٢
احتشد جمع غفير فى البهو المعدل للمرافعة وملئت الكراسي والمقاعد واكتظ البهو بمختلف الطبقات ودخل سكرتير الجمعية والشهود ، فنادى السكرتير معاونه لاعطائه جدول القضايا الأدبية ، ويعقب على هذا الطلب بطلب آخر متسائلا عن الاضبارة التى تتعلق بمرافعة الأدباء
السكرتير : هاتوا النسخة الأصلية الخطية لكتاب " وحي الصحراء " وهاتوا كل أديب اشترك فى هذا الكتاب .
أحد الأدباء : ان النسخة الخطية قد نفدت طبعتها الأولى ، وهؤلاء الذين اشتركوا هم كثيرون واذا حضروا جميعا فانهم يحدثون ضجة وغوغاء فى ساحة المرافعة فيتاخر سير القضية امدا طويلا ، فيكفى حضور البعض عن حضور الآخرين .
السكرتير : دعنا من هذا ، لابد من حضورهم جميعا أينما كانوا ، سواء كانوا فى المقاهي الوطنية او فى مكاتب الوراقين أو فى ضواحي البلد أو غيرها .
وتنفذ رغبة السكرتير ، ويحضر عشرون اديبا جاءوا الى قاعة المرافعة من كل صوب وحدب وهم ساهمون كما كانوا فى رحلة شعرية من هذه الرحلات المحببة الى نفوسهم فهم لا يفارقونها او هى لا تفارقهم ، وفى تلك الساعة يمر الاستاذ السباعي وينصت الى حديثهم ويلحظه بعضهم ويدرك ان حضوره قد اكتشف فيبادر بقوله :
السلام عليكم يا حضرات السادة ، وعموا صباحا أيها الزملاء ، ها هو الرفش فاتبعونى ، إننى ظننت ان اجماعكم لسماع محاضرة أدبية أو صحفية أو طباعية وقد جمعت اسم " وحي الصحراء " يذكر قبل برهة فى مجلسكم فذكرنى ذلك احد مؤلفيه ابا عبد المقصود رحمه الله واننى أتمثل تلك الشخصية الجبارة
الحفيلة بمعاني الرجولة والتضحية والأيثار ، ولذا استميحكم عفوا إذا أنا اقحمت كلمتى هذه عنه اقحاما فى محفلكم بدون مناسبة قوية فان من دابى ان اهتبل الفرصة ، اننى حينما كنت فى مصر القيت محاضرة فى بعض ابناء القبائل العربية بالفيوم وتناولت الأدب والأدباء بالكلام على سبيل الدعاوة والدعاية وتناولت على الاخص هذا الأديب الذي إذا ذكرته ذكرت الاخلاص والوطنية فأبكى لفقده كالخنساء والعنقاء والزرقاء
أحد الحضور : ماله لعله مجنون أو به جنة ! أحد الأدباء : كلا يا هذا ليس به جنة وانما هي حرقة الأدب . بعض الحضور : اهؤلاء الجالسون كلهم ادباء من هذا الطرز . .
احدهم : نعم ولا فخر كلهم أدباء من هذا الطرز ومن غير هذا الطرز ومن بعض هذا الطرز . هذا السيد حسن كتبى استاذ من اساتذة الادب وضع كتابا فى الأدب الفنى وكتابا فى السياسة وهو يتحدث بمنتهى الدقة وله اسلوب خاص فى الكتابة وفي الحديث وهذا الزمخشرى اديب وشاعر ومؤلف الف كتاب المهرجان ، وهذا السيد حسن فقي كاتب وشاعر اشتغل بالصحافة والفكر وله ديوان لم يطبع ويوميات نشرت فى صوت الحجاز قبل الحرب ، ويمد عنقه واحد من المجتمعين فاذا به حسين زيدان . انه يسال عن الفائدة فى الكلام فى شىء مفرغ منه وياخذ فى اطراف الحديث مع سليمان قاضى اديب الطائف ، وينضم اليهما العنبر ، ومحمود عارف ذلك الكاتب الشاعر الذى نظم فى دنيا الغد قصيدة ممتعة .
وما هي الا برهة واذا ضجيج يعلو جو الادباء فقد دخل بعضهم فى مناقشة خفيفة حول بعض الموضوعات الأدبية الخيالية ثم انقلبت حادة عنيفة واشترك فيها كثير منهم . بعضهم مع هذا وبعضهم مع الآخر
واذ ذاك همس أحد الحضور فى أذن زميل له : - أهذا هو الأدب ؟ ليتنا لم نحضر الى هذا المشهد من الاصل فهيا بنا الى الخريق أو حيث تريد

