لايلبى دعوة سميه لانه يعلم أن محور حديث السهرة سيكون عن نادية وأن ذكرى نادية يخلق فيه رغبة عارمة لمعاقرة الخمر . . ولكن شدة السأم الذى استبدال به فى هذه الليلة جعله يعدل عن تقريره الاول ويتجه نحو بيت سميه فى لهف وسعى كبير . . كانت الليلة حالكة ، دهماء . . وكان رش المطر يتساقط متسارعا . . ولما اقترب من بيت سميه كانت قطرات المياه قد بللت معطفه وتسللت ، متسربة الى جسمه . . وتناهت اليه قهقهات المدعوين فى فوضى من الموسيقى الصاخبة . . واستقبله اصدقاؤه الذين كان يعمل معهم بحبور كبير . . واحتضنته سمية ، فرحة ، واخذت تداعبه بكلمات ناعمة . .

وطلبت منه سميه ان يخلع معطفه المبتل ، وبينما كان يلبى طلبها اخذت عيناه نادية في جلسة وديعة مع المدير . . مدير الادارة التى كان يعمل فيها مع نادية . . وكانت لحظات حاسمة ، خافقة ، مرهقة . . كانت لحظات انذهال . . لحظات الاخذ . . لحظات فاقة وجودية صميمة .

وتهاوت ناديه بين ذراعى حامد وقد عربدت فى وجدائها عاصفة بكاء . . ورأتهما سمية يغادران بيتها ، ملتحمين ، ساكنين ، . وتساءلت : " أترى ؟ هذا هو الحب ؟ اذن ، لماذا لم يتزوجا ؟ "

كان يسيران صامتين . . وكانت قطرات المياه الباردة تصطدم بشفاهها المتلائمة فى تطفل و . . ودغدغة . . وكان يسألها عن امر زواجها و . . عن صحة ابنتها . . وكانت تقول له :

. . لقد فكرت كثيرا فى زواجى وحاولت ، عبثا ، أن استنتج الاسباب التى جعلتنى اتزوجه حتى تكون هذه الطفلة . . ولكن ، يا فلانى ، لابد من أن تبتسم المرأة ابتسامة . . ابتسامة ذات مصير ، ابتسامة كبرى . ومن باب الصدفة فحسب ، نعم فحسب ، أن ابتسمت له هذه الابتسامة بل هى ابتسامة صادف وجودها الوهم . . الوهم ! وقد تكون الابتسامة الاولى والاخيرة فى المصدر والجنس والاتجاه . . ولكن ، " قد " هذه ، عمياء هى ضرب من ضروب المكنون

ان ابنتى ، انما هى ضرب من ضروب الصدفة ، لا أدرى كيف يمكن لى تفسير وجودها . . "

كانت كلماتها تلاحق الى سمعه داوية ، ذات لذاذة ناعمة فكأنه كان ينتظر منها هذا الحديث منذ الازل . . .

. . التفت اليها فى الصباح فوجدها مستيقظة بوجهها الطفل . . . فاشعل لفافة تبغ . . فمدت يدها الى المذياع ، ففتحته . . واسترسلت منه موسيقى ، هادئة متموجة . . .

قالت له : - لقد أخطأت ؟ فقال لها :

- ان الخطيئة شيمة الانسان ؟

قالت له : سأعود الى زوجى غدا ؟

قال : اعلم ذلك ؟

اشترك في نشرتنا البريدية