( 1 ) منذ ثلاثة أيام وأنا فى هذه الغرفة العفنة المتعفنة ، افترش التراب واتوسد الحجر ، وبين حين وآخر تغمر انفى رائحة نتنة ... و
( 2 ) جئت هذه الغرفة بتوصيات ازلية ، كان يلقيها ابى كل مساء .. -ام الخواف لا تفرح ولا تحزن وكان يقول أيضا : - اللى خاف نجا ولذا كنت منذ خروجى فى تلك الليلة الماطرة اسير على قدمى فى بركة من الأوحال لا تنتهى بين الصخور والاشواك .
( 3 ) عبر الطريق رأيت قوافل مسرعة .. بشر مذعورون يحملون امتعة .. بعضهم يسير حافيا ، وبعضهم الآخر قد لف حول حوضه اقمشة حول المجوهرات التى يملكها . فى مفترق الطرق يتوقف كل الراجلين وتجرى عليهم عملية عملية تفتيش سريعة دقيقة .
( 4 ) لم أكن املك ذهبا ، ولا فضة ، ولا بندقية ... لم أكن أرغب لا فى الذهب ، ولا فى الفضة ، ولا فى بندقية .. كنت أحلم برغيف من الخبز الاسود اعمل فيه اسنانى واظافرى .. لكن كان فى رأسى دوى لصوت ابى .. -اسرع
-اقرأ ياسين وشد حجرة فى يدك . -اللى منحوس منحوس -مالكها ربى .
( 5 ) على حين غفلة خرجت من ذاكرتى صورة استاذى الشيخ ، استاذ التربية الاسلامية وهو يحاضر عن طاعة اولى الامر فينا وفساد الرعية ورسالة الراعى . واذ قلت - فساد الرعية من فساد الراعى كتب فى تقريرا ورفعه الى المدير .
( 6 ) الشارع الغارق فى غبش الفجر يتلوى كافعى شاردة ويتغلغل فى قلب غزة .. بائع الحليب وحده كان يقود دراجته التى كانت تنوء بما تحمل ، محاولا اجتياز المنعطف .
( 7 ) غمرتنى موجة من السكينة لم تدم طويلا ، فقد تناهى الى سمعى صدى طلقات حسبت انها فى الطرف الآخر من المدينة . فكرت فى أن اكتب رسالة - أنا بعيد عن خط النار ، مازلت انتظر المعجزة تصنعها سواعد الانسان .
( 8 ) - وصلتنا رسالتك عن طريق الصليب الاحمر الدولى .. وجهها ممهور بختم الاحتلال الاسرائيلى ، الكلمات العربية فيها مطموسة بين العبرية والفرنسية وحروفها العربية حمراء فى خجل .. فرحنا لانك ما زلت على قيد الحياة وانك استطعت النجاة بنفسك .
( 9 ) لم تبق فى العالم أرض تشد الناس .. ولا بيوت ، ولا كروم ..
( 10 ) كان صراع الاعماق التالفة .. يبين على الوجوه المتموجة بالحزن .
( 11 ) كانوا يتحركون حركة الموت ... اجسام صغيرة تحمل نفوسا كبيرة . وقعت بصمت وثيقة استشهاد وانتحار .. كنت وما زلت اسيرا فى لعبة الخوف .. وتساءلت فجاة . -اليس هذا بحلم ؟ قال أبى -محنة من الله ، وتكلم الراديو -اسحقوهم وقال التاريخ أنت خارج الدائرة ، وقالت نفسى - اللى خاف نجا ،
( 12 ) حاولت أن اجد تفسيرا لكل ما يدور حولى فعجزت .
( 13 ) كانت غرفتى تطل على شارع طويل متطاول .. وفى الحائط المواجه لغزة الصامدة الجريحة ثقب يرى منه قسم من الشارع . من خلف الثقب كنت احدق فى عالم حزين ، واقول لنفسى - اللى خاف نجا ... ولكن متى تنتهى هذه الهجرة ؟
( 14 ) قبل ان اصل هذه الغرفة مررت بغزة (( الجريحة )) شوارعها الحزينة .. مبانيها الجاثمة فى صمت.
( 15 ) سالت طفلا عابرا يبكى -اين والدك ؟ ذعر منى ، وهرب .. ازداد ايمانى بحكم والدى الازلية .. واقتربت من رجل يجهز امتعة ويرمى بها سريعا فى سيارته .. سألته -هل يوجد بالمدينة ماوى للخائفين ؟ زم شفتيه وانحشر فى سيارته ..
-لست أدرى ... سالت كل من التحق بى من النساء والاطفال : -هل توجد غرف مهجورة ؟ لم يجبنى أحد .. -وسألت قطة تأكل اطفالها : -لماذا يجاوز الناس المدينة ؟ ماءت ولم تجب وسألت غرفتى منذ قليل : -لماذا يهاجر الناس ؟ أجابت .. -وانت ماذا تفعل هنا ؟
( 16 ) صوبت نحوى فوهة بندقية .. ارتعشت رعبا .. - من أنت ؟ - أنا .. أنا .. فى هذه الغرفة وضحك بقوة .. فرحت وأنا أرى انسانا يضحك فى هذا الوقت بين أحضان غزة الجريحة .. - وماذا ستفعل فى هذه الغرفة ؟ - سانتظر النهاية . - نهاية ماذا ؟ - نهاية هذا الذى يحدث - لماذا ؟
وارتبكت .. كان فى رأسى خمسة أجوبة او عشرة على هذه (( اللماذا )) توقفت عن الجواب وابحرت فى حزن عينيه .. وفى عينيه لمحت الموت والخوف . فجاة استجمعت شتاتا من شجاعة قديمة ... قديمة .. - أنا مطرود . - مطرود من اين ؟ - من الدائرة - اية دائرة ؟
- لست اعرف .. لقد قال لى التاريخ ذلك عندما كنت اسيرا فى لعبة الخوف - لعله يقصد دائرة التاريخ . - ربما . - هل تملك سلاحا ؟ - لا - لماذا ؟ - لا اعرف كيف استعمله ولم افكر فى استعماله - لماذا ؟ لعنت هذه (( اللماذا )) فى سرى ، بلعت لعنتى - الله وفتح وجندهما يحققون النصر . - ها .. ها ..
( 17 ) استمرت الهجرة .. واستمر الدوى .. وبدا ان دماء غزيرة قد سالت وان الوطن يتلوى بوجع لاحد له .. عرفت ذلك من طائر جريح كان يوقع الحانه الكئيبة بالقرب من غرفتى
( 18 ) مازلت وراء ثقب جدار غرفتى اشاهد ، واتخيل ، واتامل .. ابكى واغنى واشم رائحة العفونة .
( 19 ) استلقيت فوق اسمنت الغرفة .. حدقت من الثقب للذين مازالوا يهاجرون لاح مع الهاربين شبح سيدى الشيخ .. استاذ التربية الدينية ..
( 20 ) فكرت فى أن اسال سيدى الشيخ : - ماحال الراعى والرعية ؟ لكن الخوف صلبنى الى جسد الغرفة الهامد .. تمسكت به أكثر وخيل الى اننى كنت اجرح جدرانها ، واحفر باسنانى المدماة اسمنته المسلح .
( 21 ) كان الدم نازفا فوق الشوارع ..
كان الدم ثائرا فوق الشوارع .. كان الدم ...
( 22 ) سالت نفسى .. -ما اسم هذه المعركة ؟ وهل سيدرسها الاطفال فى المدارس ؟
( 23 ) ......................... .......................................
( 24 ) كان النزيف فوق الاسفلت من جميع ثغور المدينة .. كانت فوارة الدماء تفور وبدت المدينة مقبرة خوف واستسلام .. حفرة يتخثر فى باطنها الدم والهلع والقهر .
( 25 ) رائحة العفونة تغمر انفى .. تغرقنى فى اشمئزاز لا ينتهى .
( 26 ) امعنت انيابى فى اسفلت الغرفة .. جرحت حزنه باسنانى .. ورأيت دمى يسيل .
( 27 ) دهمنى احساس الوثوب باتجاه المهاجرين لاعانقهم وامرغ وجهى باحذيتهم الغبراء .. وكانت الغرفة تغور فى شق انفتح كبوابة من الجحيم .. وكنت ما أزال على جسد الغرفة الهامد ارسم صورة مشوهة لحرب العصابات فى الجبال .
( 28 ) اغور .... الدماء .... الغرفة الهامدة .... النزيف .. الهجرة .. التاريخ .... الراعى .... الرعية ....
( 29 ) قالوا : سيكف النزيف .
وقالوا : نكسة . وقالوا : خسرنا المعركة ولم نخسر الحرب . وقالوا : الخونة ! قالوا .. وقالوا .. وقلت : اللى خاف نجا .
( 30 ) اختلفت الاسماء والرب واحد .
( 31 ) لمحت وانا اغور وجه ابى المجعد من اثر السجود ووجه استاذى طافحين فوق بركة من الدماء .
( 32 ) لم ابارح مكانى بعد .. وكانت نواقيس الصمت تدق فى اعماقى .. تدق .. تدق ..

