( ٣ ) اخفاق الاديب فى الحياة و نجاحه موضوع اجتماعى هام لما للاديب من أثر بارز فى تطوير حياة الامم . وهو فى حد ذاته موضوع شائق ممتع قديم حديث فى آن واحد . فاما قدمه فمن حيث الوقوع وعدمه واما حداثته فمن حيث البحث والتحليل . لهذا فتحنا لادبائنا هذا الميدان ، ، على ان يكون هدف هؤلاء الباحثين ابداء ارائهم النافعة في شاء عن التعرض لنقد آراء سواهم كيفما كاتب مما نشر فى هذه المجلة او ينشر في عدا الموضوع الطريف . وها نحن اليوم ننشر للقراء رأى الاديب محمد عمر توفيق خريج مدرسة العلوم الشرعية و الاستاذ بدار الايتام (( المحرر ))
ارادت مجلة ( المنهل ) الغراء ان تثير فى عددها الممتاز حوارا طريفا حول ((اخفاق الاديب فى الحياة )) فطلبت الى الاستاذين عبد الحميد عنبر و (ح) ان يجيبا الى الكتابة بما يجول فى خواطرهما من فكر وآراء . والموضوع كما يرى القارئ الكريم عويص جدا والى حد بعيد ، ذلك لتشعب نواحيه وتعدد وجهاته فلا غر وان قرأنا فيه بحثين مختلفين ، يستمد كل منهما ناحية من الموضوع غير التى يستمدها الآخر ولاغر وان يكون لى رأي خاص احب ان اذيعه على القراء فاشارك الكاتبين المحترمين فى هذا البحث المستفيض .
ومن حق الموضوع ؛ او قل من مقدمة هذا الموضوع ان نسأل عما اذا كانت نفس الاديب نفسا ممتازة عن سائر النفوس او غير ممتازة وقد لا يحير القارئ فى الجواب اذا لاحظ رسالة الأديب التى اصطفته الحياة لتبليغها ، تلك الرسالة الشاقة التى تجعل منه وساطة بين الطبيعة وبين الانسانية ، توحى اليه الاولى بمختلف آيات الجمال والجلال ، ليرتلها على مسامع الثانيه ؛ قطعا موسيقية من لحن الفن وبيان اللغة ، فشعوره واحاسيسه وقف على استلهام نبرات الحياة ودقات الكون ، وقيثارته وقف على ترتيل تلك النبرات والدقات بالالحان الشجية والانغام المؤثرة . وعلى ذلك فليست نفس الاديب كغيرها من النفوس تستمع الى نجوي غير نجوى
الطبيعة ، وتلبى نداء غير نداء الحياة ، بل هى النفس المختارة لتلك النجوى وهذا النداء . ومن هنا يأتى اخفاق الاديب فى الحياة واضطرابه فى معتركها المائل فهو بدون ما شك يدرك مهمته الملقاة على عاتقه ويدرك سموها الذى جبته الطبيعة لاجله ثم هو يشعر فى قرارة نفسه بمطالب وغايات ، ليس يدرى ما هى ، واين هى ولكنه يتصورها كهذه التى يقصد اليها الناس ويسعون فى سبيل الوصول اليها ، كل حسب جهده وتوفيقه ؛ فيندفع فى الطلب ويمعن كما يفعل اولئك الناس ولايكاد يقترب من الحقيقة ويتبين الغاية التى يصبو اليها حتى يصدمه الخيال القائم فى راسه ، ويرده خائب الامل كسير العاطفة ويمكث قليلا يستجم قواه ليعمد الى غاية اخرى قد تكون - كما يتصوره خياله - اعز وأنبل ، وما هى الا العاقبة التى صار اليها فى اول امره ، ثم لا يزال يتراوح بين الخيال والحقيقة ، ذلك يمهد امامه السبل ويصور له الاماني العذبة المعسولة ويأخذ بيده فى سبيل تحقيقها ، وهذه تعرض له اخيرا فيلوى عنها بوجهه ، وينصرف الى حيث الاستلام للخيال واهم حتى يقضى نحبه وتنتهي حياته سلسلة متصلة من الكفاح المنهزم والاخفاق العنيف ، ( يتبع )

