الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

احوال

Share

قصة

حدث الاستاذ حكمة قال : لم تكن معظم الطرقات فى بلادنا معبدة ، فكان يشتكى من السير فيها حتى اولئك الذين عرفوا بانهم يتحملون صعوبات الطريق وتاثيراتها فى اقدامهم ولا يرضونها فى احذيتهم وبدأت الامور تتحسن تدريجيا فى سنوات الخير والمطر فحمد الناس الله كثيرا اذ نشطت التجارة والصناعة وانتشرت الاسواق الاسبوعية فى عديد الساحات العمومية والجهات النائية فاصبح القوم يتنقلون بكثرة وهم فى سعة من العيش ..

أصاب الاستاذ حكمه سعال شديد فتمتم بتقطع وهو يخرج منديلا متداعيا من تحت ركبته اليسرى :

ملعون هو كل شىء ... استغفر الله ، يرحمنى واياكم الله اعوذ بالله من كل شيطان رجيم . جرع رشفة ماء من اناء الفخار الذى قدمه له احد المنضمين الى الحلقة ثم حمد الله وواصل يقول : وكان السيد الوقود وصاحب الفضل الكبير على المساكين وذو العطاء الميمون محمد الناجى من اثرياء الجهة واتقاهم واكثرهم جودا وحكمة ، تصوروا انه ... لعنة الله على كل شيطان رجيم يريد به شرا ... انه يفطر رمضان لانه ، والله اعلم ، من الذين لا يطيقونه ،،، اعوذ بالله ،،، ويطعم فى اليوم الواحد ثمانين مسكينا عوض الستين الشرعيين وقد يصل هذا العدد الى ما فوق المائة فى عديد الايام ... رفع الاستاذ حكمه يديه الى السماء واستغفر الله متمتما : ان شاء الله ديمه نصوموه ، دنيا وآخره ، آمين ، ...

عدل السيد محمد الناجى عن التجارة بعدما تعب منها وقد وفرت له ارباحا خيالية ضخمة ، فشيد ديارا فخمة سوغ اثنتين منها وسكن واحدة واحتفظ باخرى مغلقة لابنه حتى يتزوج فى السنة القادمة او التى بعدها والله اعلم ، وهو يرفض ان يتركه يسكن فيها بمفرده او يصاحبه اليها ذكر خاصة اذا كان من الاحداث ، او .. استغفر الله ... انثنى مهما كان سنها ...

فى هذه اللحظة تفطن الاستاذ حكمه الى هبوب ريح قوية اغلقت النافذة بقوة وقد أبرقت السماء وارعدت، فارتعد وانتفض ومن حوله القوم شاخصون وإليه منتبهون، ثم عاد الى هدوئه واخرج سبحته من تحت ركبته اليمنى واخذ يمرر حباتها بين اصابعه ويذكر الله مرددا بسرعة : عفوك اللهم من كل تقلب مفاجىء حتى اكسو سقف البيت بطبقة من الجير اجعلها سميكة اكثر هذه المرة ،،، استغفر الله ،،، استكثرت اجر العامل الاول ،،، بسم الله ، بسم الله ، ووعدنى الثانى ولم يحضر من غير تسبقة ،،، يا لطيف ، يا لطيف ،،، وطلبت ثالثا فاقسم انه لا يتاخر ، ولم يحضر ،،، اعوذ بالله ، اعوذ بالله .... سكت وقطب جبينه وشخص ببصره الى النافذة ، ثم عاد يروى والناس فى شوق الى ما سيقول : ... فقد قرر السيد محمد الناجى ان يفتح له مقاوله فى تعبيد الطرقات بكامل البلاد ، فاشترى لهذا الغرض بناية كبرى جعل القسم الاعلى منها ادارة والاسفل مستودعا لحفظ الالات والمعدات ، واكترى اصطبلا شاسعا ثم اشترى عددا ضخما من البغال يبلغ، والله اعلم، حسبما قالوا ، خمسمائة وكذلك عددا كبيرا من انواع عديدة من الالات ، وهذه البغال صالحة لجر المرداس اذ انه لم يقع فى ذلك العصر اختراع المرداس الميكانيكى وقد تجمهر الناس لمشاهدة هذه الحجارة الضخمة الاسطوانية الشكل التى تدك الارض عند سيرها دكا لا كلام فيه . وقد جعل فى كل منطقة فتح بها حضيرة رئيسا وعمالا ومرادس وبغالا وخياما وانتشل بذلك عددا من المتسكعين والعاطلين عن العمل بتوفير الشغل لهم واجبار البعض منهم من الكسالى على الكد والاجتهاد بالتهديد والضرب فى بعض الاحيان والاغراء بالوععود والملابس والخمر والنقود وحتى النساء ، فكان مصلحا رحمه الله ، ذلك ان سيدنا هذا الوقور جمع بين طائل الثروة وقوة الشخصية والكلمة المسموعة والسلطة والطاعة ، فكان صاحب القول الفصل امام الجميع كبر شانهم او صغر ، لانه كان كثير التبرع ، والمآل قوام الاعمال . رفع الاستاذ حكمة يديه وقال مهددا ويل للذين يكنزون الذهب والفضة والحقد فى الصدور . ثم فرك يديه وقطب جبينه واخرج بعد ذلك علبة النفة والمنديل من تحت ركبته اليسرى ووضعهما امامه والناس من حوله ينظرون فى خشوع وذهول وصمت وشوق بدا على وجوه البعض منهم بينما استسلم آخرون الى اغفاءة خفيفة دون ان يصرفوا اهتمامهم عن الاستاذ الذى واصل يقول : وفى يوم من الايام تلقى السيد المحترم ، وبعد اشهر من العمل ، برقية من رئيس حضيرة المنطقة الشمالية هذا نصها (( ما العمل يا سيدى ، تسع بغال عجزت عن جر مرداس واحد رغم المحاولات المتكررة منذ الصباح ... ))

غضب السيد الناجى غضبا شديدا واحتار فى امره وتألم كثيرا واخذ يفكر فى هذا الامر المحير ويتساءل عن سبب هذا العجز وسرح به الخيال الى تأويلات شتى ، بغاله من النوع الممتاز وتوصياته بتقديم العلف الكافى اليها مستمرة وحرصه على ان تبقى دائما قوية منتجة كبير جدا ، وبدون اضاعة للوقت قرر أمرا هاما اصدره فى برقية استعجالية الى موكله يقضى بنقلة رئيس حضيرة المنطقة الشمالية الى المنطقة الجنوبية والعكس بالعكس .

قال الاستاذ حكمه : وصل رئيس الحضيرة الجديد الى مركزه فى آخر النهار تبعا مختارا ، عاملا بتوصيات (العرف) الذى ألح على ان لا ينقضى النهار حتى يكون الحل قد وجد والسبب قد عرف ، فوجد الناس متجمهرين على حافتى الطريق بعضهم يسخر والبعض الآخر يرثى للحال وفريق ثالث يتندر لقدوم ( مقدم ) جديد له تجارب فى ميدان الحيوانات وفهم لغتها ودعوه من اول وهلة ( بالشاف سليمان ) . تأمل الحيوانات مليا وهش عليها بالسوط فتململت واثبتت حوافرها فى الارض ولكن بدون جدوى، فأمر بابعاد البغل الثانى من الصف الاول ففعلوا وعاد يلوح بالسوط ما بينها فما افلح ولا افلحت ، فامر من جديد بابعاد البغل الاول من الصف الثانى ، فابعدوه وصاح بالحيوانات فحاولت لكن المرداس لم يتقدم الا بعض اصابع ، وهو يتاملها مليا واشار عليهم بابعاد البغل الثالث من الصف الثالث ففعلوا وهوى بالسوط على ما تبقى فاذا البغال تقفز بالمرداس فى سرعة وقوة بين هتافات الحاضرين وقهقهاتهم ومرحهم الغريب ...

توقف الاستاذ حكمة عن الكلام وضحك مع الجماعة ببرودة فالتمعت عيناه وهو يديرهما بين الحاضرين الذين تفتحت اساريرهم بنوع من الابتهاج والطرافة وقفزوا اليه بالسؤال الذى كان ينتظره منهم وهو نفس السؤال الذى انتظره رئيس الحظيرة الجديد حينما قالوا له : اليس من الغريب وغير المنطقى ان تستطيع ست بغال جر المرداس فى حين عجزت تسعة ؟ ...

ثنى الاستاذ حكمة ركبتيه ثم القى بذيل برنسه الابيض على كتفه ونهض متثاقلا يتمتم : ألست بغال التى ابقاها - الشاف سليمان - كانت تحاول جر المرداس ومعه الثلاث بغال الكسولة التى اثبتت حوافرها فى الارض ، وهو ما جعلها تعجز فى اول الامر ، واضاف قبل ان ينصرف : ان الفرق بين رئيسى الحضيرتين هو ان الثانى ما لم يعرفه الاول فنجح ، وانه تفطن الى وجود ما لم يتفطن الى وجوده زميله من احوال البغال وأحوال الناس .

اشترك في نشرتنا البريدية