الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

احد عشر ولدا

Share

ترجمة : ابو العيد دودو

لى احد عشر ولدا

الولد الاول ليس لمظهره كبير اهمية ، ولكنه ذو جدية وذكاء ، ومع ذلك فانا لا احترمه كثيرا ، برغم اني احببته طفلا ككل الاخرين .

ان تفكيره ليبدو لي في منتهى السذاجة والسطحية ، وهو لا ينظر يمنة ولا يسرة ولا الى المدى البعيد ، ويركض حول دائرة افكاره الصغير او بل هو يلف .

الولد الثاني جميل ، رشيق متين البنية . وانه لتسحر النظرة اليه وهو يتخذ وضع المبارز . انه ذكى ايضا ، ولكنه فوق ذلك ذو خبرة بالعالم ، فقد شاهد كثيرا ، ولهذا يبدو ان الطبيعة المحلية نفسها تبوح له بأشياء لا تبوح بها لمن بقى في مسقط الرأس ومن المؤكد ان الفضل فى ذلك لا يعود بالدرجة الاولى الى الرحلات فحسب ، وانما يعود ايضا الى ما لا يقلد في هذا الطفل الذى يعرفه مثلا كل من اراد تقليده فى قفزاته الفنية الى الماء ، تلك القفزات التى تتعدى حدودها ، ومع ذلك تظل بارعة محكمة . فتصل به الشجاعة والرغبة الى لوحة القفز ، ولكنه ، هو المقلد ، سرعان ما يجلس رافعا يديه فى اعتذار . - ورغم ذلك كله (الواقع انه كان يبغى لى ان اكون سعيدا بطفل كهذا) فإن علاقتى به كدرة . ان عينه اليسرى اصغر قليلا من اليمنى ، وهى تغمز كثيرا . ذلك مجرد عيب طفيف ، غير انه ولا شك يجعل وجهه اكثر جرأة مما لو كان على خلاف ذلك . ولكن لا احد ينظر في عتاب الى هذه العين الصغيرة الغمازة اذا قارنها بانغلاق طبيعته المتابية . اما انا ، اباه ، فإنى افعل ذلك . ان ما يؤلمني ليس هو هذا العيب الجسدى ، وانما هو شذوذ ما طفيف يناسب عقله ، سم ما تائه في دمائه ، عجز ما يحول دون اكتمال موهبته التى لاحظها انا وحدى . ولكن هذا بالضبط ما يجعله من جهة اخرى أبنى الحقيقي ، اذ ان هذا العيب هو في الوقت نفسه عيب الاسرة بأكملها ، وكل ما في الامر انه يبدو عليه اكثر وضوحا وجلاء .

الثالث جميل ايضا ، ولكن ليس هو الجمال الذي يعجبني ،

جمال المغني : الفم المجنح ، والعين الحالمة ، والرأس الذي لا بد له من بزازة لاجل ان يقوم بوظيفته ، والصدر البارز المقبب ، والبدان اللتان ترتفعان بسهولة وتهبطان بسهولة اشد ، والساقان اللتان تتحاملان ، لانهما لا تستطيعان حمل شئ . وفوق هذا : نغمة صوته لست مفعمة ، فهي تغر لحظة ، وتدع الخبير يصيخ السمع ، ثم تضيع بسرعة . - ومع ذلك فكل شىء يغرى بملاحظة الولد هذا ، الا اني افضل الإحتفاظ به فى الغيب . اما هو نفسه ، فإنه لا يثقل على احد ، وليس ذلك لأنه يعرف نقصه ، وانما لانه برئ ودييع . وهو ايضا يحس بأنه غريب عن عصرنا ، كانه ، زيادة على كونه ينتمى الى اسرتي ، ينتسب الى اسرة اخرى تعتبر بالنسبة له مفقودة الى الابد ، ولذا فهو سىء المزاج فى اغلب الاحيان ، لا شئ يبهجه اطلاقا .

اما الابن الرابع فلعله اكثرهم ميلا الى المعاشرة . انه ابن عصره الحقيقي ، يفهمه كل واحد ، ويقف على ارض هى ملك للجميع ، والكل يحاول الانحناء له . ولعله بهذا الاعتراف العام تكتسب طبيعته شيئا خفيفا ، وحركاته شيئا طليقا ، واحكامه شيئا سادرا . قد يردد المرء بعض عباراته ، يردد البعض منها فحسب ، لانه سيتالم بعد ذلك لسهولتها البالغة فى جملته . انه يشبه من يقفز بصورة جديرة بالاعجاب ، ويشق الفضاء كالعصفور ، ثم يستقر يائسا في الغبار القفر ، انه لا شىء . ان افكارا من هذا القبيل تنغص على منظر هذا الطفل

الابن الخامس طيب ولطيف ، يعد اكثر مما يفى . وهو عديم الاهمية ، بحيث ان المرء يشعر بالوحدة في حضوره الجامد ، ولكنه مع ذلك قد كون لنفسه سمعة ، وان كانت محدودة . واذا سئلت كيف حدث هذا . فإنى اكاد اعجز عن الاجابة . لعل البراءة تسرى فى يسر شديد عبر اهتمام العناصر فى هذا العالم ، وهو برئ للغاية ، لطيف الى الدرجة القصوى ، مع كل انسان . واني لاعترف : كم امرض عندما يمدح امامي . فحين يمدح الجدير بالثناء علنا ، فإن ذلك يعنى تخفيف المدح على النفس ، كما هو الامر بالنسبة لابنى

ابني السادس يبدو ، لاول نظرة على الاقل ، اذكى الجميع . انه خجول ، وعيبه هو انه ثرثار . ولهذا يصعب الاقتراب منه . اذا غلب المت به كآبة لا تقهر ، وان هو ظفر ، تباهى بذلك عن طريق الثرثرة . ومع هذا فلست انكر عليه ولعا معينا نسيه . انه غالبا ما يسرح فى افكاره في رابعة النهار كما لو انه يعيش حلما . وتراه ، دونما مرض - بل

انه يتمتع بصحة جيدة - يترنح احيانا ، وخاصة عند الفجر ، الا انه لا يحتاج الى مساعدة . ولا يقع ارضا . ولعل الذنب في هذه الظاهرة يعود الى تطوره الجسمى ، فهو ضخم جدا بالنسبة لعمره . وهذا ما يجعله على الجملة قبيحا ، رغم بعض الخصائص المسترعية للانظار . كاليدين والرجلين مثلا ، اضف الى هذا ان جبهته قبيحة المنظر ، اذ هى مقعرة فيما بين البشرة وتركيب العظام على نوع ما .

الابن السابع ربما يكون اشد انتماء الى من كل الآخرين . ان العالم لا يعرف كيف يقدره حق قدره ، ولا يفهم نوع نكتته . وانا لا ابالغ فى احترامه . واعلم انه تافه بالكفاية . ولو لم يكن للعالم خطأ آخر سوى انه لا يعرف كيف يقدره حق قدره ، فانه سيظل بعد ذلك نقيا . اما في داخل الاسرة . فإني لم ارد ان اتجاه وجوده . فهو يخل بالتقاليد بقدر ما يحترمها ، ويجعل من الخلل والاحترام ، على الاقل بالنسبة للأماسي ، كلا لا ينكر ، ولكنه هو نفسه اقل من يعرف ماذا يفعل بهذا الكل . انه لن يدير عجلة المستقبل ، الا ان موهبته هذه مشجعة وواعدة الى ابعد درجة . وددت لو ان له اطفالا ولهؤلاء اطفالا . من المؤسف ان هذا الامل يبدو صعب التحقيق . انه راض بمصيره ، وانا افهم هذا الرضا ، ولكنى لا ارغب فيه ، لانه يخالف حكم من حوله عليه ، فهو يطوف وحيدا ، لا يهتم بالفتيات ، ومع ذلك يظل محتفظا بمزاجه المرح .

ابني الثامن هو مصدر آلامي ، وانا لا اعرف في الواقع سببا لذلك . انه ينظر الى فى استغراب ، ولكن اشعر بان رابطة الابوة تشدني اليه شدا عنيفا . لقد أصلح الزمن اشياء كثيرة . اما في السابق فكنت ارتعد بمجرد التفكير فيه . لقد اتبع طريقه الخاصة ، وقطع كل علاقة بي . ولا شك انه برأسه العنيد وجسمه الصغير القوى كانت رجلاه فقط ضعيفتين منذ طفولته ، ومن الجائز انهما تعادلتا الآن - سينجح فى اى مكان ارتآه . كثيرا ما تكون لى رغبة فى استدعائه ، وذلك لاسأله عن احواله ، ولم انفصل عن ابيه ، وما هو مقصده الحقيقى ، ولكنه الآن بعيد عنى ، وقد مر على ذلك زمن طويل ، فسيبقى الامر على حاله . سمعت انه الوحيد ، من بين اولادى ، الذى يحمل لحية عريضة ، طبعا ، ان هذا لا يلائم رجلا على هذه الدرجة من الصغر

ابني التاسع انيق الهندام جدا ، وله نظرة عذبة تستهوى الغانيات ، عذبة الى درجة انه يستطيع بالمناسبة ان يغريني انا نفسى ، رغم علمي بأن اسفنجة بليلة تكفى لمحو هذا الالق السماوى . ولكن المهم فى

هذا الولد انه لا يعبأ بالاغراء اطلاقا . ولعله يكفيه ان يستلقي على المتكأ مدى الحياة ، ويبذر نظراته فى التطلع الى سقف الغرفة او يتركها ترتاح تحت جفنيه . وان هو وجد فى وضعه المفضل هنا ، فإنه يتكلم عن رغبة وبصورة جيدة ، تزاحمه افكار واضحة جلية ، ولكن في حدود ضقة ، فان هو تعداها ، وهذا ما لا يمكن تجنبه نظرا لضيقها ، امسي كلامه لا طائل تحته بالمرة قد يطيب للمرء ان يمنعه باشارة منه ، لو ان له املا في ان تلاحظه هذه النظرة المفعمة نوما .

ابني العاشر يعتبر مزاجا كاذبا . لست اريد ان انكر هذا العيب تماما ، كما انني لا اريد ان اؤكده تماما . والثابت ان من يراه مقبلا ، في رشاقته التى تتعدى حدود عمره ، وبسترته المزرورة ابدا ، بقبعته العتيقة السوداء المنظفة باهتمام زائد ، بوجهه الجامد وذقنه البارز قليلا وجفنيه المنحنيين فوق عينيه ، واصبعيه اللذين يقادان الى ثغره احيانا . من يراه هكذا يظن انه منافق بلا حدود . ولكن لو سمعه يتكلم ! انه يتحدث بكلام مفهوم موجز وبعد روية وتفكير ، متسائلا بحيوية ماكرة ، وعلى اتفاق تام مدهش مع كل العالم ، يفترض ان يتصلب عنقه ويرتفع جسده . كثيرون هم اولئك الذين يدعون الذكاء والفطنة ويشعرون ، لهذا السبب فى اعتقادهم ، بانهم مبعدون عن مظهره الخارجى ، فتمكن من جلبهم اليه بكلمته ، الا ان هناك ايضا اناسا آخرين لا يقيمون لمظهره وزنا ، ولا يخلو كلامه فى نظرهم من تملق ظاهر . وانا ، كاب ، لا اريد ان اثبت هنا شيئا ، وكل ما في الامر انه يجب على ان اعترف بان النقاد الاخرين على اية حال اجدر بالاعتبار من الاولين .

ابنى الحادى عشر ناعم ، وهو حقا اضعف ابنائي ، ولكن ضعفه خادع ، اذ ان فى وسعه احيانا ان يكون قويا ثابتا ، ولو كان الضعف نفسه اساسا فيما بعد وعلى نوع ما . وليس هو ضعفا مخجلا ، لانه لا يبد وضعفا الا فوق ارضنا هذه . اليس الاستعداد للطيران مثلا ضعفا باعتباره اهتزا ورفيفا وغموضا ؟ ان ابني يظهر شيئا من هذا النوع . واوضح ان صفات كهذه لا تسر الاب ، فالظاهر انها تنتهى به الى تحطيم كيان الاسرة . انه ينظر الى احيانا ، كما لو انه يريد ان يقول لى : " ساخذك معى يا ابى . وعندئذ أفكر : انت آخر من آمنه على نفسي . فبدو نظرته كأنها تقول لى : افلا اكون اذا الاخير على الاقل ! .

هؤلاء هم ابنائى الاحد عشر .

اشترك في نشرتنا البريدية