إذا كان الأدب هو خلاصة الحضارة ، وأصدق ما فى الانسان ، فان الشعر هو أرق فنون الأدب جميعا وأوثقها صلة بالنفس ، لما ضم من شتات الروح وما احتوى عليه من أحاسيس فكان المعبر الاول عن الذات ، والصادر عن الاعماق ، يعبر نهر الصمت والعزلة على جسر رائع من حروف وصور واضواء فيكتسح القارئ ويهزأ بالحدود والقيم المختلفة ليستقر فى كيانه . ولا يخفى ان تاريخ الحضارة العربية مشحون بالجمال الذى صنعه الشعر فكانت القصائد العربية ذخرا يعود اليه المرء فينمو احساسه بأصالته ، ويتتربى على محبه الكلمة العربية التى هى كزيتونة يكاد زيتها يضئ ، ويشعر باحتضان الأمة التى انجبت نوابغ الشعر والأدب ، وبشرف الانتساب اليها . . ولعل الأدب العربي الى جانب هذا لم يخل من عوامل عديدة ، جعلته أحيانا يغرق فى اليأس وينشد الخذلان والرضوخ للقدر والحياة . . ويعود إلى السطحية والابتذال ، أو ينطلق من القيم الجامدة ، فتتحجر مضامينه أحيانا ويلد ذلك حتما الى فساد الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاخلاقية لبعض المجتمعات العربية فى القديم ، حيث كان الأدب صورة من صور فساد هذه المجتمعات وتوقف نموها . فكان الشاعر شاذا ، او يائسا ، أو متخاذلا أو قانطا أو كاذيا متزلفا ، مما ادى بعض النقاد الى الافراط فى تشويه هذا الأدب . واعتبار الشاعر العربى القديم اشبه بالمهرج الراقص على الحبال . ولكننا اذا امعنا التحديق نزهاء في حياتنا الفكرية العربية ، وتأملنا مضامينها الحسية والعاطفية ، وجدنا جلها كنزا لا يفنى من الصدق وحرارة التجربة . لعل الحاحنا اليوم عل موضوع الغربية وأدبها ، ومدى تأثيرها على صناعة الأدب هو فى جوهره الحاح على هذا الصدق الذى ذكرنا وإلحاح على التلقائية الرائعة التى قلما عثرنا عليها فى المضامين المختلفة الاخرى . هذا وتحتل الغربية مكانا بارزا من الآداب والتأملات الفلسفية حيث نجدها فى الآداب القديمة وخاصة الاساطير الاغريقية والفرعونية والهندية والصينية فالمملاح العريقة نزخر بشعور الاغتراب لدى أبطالها ، وكتابها ومصنفيها ورواتها . ويضيق المجال هنا لعرض اشتات من هذا الاحساس . كما ان لكلمة " غربة " نفسها معنيين أعطاهما الانسان لها فى أدبه وتفكيره عبر القرون . . فهناك غربة المرء عن
وطنه وعشيرته ومنتديات صباه ومرابع هواه ، وهو شعور طبيعي يشترك فيه كل الناس مع اختلاف مستوياتهم وعصورهم وأمصارهم ولربما شاركه فيه حتى الحيوان بما اختزنته نفسه من غرائز الألفة والتشبث بالمكان . . وهناك الغربة الروحية كما اتفق لبعض أهل الادب أن يدعوها . . وهذه الغربة احساس غامض مبهم بالانعزال والانغلاق يعترى المرء وهو بين أهلية وذويه ، يصنعها الحرمان من ممارسة حريته وفكره وعواطفه بصورة طبيعية ، او هي تنتج عن طلاق فكرى بين المرء وقومه ، أو تباين فى الاخلاق والنظرة المصيرية ، او انعدام الحوار بينه وبينهم مما يؤدى الى الاحساس بهذه الغربية وفقدان الصلة الانسانية بما فيها من دفء وحرارة وقداسة . هذا وقد زخر الادب التونس منذ نشأته بصدق المضامين ، وخاصة فى الحلقة العربية الاسلامية من تاريخنا ، المتمثلة جلها فى حضارة عاصمة الاغالبة وما تفرع عنها من عمران في سائر افريقية والاندلس وصقلية ، وبذلك كان الادب مترجما واعيا لازمة العصر الذى عاشه ، ومرآة نقية الصفحة تعكس التحولات الحضارية الكبرى ، حيث كان ادب العربة مثلا خلاصة خراب القيروان واندثار معالمها ، وخراب القيروان كان خلاصة أحداث سياسية واقتصادية وعقائدية معلومة وهذه الاحداث هى خلاصة العصبيات والازمات التى يعتبرها ابن خلدون أساسا لنشأة وموت الحضارات .
ومن أجل وضع هذا الأدب فى اطاره ، وجب علينا التعريج على البيئة القيروانية وخاصة فترة الدولة الفاطمية حيث ورثت عن الدولة الاغلبية ملكا ثابت الاركان بما توفر لافريقية من حياة فكرية وعمرانية وعلمية مدعمة بمختلف الكتب والتصانيف والتراجم . . إذ انه منذ ولاية أبراهيم الاول سنة 184 هجرى 800 م واستقرار العائلة الاغلبية فى العباسية ، ثم فى رقادة على يدى ابراهيم الاصغر سنة 264 ه ، بدأت الحضارة العربية الفتية تتفتح على الحضارات القوية الراسخة ولا أدل على متانة الفكر واستحكام تلاقحه مع سواه مما ذكره لنا المؤرخ الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب قائلا عن خزائن الكتب التى ضمها بيت الحكمة ما يلى : " اننا لا نشك ان هذه المجلدات كانت تتعلق بسائر العلوم الدينية الاسلامية وغير الدينية ككتب الجدل والخلاف ، مما كان له رواج ملحوظ في ذلك الوقت شرقا وغربا كما تشتمل على المصنفات المترجمة من اللغات الاعجمية كاليونانى والسريانى والفارسى والهندى ، كما انه من طريف ما يذكر ما أورده ابن ناجي في معالم الايمان قال : ان عبد الله بن غانم تصرف يوما من الجامع الاعظم بالقيروان ، فدخل عليه بعض أصحابه ، فسأله ابن غانم : هل حضرت الجامع ؟ قال نعم ، قال ابن غانم : كيف رايت ، قال :
رأيت اصلحك الله به سبعين قلنسوة تصلح للقضاء ، وثلاثمائة قلنسوة فقيه . فتراجع ابن غانم وقال متأسفا : مات الناس ! وربما كانت فى رواية ابن ناجى مبالغة ولكنها تشير على كل حال الى بلوغ افريقية شأوا عظيما من العمران والاشعاع . كما ان حال التعليم والمؤسسات التربوية كان مزدهرا وقد عرج كتاب بساط العقيق على ذلك قائلا : " ولم ينحصر التعليم فى الكتاتيب والجوامع بل ان العائلات الموسرة كانت تجلب لابنائها المعلمين الى منازلهم " . وهكذا رأينا ان الملك الذي أنتقل لدولة الفاطميين كان ثابت الاركان لما توفر له من أساس فكرى راسخ واقتصادى متين حيث ذكر البكرى فى المسالك والممالك انه كان يدخل من أحد أبواب صبرة من معاليم المكس فقط يوميا ستة وعشرون ألف درهم . . " وقد ورث المعز بن باديس عند توليه أريكة الملك سنة 406 هجرى خلاصة هذه النهضة التى أنشأها الاغالبة ودعمها ذووه من أهل الدولة الفاطمية ، حيث استقل بمملكة شاسعة الاطراف ، ما لبثت ان اندثرت لاسباب منها كما اورد الكاتبان محمد المرزوقى والجيلانى بن الحاج يحى ان المعز لقن في صباه مذهب أهل السنة ، وتربى على عداء مذهب ملته وعشيرته وهم شيعة ، فناصر أهل السنة مما أثار غضب الخلفاء الفاطميين فى مصر ، حتى اصبح المعز يجاهر بعداوتهم ، ثم استقل بملكه باعانة الخلافة العباسية ببغداد سنة 440 ه . . حتى اضطرت الدولة الفاطمية بمصر الى تأديبه بتقويض عاصمة عزه وتخريب معالم عمرانه وشجعتها على ذلك حالة الصعيد المصرى وما يعانيه من مجاعات وأزمات دفعت كما ذكر بعض المؤرخين بوزيرهم اليازورى الى تنفيذ الانتقام وتخليص صعيد مصر من قبائل بني هلال وبنى سليم فأرسلهم الى افريقية بعد ان اصبحت فى اذهانهم حلما من احلام الثروة المجانية واقامة مملكة يتقاسمها الاعراب ويعشون فيها الى ابد الدهر .. وهكذا ، ورغم سياسة المعز وتقريبه لامرائهم ، لم تنج القيروان وضواحيها من نكبتها الكبرى ، وكان أن تهدمت رموز مجدها ، واندحرت معالم رفعتها وأحرقوها ولم يبقوا بها الا المساجد كما اورد ابن خلدون وانصرف عنها اهلوها الى اصقاع الارض ، مشردين ضاربين فى المدن والقرى والفيافى ، ومن أجل ذلك اتسم أدبهم الحزين بطابع القتامة الدائمة والحنين المتفجر والأسف العميق حيث لم يتغربوا تاركين وراءهم مدينة ماجدة قائمة الذات بل مخلفين أطلالا دارسة تبعث على اليأس والقنوط . فكانت نكبة الشعراء من القيروانيين لهذا السب ذات وجهين : غربية واننعزال ثم حزن لاندثار افريقية وسقوط واسطة عقدها القيروان فأصبحوا كالذين ذكرهم ابن الرومى بقوله :
وحبب أوطان الرجال اليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
نعتقد اذن ان اولى وأهم نكبات القيروان هى الزحفة الهلالية وسنرى فيما بلى أبعد آثارها فى أدب الشعراء الذين كانوا رغم تفاوت سنهم وتباين شهرتهم الأدبية - يعمرون بلاط المعز لما كان لهذا الملك من حب غامر للشعر وأهله ، ثم انطلقوا مهاجرين حيث قصد الحصرى مدينة سبتة ثم الاندلس وفر ابن رشيق الى المهدية ثم تحول إلى صقلية كما انصرف ابن شرف الى الاندلس حيث مات بدار الغربة هناك .
ولنتأمل معا أولا فى غربة ابى الحسن الحصرى القيروانى الضرير الذى كان فراق القيروان لديه حلقة من سلسلة رزقه بفقدان ولده عبد الغني وفقدانه لبصره . فكان شعره بعد نكبة القيروان تعبيرا مريرا عن الحرمان الدائم ، وانطلاقا واعيا لارادة هذا الشاعر فى أن تطمئن نفسه وان يعود الى وطنه لينعم بمرابع صباه ومجالس تلامذته وأصفيائه . . وقد نقل لنا ابن بسام فى الذخيرة عن الحصرى فيما نقل تاتيته الشهيرة التى رثا بها القيروان وشحنها بأرق واصدق معانى الحنين ، ويستهلها بتأملات أقرب هى الى التحديق الميتفيزيقى فى الاغتراب والموت والحياة ، فى مطلعها :
موت الكرام حياة في مواطنهم فان هم اغتربوا ماتوا وما ماتوا
رأينا اذن كيف يخرج الحصرى بهذه النتيجة الاليمة حيث يعتبر الموت فى الوطن الام حياة سرمدا كما يعتبر الاغتراب فى الحياة موتا حقيقيا ، اذ تنعدم صلة الانسان بماضيه وتنتشله يد القدر عن خصوبة ايامه الخوالى لتلقى به فى ديار بعيدة . . ويمضى الحصرى فى تائيته الرائعة التى نعتبرها من أجمل ما قيل فى هذا الشأن فيخاطب الشاعر من تبقى من أهل وده فى القيروان ، واعدا اياهم بالعودة ، ضامنا لهم تفكيره فيهم قائلا :
يا أهل ودى لا والله ما انتكئت عندى عهود ولا ضاقت مودات
لئن بعدتم وحال البحر دونكم لبين ارواحنا فى النوم زورات
ما نمت الا لكي ألقى خيالكم وأين ما نازح الاوطان نومات
أصبحت فى غربتى لولا مكاتمتى بكتني الارض فيها والسماوات
ثم يحس الشاعر بما يضارع عندنا اليوم شعور العبث ، فتعظم الرزية فى ذهنه ، ويندهش للمعادلة الغريبة التى جمعت بين شبابه النضير فى القيروان
حينما كانت كعبة قصادها من العلماء والأدباء وبين كهولته البائسة فى سبتة بعد إنهيار كبريائها ، فيكون احساسه بالغ الصدق ، وافر الطاقة الابلاغية ، يختزن مرارة التحسر يقول الحصرى :
كأنني لم أذق بالقيرواوان جنى ولم أقل ها لأحبابي ولا هاتوا
أبعد أيامها البيض التى سلفت تروقنى غدوات او عشيات
إنى لأظمأ والأنهار جارية حولى وأضحى ودون الشمس دوحات
ثم يأخذ الشاعر المغترب الى ضفتى اليأس والامل ، فهو قانط حينا وآمل حينا آخر فى نفس القصيدة ، تتقاذفه موجتان ، الواقع وما يحمله من بذور اليأس ، والحلم الذي يغذى ضميره ويملأ جوانحه ، الواقع المرير والحلم الذي ينبع كزلال الماء في الصحراء ، فيرتاح الحصرى فى واحته برهة اذ يقول وهو بطارد اشباح الضجر والعناء ليتعزى :
لا يشمتن بها الاعداء ان رزئت ان الكسوف له فى الشمس أوقات
ولكن الشاعر ، رغم هذا الايمان بقداسة موطنه الاول ، وتشبيهه اياه بالشمس التى ستعود حتما الى اشراقها وطلوعها وبعد منالها ، رغم ذلك بطحنه الواقع بكله ، ويوقن أن الطمع فى العودة مجرد حلم وتمن ، وان مدينته الحبيبة أصبحت مستحيلة البلوغ كالسراب يقول :
هل مطمع أن ترد القيروان لنا وصبرة والمعلى فالحنيات
ما ان سجى الليل الا زادني شجنا فأتبعت زفراتى فيه أنات
وما أرى الموت الا باسطا يده من قبل ان يمكن المأسور افلات
وبعد الايمان بعجز النفس وفراغ التمنى ، يستعيد الشاعر ذكرياته بالمدينة ويستجمع شتات الماضى ، ويعدد مفاخر القيروان وما اختزنته نفسه من احاسيس العرفان والألفة . . كأنما يتخيلها ويرسمها فى ذهنه المتعب ليعوض عن غربته ، ويعيش معها وفيها بأحلامه فقط : فينشد :
ألا سقي الله أرض القيروان حيا كأنه عبراتى المستهلات
فانها لمدة الجنات تربتها مسكية وحصاها جوهريات
إن لم يكن نهر عذب يسيل بها فان أنهارها أيد كريمات
والتعويض من أسس هذا الادب الثر ، حيث يتخذ الانسان ، حتى فى اشق ساعاته ، حلما من أحلام النفس ، وسرابا يعيش على لمعانه الكاذب ، ثم ان الحصرى كغيره من شعراء جيله المغتربين ، تفنن فى تصوير العبث الذى ابى الا ان يحدث نكبة العاصمة الاسلامية بافريقية ، فيعبر الحصرى عن مدى تأثير هذه الصدمة فى نفسه ، فيعجب لمسيرة الحياة كيف لم تتغير ، وحركة الطبيعة كيف لم تتحول ، لهول ما شاهده الشاعر عند خراب القيروان ، فيصرخ من أعماقه فى قصيد آخر قائلا :
تلثم حياء يا زمان من العلا مضيت بمعروف وجئت بمنكر
مضيت فما للأرض بعدك لم تمد ومالسماء المجد لم تتفطر
رأينا اذن كيف يطالب الحصرى الحياة بطريقة ادبية غير مباشرة أن تشعر كما يشعر هو بالنائبة القصوى ، يطالب أن تميد الارض وأن تتفطر سماء المجد للرزء ، وينشأ الاحساس بالغربة من صمت العالم ، ولا وعيه وتواصل خطه العادى دون اكتراث ، فيظل قلب الانسان هو المرآة الوحيدة المنعزلة التى ينعكس فيها الالم دون ان تحدث المعجزات من حوله لأنه لا شئ خارج قلب الانسان سوى العدم ، او اشياء اخرى من أمر التخيل المريض الخائف . ونلح على شعور نفسي ثان عند الحصرى عندما يصف لنا ضيق الحياة من حوله ، كأنها تضاءلت حتى ضاقت به أو هي أمست كالقبر ضيقا يتنفس فيها المرء بدون طلاقة ، يحس أن الأعباء التى يحملها أكبر وأوسع من الوجود الذى يتحرك فيه يقول الحصرى :
تفكرت فى الدنيا وفى غربتى بها فضاقت على الارض فى الطول والعرض
وقال في غيرها :
سئمت حياتي والمقام بطنجة كأن بلاد الله غير عراض
ولما كان اغتراب الحصرى مقرونا بفقدان ولده عبد الغني ، فقد امتزج حرمانه من وطنه بحرمانه من فلذة كبده ، وكأنهما صرحان تهدما فى كيان الشاعر ، بعد أن كان عبد الغني سلواه فى عزلته ، وواحته فى صحائه وظله فى رمضان ، يقول :
كنت في غربتى كأنى به فى وطني فانقضى فعدت غريبا
لم يدع فقده لمغناى معنى فخلا آهلا وضاق رحيبا
يستحيل الابن هنا الى أنس وألفة تشد أباه الى أرض غربته ، فينعم بوجوده وينسى القيروان . . يقول الحصرى فى مطلع قصيد آخر :
نسيت به جنتى القيروان وعشت به ناعما فى لظى
وأروع ما يدلنا على امتزاج الفقدين ، واختلاط التأثيرين ، هذا الوصف التلقائى لوضع الشاعر وهو يتألم فى غربته ، قائلا :
مغــتــــــو بـــــالدمــــــــــــع مغـتـــــــــرب مــــا لـــه مـــال ولا ولـد
قد عاثت الاعراب في بلد فاكتسى ثوب البلى البلد .
وينقل لنا المؤرخون أن الحصرى لم يكن أقل حظوة فى المغرب أو الاندلس من شعرائهما ، فقد قربه أولو الامر فيهما ، لكنه كان دائم التبريح ، خاصة عندما تساء أحيانا معاملته أو يتكدر حينا عيشه ، فيحتد احساسه بالانفصال ويصبح نشيده اكثر رهافة وسنورد بضعة أبيات من رائيته الجميلة تكون خاتمة حديثنا عن الحصرى ، وهي تشير الى مسخ المفاهيم المتعارففة لدى الغريب إذ تستحيل القيم الى أضدادها ويضيع المرء بين القبول والرفض بين الرضى والغضب ، يقول الشاعر :
أعادى على فضلى واستصحب العدى ولى حسنات عندهم هى أوزار
وحق بكاء العين والقلب مسعد لمن بات مثلى لا حبيب ولا جار
شفى الله داء القيروانين بعدنا فقد مرضت للقيروانين أبصار
وكيف غناء الطير فى غير أيكها وقد بعدت عنها فراخ وأوكار
وانى لأولى بالبكاء لانها تطير اذا اشتاقت وما انا طيار
الا يا بروقا لحن من نحو صبرة وليس لها الا دموعي أمطار
عسى فيك من ماء الحبيبات شربة ولو مثل ما يوعى من الماء منقار
أما أبو عبد الله محمد بن شرف ، فقد غادر القيروان للأسباب نفسها ، وقد ذكر ابن يسام فى الذخيرة متحدثا عن العفاء والنكبة وحال ابن شرف منهما قائلا :
" وسال سيل فتنة القيروان ، اللاعب بأحرارها ، المعفى على آثارها . فتردد ابن شرف على ملوك الطوائف بالاندلس ، بعد مقارعة أهوال ، ومباشرة خطوب طوال ، وقد نبت شفرته ، وطفئت جمرته ، وقد قلت فيما تقدم انه انتحى منحى القسطلى فى شكوى الزمن والحديث عن الفتن ، كان معه كمن تصدى الرياح بجناح . وقابل الصباح بمصباح . "
هذا وتورد لنا الكتب القديمة التى عاصره كتابها انه استقر مدة يمدح سادة الاندلس مما قربه إليهم وجعلهم يخصونه بالنعمة والمنادمة والانس . وقد زخر شعر ابن شرف بأصدق معانى الحنين الغامر للقيروان وأرق مشاعر الرثاء للبلد الامين الذى رعى صباه وشهد على اغر أيامه الماضية . والتاريخ يذكر لنا المساجلة الظريفة التى جرت بينه وبين ابن رشيق حول الاندلس وأحوالها السياسية وظروف الاقامة فيها حينما قال ابن رشيق لزمه ابن شرف :
مما يبغضنى فى أرض أندلس سماع مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة فى غير موضعها كالهر يحكى انتفاخا صولة الاسد
فأنشده ابن شرف قائلا :
ان ترمك الغربة فى معشر قد جبل الطبع على بغضهم
فدارهم ما دمت فى دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم
وهكذا نرى أن ابن شرف مطواع كيس ، يقدر حق الاستضافة ، او على الاقل هو يدارى نقمته السياسية التى تعتبر موقفا واضحا من تجزئة وتقسيم الأمة العربية الى ممالك وأسماء وأشلاء مبعثرة فى أطراف بلاد واحدة .. ولنقتحم أدب هذا الشاعر الرقيق ، لنستشف فى حنينه واغترابه أكثر الشعر شجوا وأدقه تعبيرا وانقاه كلمة وأقواه ابلاغا . يقول فى قصيد له فى رثاء البلد الامين :
آه للقـــيـــــــــــــــروان أنـــــــــــــــة شــــجـــــــــــــو عن فؤاد بجاحم الحزن يصلى
حيـــــــن عــــادت بــــه الديـــــــار قبـــــــــورا بل أقول الديار منهن أخلى
ليت شعرى هل عودة لى فى الغيب الى ما أطال شجووى أم لا ؟.
ويظل البكاء والتلهف يطبعان أدب ابن شرف فى زمن محنته ، حتى يكاد المرء من خلال شعره ان يستمع للأنة تلو الأنة ، وأن يشاهد الدموع تنهمر من عينيه المنكسرتين ، ويمتزج التحسر على انقضاء عهد الصبا بالامل اليائس فى عودة هذا العهد ، فيطلق الشاعر العنان للحلم والتخيل ، ويرجو أن تتجاوز قدرته حدودها ، وان يصبح جبارا بما تمنحه ل الطبيعة الطبيعة من أدوات اخرى للانطلاق ، حيث يشعر بالعجز القاهر يشله ، وتتحول الحياة لديه الى سجن فسيح ، فهو انسان ، والانسان مرتبط بالارض لا يبرحها فى ذلك الحين ، فيكون شعر ابن شرف في بعض قصائده نتيجة لانكسار رغبته واستحالة أمنيته فينشد :
يا قيروان وددت انى طائر فأراك رؤية باحث متأمل
آها وأية أهة تشفى جوى قلب بنيران الصبابة مصطلى
يا أربعي في القطب منها كيف لى بمعاد يوم فيك لى ومن أين لى ؟
هكذا حلم الشاعر بالطيران حتى يختصر المسافة ، ويحلق فى الجو متأملا مواطنه . . والأدب كان دائما وما يزال يزود العلماء بطاقة الحلم ، فيمضور للأكتشاف والخلق وأصبح الآن من الاشياء العادية واليومية أن يطير الانسان الى من يهوى مهما تباعد المكان وشطت المسافة ، وهو حظ لم يتح لابن شرف . ويمضى الشاعر فى نفس القصيد ، فيؤكد لنا أنه مهما لقى من الاحسان فى أرض الاندلس سوف يبقى على عهد الذكرى ، يمارسها كما يمارس المتعبد صلاته فى خشوع . يقول :
لا كثرة الاحسان تنسى حسرة هيهات تذهب علة بتعلل
لو كنت أعلم أن آخر عهدهم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
وكما وصل الحصرى باحساس الغربة الى درجة التأمل الماورائى ، كذلك فعل ابن شرف حيث يتعدى شعره فى أحيان كثيرة مجرد الشكوى الى تحليل صروف النكبة ، ويعطى فى أدبه ابعادا ذاتية للحدث التاريخي ، فهو يحمل التاريخ والقدر أعباء القيروانية ، ويؤمن أن المدن ربما تلقى من الزمن عقابا عن جرم مجهول اقترفته ، وهنا ينبع تفكير الشاعر من الاساطير الدينية حيث تصبح القيروان كارم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد ، أو هى مثل سدوم . . أو غيرها من المدن التى نزل عليها غضب الالهة فدكها دكا وعادت طلولا . . يتساءل الشاعر :
ترى سيئات القيروان تعاظمت فجلت عن الغفران والله غافر
ان ابن شرف يقيم هذه المقارنة ليحلل الفاجعة ، ويتخيل للمدينة ذنوبا ربما اقترفتها ، فجلت سيئاتها عن الغفران ، لكن عقيدته الاسلامية تدفعه للايمان بمغفرة الله . . ويجتمع فى شعر ابن شرف كما رأينا صدق العاطفة مع التفكير العميق الذي يعطى طابعا انسانيا لهذا الادب ، يجعلنا نستنكر او نكاد ما قيل فى مضامين أخرى جعلت الادب فى تلك الحقبة يتسم بالتحجر والسطحية .
هذا هو الوجه الشعرى لابن شرف أما الوجه النثرى وهو ذو بال ، فيرسم لنا بأكثر دقة وأوفر طرافة تأثير الاغتراب فى نفسية الكاتب ، حتى أن الغربة اصبحت تمثل سلم قيم خاص ، عليها يعتمد الكاتب فى تقييم نتاج غيره وهو
الناقد الحصيف ، وذلك مما جعل نقد ابن شرف يتسم بالذاتية الصادقة حيث لم يستعمل فى رسالته النقدية مل اتفق عليه أسلافه وما علب من المعايير ، بل هو يستنجد بتجاربه كمواطن غريب خبر الترحال وعرف معاناة الكلمة المشردة . يقول ابن شرف فى نقده لكثير عزة الشاعر العذرى ما يلى :
" أما كثير فحسن النسيب فصيحه ، لطيف العتاب شحيحه ، شجى الاغتراب مليحه . . "
هنا اصبح الاغتراب وما يضعه من نتاج فكرى ، معيارا أساسيا لدى ابن شرف ، به يقيم مدى جمال العمل الأدبي ، ولم نجد هذا الميزان الطريف لدى سواه من النقاد ، وفى موضع آخر يتحدث ابن شرف عن أبى فراس الذى عانى مرارة الاسر والاغتراب مثل ناقده فيقول :
" ملك زمانا وملك أوانا ، اشعر الناس فى المملكة ، وأشعرهم في ذل الملكة . . " هنا يقسم ابن شرف حياة ابن فراس الى جزئين هامين هما المملكة ويعني بها امارة أبى فراس وزمن نعمته والملكة أى الاسر والمهانة . . وفى موضع ثالث ، فى بعض مقاماته ، يحدثنا الكاتب عن فتى ، فيريد أن ينقل لنا ما ضم من جميل الخصال ورائع المنن ، يقول :
" حدثني الجرجانى قال : كان فتى بجرجان من أبناء الأقيال ، قد جمع الى النهاية فى المال الغاية فى الجمال ، كان مألفا للأدباء ومأوى للغرباء " .
يلح ابن شرف كما اسلفنا على أن هذا الفتى الجرجانى كان مأوى للغرباء ، وهذا يقع ضمن سلم القيم الاخلاقية الخاصة التى أصبح الكاتب يدين بها بعد اعتزاله لوطنه لانه لمس شدة حاجة الغرباء لمأوى ، وحدة حساسيتهم للمعاملة وبحثهم الدائم عن الانتماء والانتساب . ومما لا شك فيه ان المغتربين من أدباء القيروان كانوا لدى معاصريهم مشتهرين بتشبثهم بذكرى الارض التى ولدوا بها ومعروفين بمحبتهم الغامرة للقيروان وحنينهم الملتاع لمرابعها .. فهذا المظفر ابن الافطس يكتب لابن شرف رسالة ضمت فيما ضمت أمنية المظفر لزميله قائلا :
" والله المان بك برده الى وطنه واهليه ، يبلغك ما ترتجيه ، ويعيد حالك الى عهدها ، والجمع بينك وبين الطبقة التى كنت واسطة عقدها .. "

