تحت هذا العنوان نشرت جريدة العمل فى عددها الصادر بتاريخ 16 اكتوبر 1980 بقلم قاسم قاسم ما يلى :
ان من يعيد قراءة هذه المقالات التى كتبها الاستاذ محمد مزالي في أول نشأة " الفكر " وقد صدر منها فى العدد الممتاز البعض بمناسبة احتفال المجلة بربع قرن على وجودها يتملكه الاعجاب بالرؤية المستقبلية للكاتب وبهذا الاقرار المطلق بالشخصية التونسية واقامة فلسفة فكرية وطنية لا تشوبها شائبة التمشرق أو التمغرب رغم ان العالم آنذاك سنة 1955 كانت تتقاذفه مذاهب عدة .
ولكن الاستاذ محمد مزالي وأسرة " الفكر " قد عقدوا العزم على خلق مذهب وطني لا ينتمي لا لشرق ولا لغرب وانما سيكون انتماؤه الاوحد لهذه الارض ولهذا الشعب ولهذا ستكون المواقف الفكرية والآراء الفلسفية والرؤى العقلية نابعة من التاريخ القومى لتعانق الاتجاه المستقبلى الذى تسعى نحوه تونس وقد تحصلت على استقلالها وبدأت فى بناء فكرها واقتصادها وتعليمها وهياكل مؤسساتها الدستورية وانموذج مجتمعها وتركيز مبادىء اسلامها الحنيف .
والانعتاق من التخلف والتحجر والتعصب وليس أدل على ذلك من هذه الكلمات المضيئة التى سطرها الاستاذ محمد مزالى فى دفاعه عن الفكر منذ 23 عاما بالعدد الرابع سنة 1957 حيث يقول : " ان ساعة الاختيار قد دقت وهي ساعة امتحان ومحنة ولكننا اخترنا بعد . نعم لقد اخترنا ألا نذوب فى غيرنا والا نعتنق مذاهب جعلت لبيئة غير البيئة التونسية واستنبطت من معطيات غير معطيات الواقع التونسى ولو اكتفينا بتقليد الغير وترديد ما تنشره المجلات الاجنبية لوفرنا على أنفسنا الاتعاب ولزالت حيرتنا وأصبنا السعادة لكننا اخترنا تسليط الفكر على واقعنا واعمال النظر فى مشاكلنا القومية والاعتماد على أنفسنا من أجل الظفر بمذهب تونسى صميم يكسب أعمالنا وأقوالنا معنى . لاننا آثرنا العظمة على السعادة "
وهو قول أكدت الايام والسنون حقيقته فكانت مجلة " الفكر " الرائدة لكل ما هو وطنى صميم لحما ودما واعصابا ، ينبع فكرها من اعماق النفس التونسية لينير الطريق أمام الشباب ويفتح لهم الآفاق العريضة ، متأصلين فى تربتهم عارفين بتاريخهم القديم والحديث مؤمنين بقوة اجتهادهم لتخطى الصعاب مهما كانت دون الاتكال على الحلول الاجنبية وفعلا ان هذه النظر الاصيلة أكدت فعاليتها واستاذ الامس المنظر والمستنبط والمجتهد ها هو اليوم على رأس الحكومة يطبق وينفذ ويسير بالبلاد حسب ما اقتضته النظرة السديدة لرائد الكفاح القومى المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة رمز الوطن الصادقة والشموخ الفكرى التونسى والمتغلب على كل ما حاول تأخيرنا أو تغريبنا وقد حافظت الامة التونسية على يديه على اسلامها وعروبتها فى أشرف معانيهما وانبل مقاصدهما واستمدت من قيمهما الخالدة وكنزهما الزاخر ما به تبوأت مكانة مرموقة بين الامم وساهمت فى اثراء التراث البشرى

