اذا نظرنا الى الماضى البعيد فى تاريخنا الادبى فاننا نجد ادبا محدودا فى اهدافه واغراضه وخدماته يعيش ضمن دائرة ضيقة النطاق لا يكاد يتجاوزها في مديحه ورثائه وهجائه ووصفه احيانا ولم يخرج عن هذه الدائرة فيما علمت في ادبنا العربي بصفة عامة الا الادب الاندلسي الذي عالج كثيرا من القضايا واثار كثيرا من المواضيع الرائقة الطريقة وكثيرا ما عبر عن التيارات المختلفة وكان لسانها الصادق ولم يتمالك عن القيام بدوره اعظم قيام عند ما هددت الاندلس بالانهيار وتكاثفت في افقها سحب الاضمحلال . وبالرغم عن ان هذا الادب اتصل بواقع الحياة فاستغاث وطلب النجدة ووصف الحالة الاسيفة التي وصلت اليها بلاد الاندلس واهاب بالشعوب الاسلامية النائمة فى ميادين الجلاد فلم يبادروا بالانقاذ ولم يتسابقوا الى الاسعاف الا على نطاق اضيق من سم الخياط . وقد ظل ادبنا القومي في هذه الرقعة من الارض صورة تقليدية بحتة للادب العربى ويزيد عنه فى الانحطاط ضعفا فى صيغته وسخافة فى معانيه وما خلا هذا الادب من تعبير صادق عن الواقعية احيانا فى اساليب متواضعة ومعاني سخيفة مضحكة . ولكنها حقيقة اجتماعية على كل حال توجه اليها الادب على علاته واستمد وحيها من اعماق الحياة التونسية انذاك . وبصرف النظر عن اسباب اثارتها فى نفس الاديب الذى مسه الضر وشعر بالطامة الكبرى والقارعة العظمى تنزل بمجتمعه فدافع عن نفسه وعن مجتمعه فى آن واحد فى حالة يائسة حالة حرجة مؤلمة موجعة عبر الناس عليها بكل ما يستطيعون التعبير عنه سواء اكأن ذلك باللسان ام باليد واستغاثوا فيها بالحجر والشجر والمدر وسائر الكائنات وبكل ما يتوهم فيه الانتصار شان المظلوم المضطهد وذلكم على عهد الوزير مصطفى خزنة دار بتونس حتى استنجد بعضهم
بالاموات وانبرى الادب التونسى يستغيث بالقطب التيجانى ( 1 ) . . . . فعبر عن واقع اجتماعى ملموس ورفع عقيرته بالشكوى وهذه الروح غير معهودة فى ادبنا القومى وان وجدت فى الادب العربى بقلة : يقول هذا الاديب
كادت تنبط رجاءها بالياس
مهج فغوثا يا ابا العباس
الى ان يقول
اليك نبت ما قد نابنا
من مكر ذى شر شديد الياس
درب على فعل القبائح قائم
بالجور ناء عن القسطاس
ومنها :
نشبت مخالب كيده فى قطرنا
وبدت مضرته على اجناس
ومراد والله يمحو رسمه
الحاقه بالاربع الادراس
خفيت مدارك كيده فتحيرت
فى غورها النبها من الاكياس
واستأصل الاموال من اربابها
ورماهم بالذل والافلاس
1) قال الاستاذ رشيد رضا فى تفسيره للتنزيل : كان من فساد هذا التصوف الذى بثه الشعرانى وامثاله فى المسلمين ان وجد فى المغرب الاقصى فى القرن 13 ه شيخ اسمه احمد التيجانى ( ويكنى بابى العباس ) صارت له طريقة من اشهر الطرق امتدت من المغرب الاقصى الى السودان الفرنسى والجزائر فتونس فمصر وصار لها مئات الالوف من الاتباع لما فيها من الدعاوى والخرافات الخ اه
كل تراه وقد امض فؤاده
يشكو القديم وللجديد يقاسى
والحقيقه ان هذا النوع من الادب الواقعى الذى يتصل بالمجتمع ويعبر عن الآمه ويعالج مشاكله او يناضل عنه او يرشده ضئيل . ولاول مرة يسموالتفكر تحت ضغط العوامل المختلفة فنصغى لشاعر آخر تونسي يندفع الى الواقعية ويحبر القصائد الغرر يستنهض فيها همم آلتونسيين الى الكد والتسابق في ميادين الرقى وذلكم هو شاعر تونس محمود قبادو الذى خاض غمار الواقعية فى ميادين كثيرة ووقف منوها بالدستور التونسى عهد الامان ومحبذا لاسلوب الحكم بتعاليمه وناعيا على الحكم المطلق مساويه ومشهرا بعيوبه قائلا فى لغة فصيحة وبيان ساحر ومعان رقيقة وبلاغة رائعة .
العدل عهد خلافة الانسان
ومداد ظل الامن والامان
وتمدن البشر اقتضى ايلافهم
بتعاضد من دائن ومدان
الى ان يقول فى هذه الغانية الفاتنة الجذابة
والراى كل الراى يقصر دونه
راى اللبيب وفطنة اليقظان
وانه نفع لاهواء الورى
شق الخلاف عصاه بالعصيان
والنفس طامحة لعز رئاسة
طبعا وجامحة عن الاذعان
الله قانون اقام سياسة
مرعية مرصوصة البنيان
دانت له امم تدين بغيره
ان الاصابة والوفاق يدان
ابقى الورى امنا على سكناتهم
لا جور يزعجهم عن الاوطان
وما ابدع قوله : ؟
فلو ان عينا تختشى من نومها
جورا اجار لها على الاجفان
منع التظالم فى المكاسب بينهم
ومسخر الاعلى لذى السلطان
وبعيد حين لم يجف فيه حبر هذا القصيد اذا بقبادو ينسف ما بناه وينقض غزله بيديه وينتكص على عقبيه فيطعن فى نظام الحكم الشورى ويقبحه ويدعو الى الحكم المطلق ويحبذه فيقول متنكبا طريقه السوى
وفي كون امر الناس شورى وخيرهم
امير شروط قد يعز وجودها
وما مجمع الشورى بموح اصابة
اذا كانت النيات شتى ورودها
فلن يستقيم الملك الا لفارد
قد استنجد الاراء وهو عميدها
وكأنى بالقارئ الذى امعن النظر فى الابيات الاخيرة وقف واجما مفكرا فى اسرار هذا التباين بل الاضطراب والتناقض ولكن سرعان ما يذهب عنه الوجوم اذا عرف ان للبيئة الاجتماعية ولاساليب الحكم فيها ودرجاتها من التخلف والرقى اثرا عميقا فى حياة الاديب واساليب ادبه ووسائل انتشاره . وهذا الصنف من الادباء لا يعيشون للادب ولا يخلصون له بل يتخذونه وسيلة للعيش وذريعة للتكسب يخادعون الناس ويزخرفون لهم الاباطيل . وغنى عن البيان ان الادب سلاح ذو حدين كما قيل منذ القديم :
في زخرف القول تزيين لباطله
والحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه
وان ذممت تقل ذممت تقل فى الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما
حسن البيان يرى الظلماء كالنور
وادب كهذا لا يعدو ان يكون ادبا خلابا خداعا لا ينتفع اى مجتمع به الا فى الناحية البيانية وعشاقها قليلون وهواتها نوادر وما اشبه هذا الادب بادب الدينار فى المقامة الحريرية . لم يستمر هذا التلاعب طويلا ونكبت البلاد بقارعة الاحتلال الفرنسى فنشأ الجيل الاول من الادباء على العزلة والانكماش وقد ادركت شيوخامن شيوخ الادب عمروا طويلا ومارسوا الادب كثيرا وتذوقوا اساليبه وتمرسوا بها ولم يسمح واحد منهم لنفسه بالخروج عن الادب التقليدى من مديح وهجاء ورثاء الا فى القليل النادر اذكر من بينهم الاديب العبقرى والشاعر الحصيف الاستاذ الشيخ ابا الثناء محمود موسى المنستيرى الذى كان يخدم بادبه المديح والرثاء وكان على براعته وبلاغته وسمو ذوقه وذكائه الوقاد لا ينحو فى ادبه وانتاجه منحى المعالج الاجتماعى ولا يفكر فى المعالجة الا بطريق الحديث والمسامرة التى يحضرها الخواص من اصدقائه والقليل النادر من خلانه وكان يعيش بالقرب منه شاعر مفلق خنديذ ذلكم هو ابو العباس احمد اديب الذي انبثق كوكبه من افق الحجاز وبعد ان خاض لجج العلوم والادب ادت به خاتمة المطاف الى مدينة سوسة عاصمة الساحل التونسى فاتخذها دارا وقرارا وبها توفى وكان هذا الرجل يتمتع بلهجة عربية وشاعرية فياضة تجالس فيه الاديب الذي لا ينضب له معين . ولما ضاقت سبل العيش امامه وراى ان مدح اللؤماء لا يجديه نفعا وان تقريظ البايات وخلق مناقب ومفاخر لهم لا ينقع له غله ولا يشفى له علة قلب ظهر المجن الى المجتمع واخذ يصليه نار انتقاده اللاذع وهجائه اللافح . ولعل هذا الصنيع فى عزلة الاديب وحقده وانتقاضه ناشئ عن اخطاء المجتمع الذي كان لا يحفل بهؤلاء الرجال ولا يقيم لهم وزنا فانقلبوا كارثة عليه عوض ان يكونوا حداة ركبه وادلاء سبلة ونجوم هدايته وخدمة ركابه
هذا وساخصص بعض البحوث فى هذه للحديث عن هؤلاء الشيوخ الذين من بينهم شيخ الادباء وخاتمة الظرفاء ، سيدى محمد العربى الكبادى رحم الله جميعهم وهكذا ظل ذلك الجيل من الادباء منعزلين الى ان نشا الجيل الثاني بين الهضيمة والمذلة والانتقام فانتفض انتفاضة الحر الكريم اذا أهين وخرج عن
عزلته وجاهر المحتلين بالعدا وتمرس بالتضحية واقدم عليها غير هياب ولا وجل فجاء معظم ادبه واقعيا بل يصح ان يكون عنوانا لادب تفتخر به الامة وتعتز به ومن بين هؤلاء امير الشعراء المرحوم الشاذلى خزنة دار الذى يقول
الحر من لا يستكين لمرهق
فعليك خصمك مم ويحك تتقى
واصدع بحقك فى الاباة ولا تقل
ان البلاء موكل بالمنطق
فالى م تستجدى وحقك بين
شلت يمين تمتد للمتصدق
تبا لمن الف الخنوع لغاشم
ما تلك الا شيمة المتملق
اولى واحرى ان يبيت على ظماء
من ظل من ماء المهانة يستقى
فيم احتمالك والكوارث جمة
ممن يراك بنظرة المتفوق
صم وعمى ساخرين تطاولا
منا كانا فى الورى لم نخلق
لا تشكهم ان الشكاة مذلة
والى مراقى العن وحدك فارتق
مستضعف من بات يرقب منة
من اهله او من عدو اخرق . . .
كان هذا الادب الحديث في روحه وهدفه بدءا للمقاومة الادبية للغاصب المحتل وكان علاوة على ذلك يحوى الكثير من واقعنا الذى نريد ان يمعن الادباء فى خدمته ويكثروا من الانتاج فى نواحيه ويضطلعوا بالمسؤولية الكبرى لحمل امانته وسنعلم فيما بعد هل تمادى الادباء على توسيع هذا النطاق وهل حققوا شيئا من الآمال فى بحوث أخرى باذن الله

