الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

اخفاق الاديب

Share

-٤-

ويحسب الناس وفي مقدمتهم الاديب ان تبعة الانهزام والاخفاق يجب ان تلقي على الحياة التى لم تولى سوى الحظ العائر والخطط المعاكسة ، وهو - فى نظرنا حسبان ضال ووهم خطأ تغذيه العاطفة المتبرمة والوجدان الثائر اكثر مما يغذيه العقل والتفكير بروية وتبصر ، والا فهل من الحق ان نعنف على الحياة و ننشن الغارة عليها باللؤم فى حق الاديب مع انها لم تتعرف الى مطالب خياله الجامح لتوليه من العطف والبر ما يكفل لى الوصول اليها بدون عناء وشقة ؟؟ وهل من المنطق ان ندع ذلك الخيال وطموح نفس الاديب جانبا من البراءة والنزاهة لنقول للحياة انك انت وحدك الملومة والمؤاخذة فيما لاقاه الاديب من سقوط وإخفاق ؟ ان النبعة - فى نظري - يجب ان تلقي على نفس الاديب التى اوحت الى خياله الاسترسال فى اودية لا يعلم مصيرها ولا نهايتها تلبية لنداء السمو الروحاني المنبعث في اعماق تلك النفس والجاري في شرابينها ولقد كان فى وسعها ان تجنح الى الهدوء والسكينة ومماشاة الحياة ونظام الطبيعة ، وكان فى وسع الحياة اذ ذك ان تغدو عليها من النعم الخضرة الحلوة ، وما يكفل لها عيشة السعداء الامنين ، وكنا والحالة كذلك هدوء وطمأنينة - نستطيع ان نواجه الحياة بشئ من اللوم والتعنيف لو كان حظ الاديب هو الاخقاق والاضطراب بعينه ، ولكن شيئا من ذلك لم يكن وانما كان الغلو فى الخيال والسمو فى الروح وكان من وراء ذلك الاضطراب والتهفت والشقاء ، اذن فالذنب هو ذنب الخيال والسمو لاذنب الحياة التى لا تصانع ولا تحابي الا من يفعل معها كذلك ويظاهرها على ما هى عليه من انظمة وقوانين والان بعد هذا كله أفلا نستطيع ان نستخلص نتيجة فى موضوع الاخفاق نقرر فيها ان من ضروريات الادب وتذوقه بمعناه الصحيح هذا الاخقاق لازم الاديب فى أول دور من ادوار حياته ثم يختلف الادباء من هذه النقطة

ويفترقون فاديب يشعر بهذا الاخفاق ويدرك انه لا محالة يلازمه فى جميع ادواره  إن هو أصر على متابعة السير وراء خياله  الجامح الى غير غاية ، فما يسعه حينئذ الا ان يقلع عن جميع احلامه وتصوراته ويضطر الى ان يجارى الحياة ويصانعها كل المصانعة ثم هى لا تدخر وسعا بيل ارضائه واشباع نهمة السعادة فيه .

واكثر ادباء العربية لو اردنا استعراض تاريخ حياتهم ، من هذا القبيل ، فمن الصاحب بن عباد الى ابن العميد الى ابى نواس الى ابن ابى ربيعة الى امثال هؤلاء الذين انهزموا لاول صدمة من صدمات الخيال ، فاستسلموا للتيار صاغرين يندفع بهم كيف شاء وانى شاء . وكانت حياتهم كلها حياة لهو ومنادمة ومتعة وتسلية " والقليل منهم - رغم شعوره بالأخفاق - يابي عليه تكبره واباؤه العاطفى ان يرضخ للحياة ويسلمها زمامه تقوده كما قادت تلك الكثرة الى حيث السعادة الجوفاء . . فاعلن التمرد والسخط وارسل صوته يزمجر كالرعد ، يقصف به هذه التعاريج والا لتواآت في الطبيعة ويصور فيه ثورته والتهاب ضميره وكبرياء نفسه ومن من الادباء الاقدمين اجدر بتمثيل هذا القليل من الحكيم الشاعر ابى الطيب وفيلسوف المعدة لابى العلاء ، لقد استرسل الاول وراء احلامه المعسولة ، فظل يتنقل من مصر الى مصر ويصبو من حين لى حين نقمته على الدهر وثورته على الحياة وغر و رالناس وانخداعهم لها ولا باطيلها المنمقة وتزويقها الاجوف وانصرف الثاني الى العزلة بين الجدر والكتب واكتفى بما يسدرمقه من النبات والاشربة ، وظل يقذف قنابله الشعرية على الحياة وتعلابها و زخارفها ، ويصور سخطه عليها ومهافت الناس حولها ابدع تصوير ، وهكذا اقضى الفريقان حياتهما ذهبا الى حيث يذهب الموتى فريق سعد وتنعم بلذائذ الحياة ، وفريق شقي وتبرم وسخط ، ولم يشأ له كبرياؤه ان يندفع كما اندفع ذلك الفريق ، ويسعد كما سعد فى حين أن كلا الفريقين أخفق واضطرب ، ولكنما افترقا منذ الصدمة الاولى ، ذلك الى السعادة وهذا الى الشقاء ، فأي الحياتين خير ؟ قد تكون حياة

المصانعة والمداراة وكسب السعادة خيرا للاديب في نفسه وحد ذاته ، ليقضى عيشه ممتع الجسم ناعم البال ، ولكن الخير للتاريخ والادب ان يتوقع الايب ويحرم نفسه من تلك المتع الفانية ليكسب الخلود عن طريق تصويره للالام التى مازالت الانسانية ترزح تحتها منذ بدء الخليقة الى يومنا هذا ، ولعل في المتنبى والمغرى وتخطى صوتهما هذه القرون العشرة الطويلة واحتفاء الناس بهما ايما احتفاء تصوير للخير الذي زعمته منذ حين وبعد فان اخفاق الاديب فى نظري من ضروريات الادب ، يلازمه في اول السير ، ثم هو بعد ذلك بين طريقين ، فاما ان يللك طريق المصانعة فيسعد كما سلك اولئك القوم منذ عشرات السنين ؛ واما ان يسلك طريق الكبرياء والاباء ، ولا يبالي الغاية التى يصير اليها ، كما سلك المتنبى والمعرى وامثالهما ممن ضرب على وتيرتهما من ادباء الشرق والغرب ما

اشترك في نشرتنا البريدية