نذكر ، بادى ذى بدء ، ان الاتجاهات الادبية العربية المعاصرة ليست محددة وليست مدروسة حسب رؤية حضارية هادفة ، ونظرة كونية شموليه لماضى الوطن العربي القريب ولحاضره ، المهزوم المأزوم ، ولآفاق مستقبله الغامض
هناك دراسات متفرقة صدرت هنا وهناك حول نوع معين من أنواع الانتاج الادبى ، وبينها محاولات قيمة جريئة القت أضواء كاشفة عن الشعر الحديث فى السودان مثلا ، او عن الرواية المصرية ، او القصة القصيرة العراقية او القصة المعاصرة فى سوريا ، او عن المسرح العربى مع التركيز على بلد معين حسبما تصل اليه يد الدارس من مصادر ومعلومات ، ولكن هذه الدراسات ذات الصبغة الاقليمية تشكو انعدام النظرة الشمولية ، فهي تكاد ، تكون شذرات متفرقات جمعت دون منهج متسق أو رؤية شاملة .
ونلمس - الى جانب ذلك - تأثر هذه الاتجاهات فى العالم العربى
أولا : بما نتج عن التطور التقنى المعاصر ، وما يوفره من وسائل الاتصال لعالمى فى ميادين النشر والدعاية ، واستعمال وسائل الاتصال الجماهيرى من ذيوع شتى الاتجاهات الفكرية والمدارس الادبية والعقائدية ، هذه الاتجاهات التى نستطيع حصرها بين تيارين رئيسيين على صعيد الفكر العالمي
- تيار الثقافة الانسانية المؤمنة بالتطور البشرى الذائدة عن تراث الشعوب وحقوقها فى الحرية والعدالة الاجتماعية يغذو أنصاره النزعات الانسانية بمزيد
من روح التفاهم والتسامح ، يفضحون ضروب استغلال الانسان ، ومظاهر السلبية والتحطيم فى سياسة النظم الامبريالية
- وتيار الفكر البورجوازى البراق فى مظهره ، والجذاب فى اخراجه ، ولكنه مناهض للروح الانسانية ، محتقر لجوهر الانسان ، جاعلا منه دمية مسخرة لخدمة الفئات الارستقراطية
ثانيا : بالاتجاهات العقائدية المختلفة فى الوطن العربي نفسه ، فهي أصدق مرآة لتلك التيارات الايدولوجية التى تقسم الادباء العرب والنخبة المثقفة العربية عامة ، مرآة تنعكس عليها فى نفس الوقت تناقضات الواقع العربي فالموقف الادبى جزء من الموقف العام للمجتمع ، ولا يختلف اثنان فى ان المجتمع العربى يعانى ازمة حادة نلمس آثارها فى شتى ميادين حياتنا ، ومنها الميدان الادبى ، فلا غرو - اذن - ان نجد التناقضات التى تمزق العالم العربى ، وما نفرزه هذه التناقضات من مشاعر الخوف فى مواجهة الواقع الاليم تدفع ببعض الادباء والمفكرين الى الارتماء فى احضان الانتهازية ، والركض في مقدمة ركب ذوى السلطان المطلق القهرى ، وبالبعض الآخر الى مفاجأة القراء بانتاج تهب منه روح التشاؤم المسلوب الامل او النرجسية الذميمة ، ونجد فئة ثالثة تلوذ بالصمت وهو اضعف الايمان ، فتتعكز على ذاتها وتتقوقع داخلها ولا نخال هذه الذاتية الا فرارا من مرارة الواقع العربى
اذا كانت الاتجاهات الادبية مختلفة ، متبائنة تتلون بفرقتنا الايدولوجية غالبا ، نرجسية غامضة فى بعض الاحايين ، فان آفاق المستقبل العربى تغشيها بدورها غيوم كثيفة ليس قوميا ، وانسانيا فحسب ، بل وطنيا ايضا ، فلا ننتظر - اذن - ان تكون رسالة الاتجاهات الادبية العربية المعاصرة بينا جلية فى خدمتها لهذا المستقبل
انه من الاوليات المعلومة ان نشير هنا الى ان المستقبل مرتبط بالحاضر ، فكيف يمكن ان تكون رؤيتنا واضحة ، متناسقة للمستقبل ، ورؤيتنا لحاضررة المشاهد مفترقة متشعبة غامضة .
ان ارتباط الاتجاهات الادبية بالمستقبل العربى متين الصلة بحاضرنا وقضاياه .
ان التناقضات العميقة التى يعانيها الوطن العربي منذ سنوات أدت الى بروز
ظاهرة جديدة فى حياتنا الثقافية ، ظاهرة الادب المتأزم والفكر المتأزم فقد يرى البعض فى هذا سوداوية مسرفة ، ولكنني فى الحقيقة ابعد ما أكون عن السوداوية او التشاؤم وانما انظر الى ظاهرة تأزم الفكر العربى نظرة واقعية دون ان افقد الأمل او ينقطع عني نفس النضال ، إن أمر اولئك الذين يريدون أن ينظروا الى الحركة الأدبية والفكرية عامة بعين الاعجاب والرضا لغريب ، فلماذا يريدون أن ينفرد الادب بالبعد عن التأزم ، والعالم العربى فى شتى مظاهره يشكو الركود ، وعلائم ازمة حادة . أليس من المنطق والبداههه ان يمس ادبنا رذاذ من هذه الازمة ، ولا سيما إذا طالبناه ان يكون ابن بيئته ؟ .
ان اسباب هذا التأزم معقدة ، متشعبة ، مرتبطة وثيق الارتباط بأزمة الاوضاع فى اكثر البلدان العربية ، فالتحول العميق وتطور الاحداث السريع منذ الخمسينات جعلا العالم العربي بواجه سؤالا مطروحا عليه بشكل حاد وحتمى ، سؤال معركة المصير ، والمنعرج الذي سيسلكه ، سؤال وضع الانسان العربي المعاصر ، العامل ، والفلاح ، والمفكر ، والسياسى بين الوجود واللاوجود . فقد عاش هذا العالم هزيمتين هزيمة 1948 ، وهزيمة 2967 سلطتا أضواء كاشفة على نقاط الضعف الحضاري للامة العربية ، فقد بلورت الهزيمة الاولى نظرية القومية العربية ، وقد رفعت أولا شعار استكمال مظاهر السيادة ، والحرية السياسة ، ثم شعار العدالة الاجتماعية ثانيا ، فأجهضت الحرية السياسية فى كثير من البلدان ، وبقيت العدالة الاجتماعية شعارا فقد سحره لدى الجماهير التى طال انتظارها ، وجاءت الهزيمة الثانية لتجعل القومية العربية تواجه قضية مصيرية خطيرة ، وازمة اختيار حاسم ونهائى
- اما الوحدة ، ولتكن مرحلية ، باعتبارها الطريق الوحيد مع الوعى الكامل بمشاكلها المعقدة ، وتناقضاتها الداخلية العميقة على أساس حلها داخل الوحدة وليس قبلها ، لانها لن تحل قبلها ، فالتطبيق هو السبيل الناجع لايجاد الحلول ونلح على أهمية الوعى الكامل بذلك حتى لا تقع نكسة ، او خيبة أمل لدى حماتها : الجماهير العربية .
- أو الانكماش والانهزامية بحجة اختلاف الاوضاع ، وافتراق المصالح ولكن مصالح من ، مصالح الفئات الحاكمة ، أم مصالح الطبقات الكادحة وفي هذه الحال تجمد القضية اجيالا ، وتعجز الامة العربية عن مواجه التحديات ، فتستسلم . ان السؤال - اذن - ما يزال مطروحا ، سؤال الوجود ، أو اللاوجود ، ولن يترقب الاجابة طويلا
وهذا السؤال نفسه هو الذي جعل موضوع رسالة الادب ، ودور المثقف في خدمة المستقبل العربى ، والمساهمة فى حل المشكل المطروح حلا موضوعيا منسجما مع الرؤية الحضارية ، والتطور التاريخي يخدم مصالح الجماهبر الشعبية يطرح نفسه علينا من جديد بشكل حاد وحتمي وبأسلوب أخطر مما طرح به فى مرحلة التحرر الوطني
إن الادب قام بدور فعال فى مرحلة التحرر الوطني ، وتجاوب مع نظرية القومية العربية ، وتحمس فى كثير من جوانبه ، ورغم اختلاف الاتجاهات لقضية الوحدة ، ولكن جذوة الحماس بدأت تخمد لدى الكثير ، وأصبحوا يلوذون بالانتاج السريع الغامض الاهداف ، أو بالصمت ، إن بقوا مخلصين لمبادئهم ، والاديب العربى فى هذا متفاعل مع الواقع ، عن وعي او عن غير وعى ، فقد بقى السؤال منذ الهزيمة الثانية مطروحا على الامة العربية بدون جواب ، بل لمس ترددا كبيرا ، ان لم نقل رفضا ، للسير فى ذلك الطريق الوحيد ، وهكذا تكثفت السحب فى سمائنا ، وتأزم الوضع ، فانعكس ذلك على الادب ، والاديب ، ولا سيما وهو فى كل هذا تابع لا متبوع ، فقد شعر فى السنوات الاخيرة بالهوة السحيقة التى تفصله فى جل الاقطار العربية عن النظم القائمة ، وبدوره الطفيلى الهامشى فى تحديد الاختبارات المصيرية وطنيا وقوميا ، فبعد ان نضج الاحساس الوطني والاجتماعي بن الخمسينات والستينات بصورة عنيفة بدأ المثقف يبحث لنفسه عن دور يؤديه فى غمار تلك الحركة الشاملة ، ولما شعرت الجماهير بعد ذلك بأهمية العدالة الاجتماعية الى جانب الاستقلال الوطني ، والنظرية القومية التى أرادت ان نعوض اجهاض الحرية السياسية بشعار العدالة الاجتماعية حاول الاديب العربى الجديد - بغض النظر مرة أخرى عن الاختلافات العقائدية - ان يجعل أدبه مرآة لمشاكل الشعب وآماله ، ولكن يجد نفسه فى خاتمة المطاف في زفاق حين تازم الوضع ، وافترقت السبل ، وطرح سؤال الوجود واللاوجود يؤدى دورا هامشيا واقفا على حافة الطريق ، ان سمح له بحرية الوقوف شاعرا ان مصلحته الحيوية ورسالته متناقضة مع مصالح الطبقات السائدة يقول " لوكاتش " :
. . ذلك لان الصعوبة الخاصة فى وضع المثقفين ترجع اذن الى انهم لا يستطيعون ان يمثلوا مصلحتهم الحيوية الاولية بصورة فعلية الا حين بحاجون صراحه السياسة الرجعية للطبقات السائدة ، والا حين يساندون الحماهير فى كل المسائل التى تتعارض فيها مصالح الطبقات السائدة مع مصالح
جماهير الشعب الشغيل الفقيرة ، ويدافعون عن هذه المصالح ، ويضفون عليها طابعا عاما " .
ان وضع النخبة المثقفة فى الوطن العربي ، وطبيعة رسالتها بكشفان تناقضا غريبا فى أقطارنا فهى من جهة فى حاجة ملحة الى ذوى النظرة المتكاملة الشمولية ، والكفاءات فى التسيير ، وخاصة فى اتخاذ القرارات في معركتها الكبرى ضد التخلف ، ومظاهر المجتمع الاقطاعى الراكد ، ومن جهة اخرى بنظر حكامها بكل حذر واحتراز الى نخبة البلاد ، واكثر الناس كفاءة واعمقهم وعيا ان نظرة سطحية سريعة لهذا الوضع يجعل المرء يستغرب ، ولكن التمعن عن كثب فى طبيعة أكثر النظم الحاكمة يكشف عن الداء المستحكم الدفين
وقد يقول عشاق المثالية ، واصحاب الشعارات العاطفية الفضفاضة ، ولكن للادباء رساله خاصه ، فهم من أكثر الفئات الاجتماعية وعيا ، ويجب عليهم ان يحملوا مشعل النضال . اننى لا أنازع ان للمفكر العربى دورا خاصا فى هذه المرحله التاريخية المعينة التى نمر بها ، ولكننا نخطئ حين نركز على دوره ، ونتغافل عن رسالة الاخرين وفى مقدمتهم رجال السياسة فدورهم أخطر ، ومسؤوليتهم أثقل ، فهم المباشرون لشؤون الحكم ، وبيدهم اتخاذ القرارات الحاسمه المصيرية ، اما المفكر فانه يؤدى دورا هامشيا كما رأينا ، فكيف نطلب منه بعد هذا ان يخدم بأدبه المستقبل العربى وطنيا وقوميا ، وانسانيا . ولا أوافق من يذهب الى الرأى أن الأديب عموما تعود على المعارضة ، على السلبية ازاء النظم ، ولم يوطد نفسه للبناء " ، فمن ترك له المجال ان يقوم بعملية البناء هذه ، ولا سيما المشاركة فى وضع هندسة هذا البناء ، اما ان يدعى للقيام بدور ثانوى على خشبة مسرح هذه الاحداث الخطيرة التى يمر بها الوطن العربي فذلك فى رأيى أبعد ما يكون عن الرسالة الحقيقية للمفكر العربى
ونرى اتجاهات الادب العربى المعاصر تتأثر فى هذا الوضع برؤية الاديب ، فمن له رؤية ثورية واضحة يواصل السير فى دربه ، واعيا يتلك الهوة العميقة التى تفصله عن مصالح الفئات السائدة ، ورأينا فئة أخرى تخنع فتسير فى الركب راكضة ، لاهثة ، وثالثة تلوذ بالصمت ، فتتقوقع داخل نفسها .
فمن ابرز مظاهر الاختلاف فى الاتجاهات الادبية المعاصرة - اذن - تباين هذه الرؤية فى صفوف الادباء ، وانعدامها لدى عدد كبير .
ان الواقع الراهن الذى نعيشه فى الوطن العربي يحتم اختلاف الاراء والمعتقدات الايديولوجية ، والفنية ، وبالرغم من صعوبة التبويب وتذبذب الاتجاهات لدى الكثير من الادباء والمفكرين العرب فسنحاول ابراز أهم مميزاتها التى يحتويها تياران بارزان :
- تيار محافظ نجد ضمنه اكثر من اتجاه
- وتيار تقدمى يضم الوانا من الاتجاهات العقائدية ، نجد بينها الوطني التقدمي والعربى الثورى التقدمى ، والعربى الشوفينى الرجعى ، والماركسى الكلاسيكى المتحجر ، وتيار اليسار العربى الماركسى الجديد
وبرز من هذا التيار التقدمي ، بغض النظر عن الانتساب لايدولوجية معينة ، مثقفون تمكنوا من تحويل مجرى التأثيرات المتروبولية وساهموا فى تغذية الثقافة القومية ، وصقل معالم التراث ، ومظاهر الاصالة العربية وانعاش المعانى الانسانية .
ونجد لجميع هذه التيارات الايدولوجية - وهنا يلتقى الكتاب والشعراء مع بقية المواطنين الواعين فى العالم العربى انعكاسا فى الانتاج الادبى العربى المعاصر ، وتأثيرا فيه وينبغى ان نقوم بايضاح ذلك فى ندوة مختصة انطلاقا من النصوص نفسها
وقد يرى البعض خطرا فى ابراز هذا التباين فى صفوف النخبة ، والتأكيد عليه . اننى أعتقد - بالعكس - انه ليس اخطر على الانتاج الادبي ، بل علي الفكر عامة ان نخفى خلافاتنا الادبية والفنية ، وما يكمن وراءها من فرقة عقائدية ، فالاختلاف فى المنازع الفكرية ، والاتجاهات الايديولوجية ينتج عنه بطبيعة الحال تباين فى النتائج ، والسمات والاتجاهات الادبية والفنية ، فلا مناص - اذن - من طرح قضية تعرية المفاهيم الفكرية والتحديد النظرى فهي قضية ملحة جوهرية ، فلا بد من وضع العلامات المميزة لكل منها وتوضيح قسماتها ، ومضامينها واشكالها الاجتماعية ، ومنطلقاتها الفكرية بغية تحديد الرؤية لما ستفرزه من نوازع ، ومواقف فى حاضرنا الراهن . وهل نستطيع ان نتحدث عن تاتير الاتجاهات الادبية العربية المعاصرة فى المستقبل العربى دون ان نعرف منازعها ، ومنعرجاتها ، لان هذا التأثير سوف لا يكون موحدا وسوف يكون هو نفسه متأثرا بمعطيات معينة سيعيشها الوطن العربي أو بالتيارات الوافدة عليه . فهو غير حصين ، منيع فكريا ، ما يزال تتجاذبه
مختلف المذاهب ، وشتى المدارس ، اننا نشعر بأن مناقشة خدمة الاتجاهات الادبية المعاصرة للمستقبل العربى تدخل فى باب الحدس والتنجيم
ان التأثيرات العقائدية فى الاتجاهات الأدبية ما تزال بارزة فى قضية تكاد نصبح كلاسيكية ، قضية الأدب الملتزم الهادف ، أو الواقعية الاشتراكية في الأدب والرومانسية ، وقد انعكست على الادب العربى المعاصر جميع المشاكل التى مرت بها مدرسة الواقعية الاشتراكية فى الادب الاوروبى والامريكى دون أن يستطيع الاستفادة من تجربتها فى أوروبا ، ولا سيما فى أوروبا الشرقية واتقاء أخطائها هناك ، فنجد انصارها فى الادب العربى المعاصر يتطرفون فيبالغون ، فهذا سلامة موسى يعارض تبنى الدكتور طه حسين الدعوة الى ترجمة آثار شكسبير قائلا : " ان ترجمة شكسبير عمل رجعى ، لان شكسبير نفسه ليس أكثر من فنان رجعى ملوكى " كان يكتب عن الملوك ، ولا يهتم الا بارضاء البلاط الملكى ، ونحن نريد فنا للشعب ، وأدبا للشعب " ) رجاء نقاش أصوات غاضبة ، ص 47 ) . ويدين ناقد من نقاد الواقعية الاشتراكية الدكتور عبد العظيم أنيس ابراهيم عبد القادر المازني دون النظر الى القيم الانسانية فى انتاجه الأدبي ، ودون اعتبار الى أن مؤلفات المازني تعد وثيقة تاريخية وأدبية هامة فى فهم المجتمع المصرى خلال مرحلة تاريخية معينه واعتبرت هذه الواقعية المتطرفة المتحجرة أديبا بارعا فى تصوير حياة فئات اجتماعية معينة فى المجتمع المصرى هو نجيب محفوظ فنانا سلبيا بحجة أن يكتب عن الطبقة المتوسطة ، ويهمل العمال والفلاحين ، وانه متشائم تنتهى رواياته بالهزائم ، واندحار أبطالها
وظهر انتاج ادبى تحت شعار الواقعية الاشتراكية لا يقيم مؤلفوه لأصول الفن الأدبي وقواعد الانتاج الفنى عامة كبير وزن ، فأصبحنا نقرأ انتاجا شعريا وقصصيا ، ونقدا أدبيا مليئا بالشعارات ، يطغي عليه طابع خطابى يذكر بالخطب السياسية ، وحملات التوعية الجماهيرية . أما الجواز الوحيد الذي دخل به هذا الانتاج عالم الادب والفكر فهو حديثه عن العمال والفلاحين وادانته للبورجوازية ، فهو " أدب برليتارى " وهذا يؤكد ما لمحنا اليه من ان انصار اتجاه الواقعية الاشتراكية فى الادب العربي المعاصر لم يستفيد من الاخطاء الفظيعة التى وقعت فيها هذه المدرسة فى ظل الجمود الستاليني وهكذا أصبح " أى شاعر هزيل الفن يكتب قصيدة عن الاقطاع أفضل - فى ظل الواقعية الاولى - من أى شاعر موهوب أصيل يكتب قصيدة عن الحب أو الحزن " ، فهزل الاسلوب ، وأهملت قيمة اللغة الفنية ، وكأن هنالك تناقض
بين المضمون الملتزم الثورى ، والصيغة الفنية الموهوبة . يقول الناقد ف . ف . كالفرتون فى كتابه " تحرير الادب الامريكى " موضحا رأيه حول هذه الظاهرة التى أصيب بها الادب فى أوروبا وأمريكا قبل وصولها للادب العربى : " ان الناقد البروليتارى لا يهدف الى الغض من قيمة الصنعة الادبية وانما كل ما يذهب اليه هو ان الصنعة الادبية وحدها غير كافية ، وان الصنعة الادبية ينبغى أن تستخدم لخلق أشياء ذات معنى ثورى . . والمعاني الثورية المجردة من الصنعة الفنية تشكل عند الناقد الجذرى وضعا فاشلا لا يقل فشلا عن وضع الصنعة الادبية المجردة من الهدف الثورى . واذا كان الادب البروليتارى قد فشل فى كثير من وجوهه فى أمريكا فما ذلك لانه أدب بروباجندا ، بل لان خصائص الصنعة الفنية تنقصه . . فاذا ما أوتينا الصنعة الفنية فهدفنا يجب أن يكون أن نجعل من الفن خادما للانسان كوسيلة للكفاح لا أن نجعل من الانسان خادما للفن كوسيلة للهرب "
ومن أمراض الطفولة التى أصيبت بها الواقعية الاشتراكية في الادب العالمى ، وأصيب بها الأدب العربى بالتبعية تنكرها للعواطف الانسانية باعتبارها من مظاهر الضعف البشرى ، فكل فن يعالج هذه المظاهر فهو فن ذاتى ، و البطل الايجابي " هو المثال الوحيد الذى يجب الاعتناء به ، ويجب ان ينتصر فى نهاية القصة ، أو المسرحية ! .
ويذكر هذا الاتجاه المتحجر بفئة الرافضين للتراث العربي رفضا مطلقا بحجة انه ذو محتوى رجعى
واستغل أنصار الاتجاهات الرومانسية فى الأدب مغالاة الواقعية الاشتراكية وجمودها ، وتعلقها بشعارات شكلية فهاجموها صراحة ، والصقوا بها تهما الواقعية الاشتراكية براء منها ، مثل اتهامها بأنها تدعو الى التفسير الاقتصادى للادب والفن ، أو أنها دعوة للمضامين الثورية والاجتماعية دون أى اعتبار للصنعة الفنية ، وللشكل ، وهكذا اتخذوا من نظرة ضيقة متحرة للواقعية وتطبيقا جامدا لها فرصة للتنديد بها .
وهنالك من استعمل الواقعية الاشتراكية لمهاجمة التيار الاشتراكي في الوطن العربي
ولا بد من الاعتراف هنا بأن أبرز النقاد العرب ذوى النزعة الماركسية ادانوا بانفسهم ، منذ الستينات ، هذه النظرة الضيقة للواقعية ، فهذا الدكتور لويس عوض يعدد المدارس التالية
- مدرسة الاشتراكية الثورية - مدرسة الواقعية الاشتراكية - مدرسة الادب الهادف - مدرسة الحتمية الاقتصادية أو الجبر التاريخي
ويرى فيها خطرا على الاشتراكية بمعناها الانسانى الحقيقى ، ويقول : " ولكن المغالاة فى هذه النظرة تتضمن من ناحية حكما بالاعدام على الكثرة المطلقة من تراث الفكر الانسانى ، والفن الانساني ، والثقافة الانسانية لا لذنب الا لأنها لم تعن مباشرة بترقية الجماهير وتحريرها ماديا وروحيا . كذلك المغالاة فى هذه النظرة من شأنها أن تؤدى الى تجاهل حقيقة من أهم حقائق التاريخ ، ألا وهي أن كثيرا مما نعده اليوم فلسفيات بورجوازية رجعية تعترض تقدم الجماهير كان فى يوم من الأيام قمة الثورية التحررية وقمة الجماهيرية التقدمية عندما كانت البورجوازية نفسها تتبنى آمال الجماهير ، وتتعذب بآلامها فى صراعها الرهيب لتنسف معاقل الاقطاع وهذا هو الشطط الذى ارتكبه نقاد اليسار الشيوعى ومفكروه حين حملوا حملة عمياء شاملة على كل فكر مجرد ، وكل اتجاه روحى ، أو مثال بحجة أنه يعبر عن عقلية البورجوازية الصغيرة " ) الاشتراكية والادب (
ونجد ناقدا بارزا من أنصار الواقعية الاشتراكية المتحررة ، ذات النزعة الانسانية هو الاستاذ محمود أمين العالم يقول : " ان كل قصيدة حب حقيقي ، هى قصيدة تقدمية . ان كل عمل فنى يملأ قلب الانسان بالحرارة ، والبهج هو عمل تقدمى
ان كل ابداع يضيف الى وجدان الناس مذاقا جديدا للحياة هو ابداع تقدمى " ) ( الثقافة والثورة ( . ولكن بالرغم من هذا النقد الذى قام به الأدبا الاشتراكيون أنفسهم للنظرة الضيقة للواقعية الاشتراكية ، محاولين ازالة ما علق بها من شوائب وتهم فان التيار الذى تمثله هذه المدرسة قد انحسر وأصيب ، بانتكاس فى الاعوام الاخيرة ، فالرومانسية الأدبية الجديدة تعيش حالة مد بعد أن تقلص ظلها في بداية الستينات ، وتمر الواقعية الاشتراك بحالة جزر . ويخالف رجاء نقاش هذا الرأى مؤمنا بأن هنالك " واقعية ثانية قد ولدت تختلف عن " الواقعية الأولى " ، " واقعية ثانية قد أذابت الجليد بينها وبين المدارس الفنية الأخرى وبالاخص المدرسة الرومانسية " ! .
ويرى هذا الرأى حسين مروة ، ومحمود أمين العالم ، فيزيل حسين مروة فى كتاب نقدية فى ضوء المنهج الواقعى " التناقض المزعوم بين الرومانسية والواقعية ، ولا يقف . . . عند المناقشة النظرية لهذه القضية ، وانما يعرضها عرضا تطبيقيا ، فيختبرها فى بعض المنجزات الأدبية عند عدد كبير من الأدباء من أمثال يوسف ادريس ، ونجيب محفوظ ، وصلاح عبد الصبور ، وعبد المعطي حجازى ، وعبد الرحمن الشرققاوى ، وصلاح جاهيس وغيرهم " ) الثقافة والثورة (
فلا انحسار اذن ولا نكسة فى رأى هؤلاء النقاد الثلاثة المعروفين بانتمائهم للتيار التقدمي بين الاتجاهات العقائدية المختلفة الكامنة وراء المدارس الأدبية فى أدبنا العربى المعاصر
أعتقد أن اذابة الجليد بين " الواقعية الثانية " والرومانسية الجديدة محاولات لاخفاء النكسة الواضحة التى تعيشها الواقعية الاشتراكية فى الحياة الادبية والفنية فى كثير من البلدان العربية . وأرى أن هذه الازمة التى تمر بها مدرسة أدبية تقدمية من مدارس الأدب العربي المعاصر متصلة وثيق الصلة بظاهرة الانتكاس التى حصلت للتيار الاشتراكى فى كثير من أقطار العالم العربى خلال السنوات القليلة الماضية ، فقد أدت هذه الظاهرة الى بروز تيارات رجعية محافظة فى السياسة والفكر ، كان لها انعكاسها على التيارات التقدمية فى الانتاج الادبى والفنى . وقد يعتقد البعض ان السبب يعود الى أن الادب الاشتراكى الهادف لم يثمر فى عالم الفعل ، ولم تظهر نتائجه . ان هذا الاتجاه يدل على فهم سطحى لرسالة الادب الواقعي الاشتراكى ، فدوره ليس قلب الاوضاع وابراز النتائج الملموسة ، ان رسالته عميقة ، طويلة المدى تتمثل فى نشر الوعى الحضارى الثورى فى صفوف الجماهير . ونشر هذا النوع من الوعى العميق الهادف خطوة أساسية في طريق تقويض أركان المجتمع المتخلف الرازح تحت عبء مظاهر الاقطاع والقرون الوسطى ، وبناء مجتمع جديد ، مجتمع النهضة العربية الحديثة فلا الادباء الرومانسيون ولا الواقعيون الاشتراكيون يستطيعون تغير الواقع العربى الراهن ، فقد رأينا أن مصير هذا الواقع هو أبعد ما يكون عن أيدى الأدباء والمفكرين ، ولا سيما عن أيدى الملتزمين منهم
وينبغى ان ندرك فى هذا الصدد أن انحسار الواقعية الاشتراكية لا يعنى ابدا أن التيار الاشتراكى فقد مكانه فى أدبنا العربى المعاصر ، فما يزال قويا يؤدى رسالته الخطيرة ، مرتبطا فى ذلك بنمو وتطور الحركة الوطنية
والاجتماعية نفسها ، وسيكون بخصائصه الانسانية ، ونظرته الشاملة ذا أثر واضح فى تكييف المستقبل العربى
واذا أراد الدارس أن يبرز أهم سمات الانتاج الادبي المعاصر ، بصرف النظر عن انتساب الاديب للتيار المحافظ ، أو للتيار التقدمي فانه سيلمس الظواهر الاتية :
- انتاج غائم مضطرب فى أكثر الاحيان يشعرك بتأزم الادب العربى المعاصر ، شأنه فى ذلك شأن الفكر العربي ، وهذه التأزمية المستحكمة هي مأساة الانتاج الفكرى العربى ، والواقع العربى كله .
- ضمور فى الانتاج القيم ، وهزال فى المحتوى ، وسذاجة فى التفكير فالازمة التى يعانيها الادب العربي اليوم ليست بأزمة كمية ، بل انها أزمة نوع وقيمة ، فقد أصبح كثير من الادباء ينتجون لغرض واحد حتى لا ينقطع انتاجهم ، وينساهم الناس بدون أن يكون عندهم ما يقولونه للقراء جديدا
ويكفى ان نذكر توقف عدد من المجلات الثقافية ، والصعوبات التى تجدها مجلات مشهورة للمحافظة على مستواها ، وضمان دراسة واحدة في العدد على الاقل لندرك مشكلة الانتاج الادبي المعاصر ، ولا يمكن أن نعمم هذا الرأى على جميع الاقطار العربية ، فبعضها يعيش حركة نشر نشطة ويصدر مجلات قيمة محترمة ، لولاها لارتفعت أصوات الفزع فى دنيا العرب الفكرية منذرة بخطر الفراغ الفكرى
- الثنائية فى حياة الكثير من الادباء والمفكرين العرب ، فهم يعيشون حياة مستقلة عن انتاجهم . وللوعى السياسى والثقافى أهمية كبرى للقضاء على هذه الثنائية ، فلا بد من الاعتراف بأن انتاج كثير من الادباء يكشف عن عدم وعيهم
- عدم توفر الرؤية التاريخية الصحيحة فى كثير من الحالات . ان الانتاج الادبي والفني يحتاج الى وعي تاريخي وحضارى ، والى الشعور بالابعاد الزمنية .
- الانفصام المأسوى الحاد بين الوجود الاجتماعى والوجود الفردى . - التشتت الفكرى ، وتمسك كل واحد بمذهبه يرى انه وحده الطلسم السحرى الذى به تشفى البشرية من آلامها .
وتفرق هنا بين الصراع الفكرى والادبى ، وضرورة تحديد المضامين الايدولوجيه فى هذا الصراع وبين الدعوة الى وحدة فكرية ، وعقلية حديدة تكون حدا أدنى يتفق حوله المفكرون العرب ويعملون على نشر هذه العقلية الجديدة بين سكان البلدان العربية ، وخاصة سكان الريف ، فلا ننسى أن التسليم القدرى ما يزال سائدا فى الريف ، وان التواكلية ، والنظرة الانفعالية والجزئية ما يزال كل منها يشكل مظهرا أساسيا بارزا فى حياة شعوببنا اليومية .
ومن نسمات أدبنا المعاصر ندرة النماذج البشرية الايجابية البناءة وطنيا وقوميا ، وانسانيا ، فهو يزخر بنماذج قاتمة ، مضطربة ، لا تملكه ارادة البناء . فلا مناص لانتاجنا الفكرى فى هذه المرحلة الحاسمة من غريلة بذور الموت من بذور الحياة ، ورعاية بذور الحياة لتنبت وتنمو . ان الثورة هي بناء أولا وبالذات ، وليست تقويضا كما يتخيلها اصحاب النظرة السطحية
- طغيان العاطفة والبعد عن الدقة ، والحكم على الاشياء حكما مطلقا مبالغا فيه نادرا ان تجد من يحكم على طبيعة غابة كاملة بشجرة واحدة ومن جديد تطرح نفسها مسأله الوعى الحضارى الهادف حتى يتم استقطاب فكري يتفق على نظرة موحدة بدون الامل فى ازالة الاختلافات الايديولوجية .
هذه أهم السمات البارزة للانتاج الادبى عامة ، أما إذا امعنا النظر فى اصناف هذا الانتاج ، فاننا نلاحظ ان درجات الازمة والتأزم تختلف من نوع لاخر ، فنلاحظ حركة مسرحية هادفة خصبة ، فقد ألف في السنوات الاخيرة عدد من المسرحيات الجديدة اعطت للمسرح الطليع العربي معالمه الخاصة وقفزت به خطوة عملاقة الى الامام
اننا نستطيع ان نتحدث عن رؤية مسرحية جديدة ، وبداية مرحلة تحول فى تاريخ المسرح العربى المعاصر بعد هزيمة حزيران 1967 ، اذ أخذ يساهم فى حوار الامة العربية جمعاء ، ويطرح قضايا مصيرية خطيرة ، منطلقا في- ذلك ، وفي لغه مسرحيه فنية واضحة وضوح رؤية الكتاب المسرحيين -الطبيعيين انفسهم ، من الجدور القوميه للوطن العربي ، رابطا اياها بمأساة الكيان العربى اليوم مضيفا اليها محتوى ثوريا انسانيا .
ويكاد يكون المسرح العربى الجديد النوع الوحيد من الانتاج المعاصر الذي نجح فى استخدام التاريخ ، وارتبط ببراعة تقنية ، وابداع في المضمون والشكل بالجوانب التقدمية المشرقه ، والمضامين الانسانية فى التراث العربي ،
كما ارتبط بالتراث الشعبى ، والواقع الاجتماعى ، ونذكر مثالا سريعا لهدين اللونين من الارتباط بالتراث التاريخي والشعبى " ثورة صاحب الحمار " و " الزنج " لعز الدين المدني ، ومسرحية " الزير سالم " لا لفريد فرج ، و " ليالي الحصاد " لمحمود دياب
وهذا التحول الذي عاشه المسرح العربى المعاصر هو حصيلة تطور دام اكثر من نصف قرن ضرب الفكر التقليدى عليه حصارا مدة طويلة استطاع ان يفكه حين نجح فى تقديم القضية الاجتماعية بمحتواها الثورى بعد ان بلغ المسرح الوطني طريقا مسدودا غداة الاستقلال السياسى ، وخيبة أمل الجماهير التى حلمت طويلا بأن هذا الاستقلال سيحل القضية الاجتماعية
ان صفة الطليعية التى نطلقها على المسرح العربى الجديد مرتبطة
أولا - بتلك الثنائية التى نلمسها دائما فى كثير من المجتمعات ، ولا سيما المجتمعات النامية من طلائع متشوقة للمستقبل المنشود ، حامله لواء النضال من أجل تحقيقه وبين جماهير كثيرة لا تزال تعيش فى الماضى ، أسيرة المسلمات الغيبية ، والنظرة العاطفية الجزئية ، والتواكلية ، والروح السلفية المتحجرة . فلا بد - اذن - من حصول الصدمة والهزة العنيفة ، وتلك هي السمة الاساسية لمحتوى المسرحيات الطليعية التى انتجها الادباء العرب الثوربون ، فهم لم يقصروا اهتمامهم فى طرحهم لقضية المصير فوق خشبة المسرح الطليعي على الحرب ضد الامبريالية ، والهزيمة العسكرية بل تجاوزوا ذلك الى نقد الذات ، والسلبيات ، ومظاهر العقلية المتخلفة فى شتى الميادين فى الحياة الاجتماعية ، وفي السلوك الاخلاقي ، وفي النظرة الى الحياة ، وفى النظم التربوية القائمة على الحفظ ، وحشو الادمغة ، وفي نظم الحكم ، وفن تسيير شؤون الكافة .
ثانيا - بالطليعة الفكرية للمجتمع العربى بكل ما يزخر به من صراعات سياسية ، واجتماعية وثقافية
ومثل الانتاج المسرجى فان القصة العربية المعاصرة ، ولا سيما القصة القصيرة ، استطاعت ان تفلت نسبيا من " تأزمية " الادب العربى المعاصر واستطاعت في كثير من البلدان العربية أن تسلك منعرجا جديدا بعد التعبير العاطفي عن مأساة الانسان العربى اثر الهزيمة ، فتنظر الى مشاكل الواقع العربى نظرة واقعية تقدمية ، وتخلص كثير من كتاب الرواية والقصة
التقدميين من أمراض الطفولة للواقعية الاشتراكية ، ونظرية البطل الايجابي " التى رزح تحت عبئها الانتاج الروائى والقصصى اليسارى سنوات طويلة في الادب الاوروبى والامريكى ، تلك النظرية التى ينقدها المفكر الاشتراك الفرنسى " لوفافر " قائلا :
تدعو الى التعبير عن الجديد وحده وتمجيده فى وجه القديم تحت زعم الواقعية الاشتراكية ، فجاءت ثمرة هذه النظرية محصورة فى الشكليات وجاء ابداعها مقتصرا على تمجيد الاصطلاحات ، ولا عجب فى ذلك فالبطل الايجابى خال من كل تناقض بحيث يبدو خاليا من كل انسانية ولا تربط بحياتنا اليومية أى صلة " ) أصوات غاضبة ص 50 ( .
ومما نلاحظه فى اتجاهات محتوى قسم من الانتاج الروائى والقصصى العربى ، وخاصة فى بعض البلدان العربية وقوعه فى فخ البورجوازية بتمجيده الماضى دون ربطه بالحاضر ، أعني بالخصوص ماضي المرحلة التحريرية والتغنى بأبطالها المزيفين دون الكشف عن الابطال الحقيقيين ، أبطال الامس ، وابطال اليوم ، اولئك المعذبين فى الارض ، دعامة الثورة التحريرية ، فهو محتوى وطني ، لا ريب فى ذلك ، يعمق الشعور القومى لدى الجماهير ، وهو شعور ما نزال فى حاجة ملحة اليه لمواجهة التحديات بشتي اصنافها السياسية ، والاقتصادية ، والثقافية ، ولكن نقطة الضعف فى هذا الاتجاه لدى عدد من القصاصين هو فصل ماضى الكفاح التحرري عن مأساة الحاضر والتنكر اليوم لشعارات الامس القريب ، فينقلب التغنى بذلك الماضى تسلية والهاء ، فهو انتاج تعوزه النظرة الشمولية ، والمحتوى الثورى الانساني
وهذا هو النوع من الانتاج القصصى فى الادب العربى المعاصر الذي ندد به الكاتب الجزائرى مصطفى الاشرف قائلا
" وان الطبقة البورجوازية المتاجرة المستغلة اذ تعرض على المثقفين والعمال التغنى بالبطولات ترمي عن قصد ، او تكاد الى تمكينهم من عملية يجدون فيها نسلية او تحريرا لكبتهم لاطائل وراءه ، وتدعوهم الى تمجيد الماضى القريب ، ذلك الماضى الذى لم تساهم تلك البورجوازية فى تكوينه ، ولو كانت آنذاك قوية عزيزة ، والى تمسك الشعب به تمسك المزمن على شرب الافيون
فهذه البورجوازية التى هى اكثر الطبقات خمولا وركودا ، وأسرعها إلى
الانهزام تنظر بعين الرضا الى هذا التعلق بالبطولة الذي يسمح لها بخدمة أغراضها الدنيئة ، وبتدعيم ازدهار لا تستحقه
يجب أن لا يقع القصاصون فى الفخ فيشاركوا في تنفيذ تلك المناورة واذا كان لابد ان يذكروا الملحمة الجماعية الشعبية التى امتازت بها الحرب التحريرية الوطنية ، والتى وجدت حقا فلا يغفلوا خاصة عن ذكر الدور المخجل الذي لعبته الطبقة البورجوازية الخائنة الجشعة وليقولوا كيف وقع القضاء منذ بداية الاستقلال على الثورة الاجتماعية التى مات فى سبيلها مليون من الفلاحين والعمال وصغار الموظفين والمثقفين من قبل المحتكرين والانتهازيين وعملاء نظام استعمارى راحل لم تصح توبتهم " . ) ملتقى القصاصين المغاربة ص 173-174 ( .
ونستطيع ان نقول بصفة عامة ان الاتجاه التقدمي ذا الطابع الانسانى يمثل الميزة الاساسية للقصة العربية المعاصرة ، فمن النادر أن نجد قصة لها النحاح قد تأثر كاتبها بالاتجاه التقليدى للرومانسية مثلا ، ولكن رسالة القص فى خدمة المستقبل العربى محدودة - فى نظرنا - بالنسبة للمسرح الطليع العربى ، إذا استطاع ان يبرز للجمهور فوق خشبة المسرح ، وخاصة على الشاشة الصغيرة ، فقد بدأت توضع في سبيله العراقيل الجمة نتيجة الردة الفكرية التى يمر بها كثير من البلدان العربية .
ولعل حركة الشعر العربي الحديث هي أكثر ضروب الانتاج الادبى المعاصر الذي تبرز فيه سمة التأزم ، وتلوح عليه علائم ازمة حادة ، والانتاج الشعرى هو الذي يتضح فيه بجلاء ارتباط الاتجاه الادبى بالاتجاه العقائدى فالرؤية الشعرية متينة الاتصال بالرؤية الكونية . ومن هنا تنطلق قضايا الشعر العربى المعاصر ، وتكمن بعض أسباب ازمته
فبعد أن تحدث شعراء المرحلة الاقطاعية غداة تباشير يقظة العالم العربى الاسلامي عن أمة اسلامية وعن شرق وغرب دون أن ينتبه أكثرهم الى الصراع الحقيقى الذى دخلت فيه الامة العربية جاءت مرحلة البورجوازية الوطنية الاولى فتحدث الشعراء بغموض عن العروبة ، والوطن ، والاستقلال الضبابى ثم تحدثوا عن الحرية والعدالة والمساواة ، والتغنى بماضى الاجداد المجيد دون الفرز بين الغث والسمين فى تراث هذا الماضى ، فساهموا فى طمس الكثير من معالم النضال الحقيقي ضد القوى الخارجية والداخلية . ثم تأتى المرحلة
الحاسمة فى حركة التحرر الوطني العربية ، وتشارك الجماهير فى هذه المعركة ، ويصاب العالم العربي خلال تلك المرحلة بهزيمة 1948 فيؤدى كل ذلك الى ميلاد التيار الشعرى الجديد الذي طلع على القارىء بالقصيدة الحديثة فى بداية الخمسينات ، فهى لم تولد صدفة ، او لاعتبارات فنية بحتة ، بل استجابة لضرورات اجتماعية وسياسية وفنية أيضا تتمثل فى ضرورة التزام الشاعر بالرؤية التركيبية ، والنظرة الموضوعية فتتضح لدى فئة من ممثلي التيار الشعرى الجديد الرؤية القومية والتاريخية ، والنظرة الشمولية فى القصيدة .
وهنا نلاحظ بروز اتجاهات فى الحركة الشعرية المعاصرة تكمن وراءها اختلافات عقائدية . وتبرز أسماء لامعة من الشعراء المجددين الملتزمين في مطلع الخمسينات ، فتكسب الاتجاه الثورى التقدمي أهمية كبرى ، وتمكنه عن طريق الموضوعات التى تبنتها من شعبية واسعة فى المجتمع العربى ، فوضع عبد الوهاب البياتى ، وقد كان " بحق رائد حركة الشعر الحديث ، وراس الرمح فيها " ، اسلوب القصيدة الحديثه فى خدمة قضايا الانسان العربى ، وخدمة الثورة الاجتماعية ، ونضال الكادحين فى الوطن العربي ، مضفيا عليه معانى انسانية خالدة ، رابطا اياه بنضال الانسان ، حيثما كان ضد الاستغلال ، والقهر ، والكبت ، معمقا الجذور القومية باستعماله للجوانب المضيئة التقدمية فى التراث العربى . ويؤدى رواد هذا التيار داخل حركة الشعر العربى المعاصر - نجد الى جانب البياتى السياب ، والفيتورى . وأدونيس ، ثم شعراء المقاومة - دورا ايجابيا فى تحديد رسالة الشعر الحديد وخدمتها لقضايا الانسان العربي
اننا لا نوافق الاستاذ انطون مقدسي حين يغالي في حديثه عن الشعر العربي اليوم قائلا : " شعرنا اليوم المقلد منه والمجدد يعيش على فتات ذلك القديم يعيده زخرفا لفظيا او يستدعيه ظلا ، يشوه أكثر مما يبدع ، فيخفق في الحالتين ، تعوزه الشفافية ، يعوزه البيان : جسم لم تستقر فيه زوج فتبعثه كائنا سويا " ) المعرفة ، اكتوبر 1971 ، ص 33 ( .
فما يزال قسم وافر من الانتاج الشعرى المعاصر يؤدى رسالته الوطنية والقومية ، والانسانية ، ويقف فى طليعة معركة المصير العربي دون اهمال للاسلوب الشعرى الموهوب ، او ضمور فى المحتوى الثورى الانسانى ، ولكن
هذا التيار الذى واصل رواده حمل المشعل لم ينقذ حركة الشعر الحديث من الازمة .
ولعل السبب العميق لللازمة يعود الى انعدام الرؤية الحضارية الواضحة لدى الكثير من الشعراء وما ينشأ عنه من فقدان القصيدة للنظرة الشمولي المكثفة للوجود المشاهد الذي تعبر عنه ، وتطرح قضاياه ، فتأتى كثير من الاتجاهات الشعرية عائمة غامضة منبتة عن واقع المواطن العربى الاليم
فالقضية الاولى - اذن - تتمثل فى تحديد رسالة الشاعر ، فالشاعر بحب أن يكون - كما يقول الفيتورى - " شاعرا بحق ، وليس مجرد مهندس معارى ، أو صابغ أحذية ، أو مزخرف واجهات " ليستستطيع أداء رسالته الخطيرة فى الوطن العربي . تلك الرسالة التى يحددها البياتى بطريقة اخرى قائلا : " فأنا أو من بأن على الشاعر أن يوحد بين تجريته الذاتية وتجربته الجماعية ، أى اننى أرى أن الشاعر هو صوت الجماعة فى كل عصر . . وهو حتى في خاصيته يعبر عن موجود الجماعة كلها ، وذلك لشمول تجربته ، وعدم محدوديتها . وسر نجاح الشاعر وخلوده يقوم فى قدرته على التوحيد بين تجربته الذاتية وتجربة المجموع " .
ويندد صراحة بالمدرسة الرومانسية فى الشعر العربى المعاصر ، متهما اياها بالعجز عن أداء رسالة الشعر الانساني الهادف ، ويؤمن بأن قرار القصيدة الرومانسية من العنصر الدرامي هو فرار من الواقع الوجودى فيقول : " اما العنصر الدرامي في القصيدة فهو أمر طبيعي ، وذلك لان الوجود نفسه هو دراما كبيرة ، وليس هو برؤيا رومانسية باهتة . ولذلك أعتقد أن القصيدة الرومانسية هي تزيف فج للواقع الذي نعيشه ، وتعبير مسطح عن الجوانب الهامشية فيه " ) الأقلام ، العدد 1972،11 ، ص 83 ( .
ان كثيرا من شعراء الادب العربي اليوم عاجزون عن فهم رسالة الشعر هذا الفهم ، وتبنيهم هذا التيار عامة ، بصرف النظر عن منعرجاته الايدولوجيه ، وهذا النقص في ثقافة كثير من شعراء اليوم ، وفي رؤيتهم يمثل مظهرا آخر لازمة الشعر العربي ، فمن الاوليات المعلومة ان شعر أمة ما هو مقياس انسانيتها ، ولكن كيف يمكن خدمة هذه الانسانية ، والتعبير عنها بدون رؤيا كونية شاملة ؟ .
فقدان هذه الرؤية الى التذبذب فى مواقف الكثير من الشعراء ، فيصبح بعضهم تقدميا بين عشية وضحاها حين تنفجر بعض الثورات في العالم العربى والبعض منها لا يتجاوز فى منطق الموضوعية التاريخية ان يكون انقلابا يطلع علينا بأسماء جديدة ، وبلاغات مرقمة مجاراة للقيم الحديدة أو خوفا من اتهامهم بالرجعية والتخلف
ومن ابرز علائم ازمة الشعر العربى الحديث الانفصال الذى حدث بينه وبين الجمهور ، ولا أوافق من يعلل ذلك بثقافة القارىء ، وانتشار الامية فى الوطن العربي ، وانما الاسباب اكثر تشعبا وعمقا من هذا ، فبعضها يرجع الى تأزم الوضع العربى ، واعراض القارئ عن الشعر ، لانه أصبح يحشر الشعراء فى زمرة المتاجرين بالكلام ، المرددين للخطب الرنانة والشعارات اللفظية الجوفاء ، " ان الجماهير الكادحة قد سمعت المزيد من القصائد الرنانة الواعدة دون أن تجني غير المزيد من الاستلاب " .
أما الشعر الرومانسي فيعرض عنه الانسان العربى اليوم اليوم لانه بعيد عن الماساة التى يعانيها يوميا ، ومن يقبل عليه ، ويقرأه فمن أجل التسلية والهروب من مرارة الواقع ، فهو شعر يسلى بجماله وصوره ، ولكنه غالبا بعيد عن المأساة بأبعادها القومية والانسانية
ويمس ارمه الواقع العربى شعر المقاومة نفسه فتؤثر المواقف السياسية تجاه حركة المقاومة فى موجه التعاطف مع هذا الشعر ، فتنحسر ، ويشرف شعر الارض المحتلة على باب مسدود ، كما يعترف بذلك محمود درويش
ان ازمة الشعر متصلة - كما لمحنا - بقضايا الواقع العربي من جهة وبالاتجاهات الادبية التى تمثلها مختلف الفئات ، والمتأثرة بدورها بالفرقة الايدولوجيه بين الشعراء من جهة اخرى فنجد اليوم تيارا طليعيا ، وآخر عصريا ، وشكليا ، وفئه نرجسية ، وثانية تمردية وثالثة رغم شعورها بهزيمة جيلها وفشله لا تياس ، ولا تفقد الامل الذي عجزت الاجيال المهزومة عن تحقيقه ، فتتجه الى المستقبل ، الى عالم الاطفال ، فيقول سليمان العيسي
آمنت بالآتين . . بالاطفال
بهازمي أسطورة المحال
حالما بيقظة جديدة تختلف عن يقظة العالم العربي الحالية ، رغم حصيلتها التاريخية خلال قرن كامل :
لا بد ان يذوب فى الهجير ما جمد
لا بد ان يستيقظ القبر الذي رقد
انه من الصعب حقا أن نتصور اليوم تأثير الاتجاهات الادبيية المعاصرة فى المستقبل العربى ، فقد رأينا كثيرا من الاتجاهات عائمة غامضة ، فيها كثير من التناقضات والزيف ، ورأينا المستقبل العربى تغشيه غيوم كثيفة ، ولكن الهدف الواضح الذى يجب على الادباء والمفكرين العرب أن يسعوا جاهدين لتحقيقه هو خلق أدب جديد يعبر عن واقع الانسان العربى الجديد وآماله . ان الوطن العربي فى حاجة ملحة الى ثورة ثقافية شاملة تعيد النظر فى كثير من القضايا السياسية ، والقضايا الاجتماعية والفكرية الراهنة ، وتحرر المجتمع العربى من قيوده ، وتزيل العقبات التى تقف فى طريق تقدمه وانطلاقه
ولكن هذا الانسان العربى الجديد الجديد ، وليد الماضى والحاضر لا يستطيع أن يحدد الرؤية للمستقبل ، ويوضح معالمه ليستستطيع الادب والفن أن يحمل مشعل هذا المستقبل العربى المنشود الا اذا نجح فى حل ازمة الحاضر ، وحل مشكلة المشاكل فيه : نظم الحكم ، والاهتداء الى اقوم السبل ، وانجع الطرق لبعث حماس الجماهير العربية للمحتوى الوطني والقومى والانسانى فى آثار الادب العربى المعاصر
