الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

اخوذة والكسوة

Share

وقفت سيارة فى ساحة القرية فتجمع حولها الفضوليون ، رأوا رجلا بزى عسكرى ينزل منها ويفتح بابها الخلفى ، فيأخذ حقيبة كبيرة ، فترجع السيارة من حيث أتت ، ويبقى الرجل واقفا يتصفح الوجوه ويتفرس فى المنازل المتداعية الجدران وفى الانهج الضيقة المتسخة بفواضل الحمير والبغال والخيول ، بسلك الرجل نهجا ضيقا فتتبعه كوكبة من العيون المتسائلة فيقف أمام منزل ويطرق بابه ويتترقب قليلا ثم يعيد الطرق فلا يسمع جوابا عندئذ يصعد فوق الحائط ويقفز داخل المنزل

رجعت العيون ادراجها صائحة : - عاد على عاد على لقد رأيناه يدخل منزله ، لقد تغير كثيرا حتى اننا لم نعرفه الا حين دخل المنزل

دوت هذه الصيحة في أرجاء القرية ، فتناقلتها الافواه والانهج والمنازل والدكاكين .

- مسكين أصبح غريبا فى هذه القرية لم يعد له أحد فيها بعد ما ماتت امه . - لقد كانت تحبه كثيرا .

لقد كانت لا تملك في هذه الدنيا غيره غيره ، كان سندها فى هذه الحياة ، ادخرته لايام الشدة والعجز والفقر ، تعبت فى تربيته كثيرا فلما بلغ أشده انتزعوه منها وحملته سيارة خضراء إلى حيث لا يدرى ، فتطاولت على الشيخ الذي بلغ عنه ودعت عليه بالموت والحرق والكسر والشلل وانهمرت دموعها غزيرة ومكثت تعد الدقائق والساعات والأيام والليالى والشهور والاعوام ولكن وحبدها لم يرجع ، وقفت في مفارق الطرق تترقبه ولكنه لم يظهر . سألت عن

العائدين من المدن والمسرحين من الجيش والعجز العائدين من المعارك فلم يره أحد ولم يعلم بمكانه أحد ، وعندما ألحت في السؤال قالوا لها : ان الحروب كثرة وان فرنسا تقوم بعدة معارك فى كثير من أصقاع الدنيا فلا بد أنه فقا أو مات فى احدى هذه المعارك . فحمدت ربها أنه مات ولم يرجع اليها أعمى أو فاقد الرجلين أو اليدين كما رجع الكثيرون

قررت ان تقيم لابنها مأتما لم تشهد القرية مثله فاكترت النادبات والنائحات وتجمع فى المنزل خلق كثير فامتلات الغدران دموعا وتعالى الصياح الى عنان السماء وتمزقت الملابس وندبت الخدود وبقيت القرية ثلاثة أيام تأكل الخبز مغموسا بالزيت نهارا وكسكسيا ولحما ليلا

كان مأتما غريبا دم ودموع وصياح وعويل ولا جثة خبز وزيت وكسكس ولحم ولا جنازة ولا قبر

خرج بعد أيام من المنزل يمشى ببطء ناظرا الى اليمين والشمال متأملا الجدران البيضاء والمنازل الواطئة والابواب الزرقاء والطريق الممتد أمامه والمناظر التى فارقها منذ سنين عديدة لابسا نفس البدلة العسكرية الخضراء التى رأيناه فيها أول مرة تزينها مربعات سوداء على الكتفين رسم عليهما بعض النجوم والشرائط الصفراء الذهبية ، وعلى صدره علقت بعض الشارات الحمراء والصفراء ، وقف أمام دكان التاجر الوحيد في القرية أمام بعض الرجال الذين تحلقوا حول البراد والكانون يتفيؤون ظل جدار الدكان

وقفوا وسلموا عليه وسألوه عن أحواله وعزوه فى أمه التى ترقبته كثيرا وحدثوه عن حبها له وعما فعلت من أجله ، فلم يبك ولم تخرج من فمه كلمة واحدة ، هرع صاحب الدكان وأخرج كرسيا خشبيا عليه زربية صغيرة مزركشه لا يجلس عليه غير " شيخ التراب " عندما يزور القرية ليسجل أسماء الشبان الذين بلغوا سن الجندية او الشرطى الفرنسى الذى لا يأتى الى القرية الا فى سيارته الخضراء ليقبض على أحد المشبوه فيهم أو السارقين

تركنا الحجارة التى نقذفها لضرب خوذة جندى خضراء وجدناها تحت شجرة بعد أن علقناها على جدار وتحلقنا حوله فوجدنا الجماعة قد تركت حديثها عن الحقول والمزروعات والحيوانات وما جنوه في الاعوام الخوالى من صابات وفيرة شروا بنقودها أغطية وملابس وابقارا وذهبا لزوجاتهم . وقد تعلقت ابصارهم بالنياشين والشرائط والشارات . تكلم بصوت هادىء متقطع فعرفنا انه قد ساح فى أرض الله الواسعة ورأى مدنا كبيرة لا تنقطع فيها

الحركة ليلا أو نهارا ، وغابات كثيفة تسكنها الاسود والنمور والوحوش ومدنا وقرى تنهار تحت القذائف والقنابل وجثا لجنود سقطوا فى ساحات الوغى ثم أشار الى اكبر النياشين حجما وقال : إنه تحصل عليه اثر معركة رهبية مع العدو عندما كان فى متقدم مع جماعة من رفاقه وراء المدافع يرقبون تحركات العدو ، انطلق سرب من الطائرات وصب عليهم وابلا من القنابل فمات من رفاقه الكثير ، ثم تقدمت نحوهم كتيبة كاملة بدباباتها ومدافعها المحمولة ورشاشاتها تحت غطاء كثيف من القنابل والقذائف فهرب من بقى من رفاقه وبقى هو صامدا .

- أصيل . والله العظيم أصيل .

انهم جبناء ، لم يتعودوا على مشقة الحياة فالآلات تقوم بأعمالهم ، ايديهم لينة رطبة كأيدى النساء وأجسامهم بضة بيضاء لم تعرف لفح الشمس

لم يخف علينا خوفه فقد اراد ان يطلب النجدة فوجد الجهاز قد أصابه عطب فوجد نفسه مجبرا على مواجهة الكتيبة بمفرده فالموت أهون عليه من الهروب او الاسر . كانت الدبابات تتقدم ببطء وكان عليها أن تجتاز ممرا ضيقا بين مرتفعين ، تركها تقترب من الممر ثم أطلق القذائف من المدافع متنقلا من واحد لآخر موهما الكتيبة انه لم يكن وحيدا . أصاب الدبابة الاولى ثم الثانية ثم الثالثة فسد ركام الحديد الملتهب الممر ، وتعطلت الكتيبة ، فأمطرها بوابل من القذائف ، وبعد مدة وصلت فرق من الجنود الى الموقع لتعزيزه فاجهزوا على ما تبقى من الكتيبة .

- الصلاة على النبي - آه لو كانت أمك حية يا على وسمعت هذه الحكاية لمنعتك من روايتها ولعلقت لك الحروز خوفا عليك من الحاسدين وعيون السوء - الله يرحمها - الله يرحمها

لم يخف عنا كذلك انه قد أصيب بعدة جروح فنقل الى مستشفى فى الخطوط الخلفية وهناك اعتنت به الممرضات الجميلات والفتيات الشقراوات عندئذ نظرت الينا الجماعة فتركنا الحلقة ورجعنا الى الخوذة والاحجار .

مرت الايام والاسابيع والشهور والاعوام وهو ما انفك يحكى لنا عن مغامراته وبطولاته ، لا يفارق بدلته الخضراء المرصعة ساعة من نهار مظهرا اشمئزازه من لباسنا وذات يوم سأله أحد الجالسين :

- هل تزوجت يا على ؟ نظروا الينا شزا لنذهب ، فصاح فى وجوههم - دعوهم يسمعون . اجلسوا . . لا تذهبوا . لقد تزوجت تثيرات فى كل مدينة أو قرية اتزوج واحدة

- هل خلفت منهن ؟ - البعض انجب والبعض الآخر لم ينجب . من يدري ربما أتى أحد ابنائى او احدى بناتى للبحث عنى

سمعنا صياحا ينبعث من طرف القرية : - صالح يا صالح تعال .

سمع صالح الصياح ولكنه أبى الذهاب لانه يريد أن يستمع الى المزيد من الحكايات عن النساء فصاح فى وجهه أحد الجالسين

- انهض الم تسمع صياح أمك

نهض متثاقلا وتوجه نحو المنزل وعند وصوله ناولته أمه سكينا وديكا ففهم قصدها ورجع الى الجماعة فنهض أحدهم وأخذ منه السكين وشحذها على الحائط ثم اخذ الديك ووضع جناحية تحت ساقه وأمر صالحا بمسكه من رجليه وذبحه ثم مسح السكين القانية في ريشه وابتعد عنه قليلا فأطلق صالح رجلي الديك وتأخر قليلا فانتفض الديك واقفا وجرى نحو الجماعة والدم ينزف من عنق وارتمى على على فتلطخت البدلة بالدماء وسقط مغشيا عليه .

تركوا الديك يتخبط فى دمائه والتفوا حول الرجل يرشونه بالماء ويسقونه ماء الزهر وماء الورد فرجع اليه وعيه بعد مدة فنهض وذهب الى المنزل ، نزع كسوته الملوثة بالدماء والوحل ورماها فى الحوض وغسلها مرة أولى بالماء والصابون ومرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة ولكن الدماء العالقة بها لم تندثر فسقطت من عينيه بعض القطرات . ولكننا لم نعرف هل أغمى عليه لانه رأى الدماء الحمراء القانية تجرى من عنق الديك أم أغمي عليه لان كسوته التى يحبه ولا يستطيع فراقها قد تلوثت بالوحل والدماء .

منذ ذلك اليوم لم نره بيننا ولم يزين مجالسنا . تغيرت أمور كثيرة ولم نره ، تركنا الخوذة الحديدية الخضراء وانتقلنا الى مدن كبيرة للدراسة والعمل ، تغير وجه القرية وتزينت ساحتها بحديقة غناء زرعوا فيها كل انواع الزهور وأنيرت المنازل والشوارع والطرقات وغلت اسعار الشاى والسكر والزيت والحبوب والبيض والحيوانات والملابس وتزوج الكثير ومات الكثير وولد الكثير ولكنه لم يظهر

اشترك في نشرتنا البريدية