اذا كان ادب الامة اشبه بالمرآة المقعرة التى تنعكس عليها جملة المشاعر والعواطف والافكار عند جمهور افرادها على السنة الناطقين من ادبائها . . . واذا كانت الاحداث المتعاقبة فى حلوها ومرها هى التى تعين الالوان الفكرية والصور . . .
واذا كانت هذه الاحداث هى تلك التى عرفها العالم العربى فاستيقظ بها على فنون من الوقائع القارعة وصنوف من الصور المنكورة فحرى بادبنا العربى ان يكون الناطق الامين لكل ما نواجهه اليوم على النحو الذى يحض على استجماع القوة وتوحيد الصف وسقى نبتة الامل التى لفحتها ريح السموم فتستعيد خضرتها بالامس وتستقبل دفء الحياة وقوة الفتوة .
والواقع ان تسارع الاحداث قد نقل الادب العربى نقلة سريعة حادة . فاذا بالادباء كلهم على مختلف طبقاتهم يستشعرون ضغط الظروف ويحسون ان عليهم الاستجابة للتحديات التى تواجههم بكل ما فيها من عنف وصخب والحاح . فهم فى حركة مستمرة تتردد الصور فى اذهانهم وتنمو الافكار فى عقولهم بسرعة لا تقل عن سرعة الاحداث . أنهم يبادرون بابعد مما تستجيب لهم شروط العمل الفنى ، الى تسجيل ردود الفعل التى نبتت فى نفوسهم وبرزت فى وعى كل منهم . يسجلونها دون الاهتمام بما يفرضه هذا العمل الفنى من الروية والصناعة وطول الاناة . ذلك انهم يؤمنون بأن الفن هو المحتوى الروحى والردود النفسية قبل ان يكون العبارة الصناع والصورة المختارة والفكر المتأنق .
ان أدبنا اليوم هو أدب المعركة . وسلاحه الذى يشهده وستعين به هو سلاح المعركة . ولما كان أدب المعركة وسلاحها نابعين من طبيعة الاحداث التى تواجه الجنود فى الميدان على نحو مرتجل فى بعض الاوقات بحيث يضطرون للرد عليها الى الاستعانة بكل سلاح حتى السلاح الابيض ، يسكن المطبخ والقتال باليد فان أدب المعركة هو ذاك الذى يبادر أصحابه الى الاستعانة بكل سلاح مهما تكن طبيعته فلا يبالون بخطة التأنق فى الاداء والجمال فى التعبير
والتجويد فى اختيار الالفاظ والصور بل ينطقون مع السجية ويتركون لها فرصة الاختيار بعفوية وبساطة وصدق .
فى ضوء الاحساس بزحمة الاحداث وضغط الوقائع القارعة انطلقت الاقلام هنا وهناك فى كل قطر عربى شارك فى المعركة على صورة من الصور . حتى لكأنها فى سباق مع الزمن الذى تغيرت مقاييسه وابعاده فكادت الايام منه تصبح ساعات والساعات دقائق والدقائق لمحات كلمح البرق الخاطف .
وقد استقبلت الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية حصيلة هذه الاقلام . وكذلك الاذاعات وشاشات التليفزيون التى كانت فى بعض الاوقات اسرع من المجلات والصحف فى نقل الخواطر وطرح الصور الادبية التى تعكس شعور الملايين وفكرها ورد الفعل التى تميزت بها امام الوقائع المتلاحقة .
والواقع ان الخواطر الادبية وما يرافقها من الصور واللوحات الفنية قد كانت خلال ايام الحرب او التى عقبتها حتى اليوم برهانا دامغا على ان روح الامة الحقيقية هى تلك التى تبرز معالمها فى الازمات والكوارث .
واذا كنا نشعر بروح التفاؤل فلأن خواطرنا الادبية وما رافقها من الصور واللوحات الفنية لم تتساقط امام الازمات ولم تردعها الصدمات بل احتفظت بالاخلاق القوية وبالامل الفتى الاخضر الذى تتميز به الشعوب ذات التراث القوى والايمان العميق بالذات .
وقد كان غير العرب جديرين بالانهيار والاستسلام الى اليأس لو اجتمع عليهم بعض ما اجتمع على العرب من البأساء والضراء . والفضل فى صلابة العربى وفى قدرته على الارتفاع الى مستوى الاحداث لا فى فنه وحسب ولا فى ظروفه المعاشية فقط بل فى كل اقطار حياته وعلى كل مستويات المسؤوليات التى تواجهه ، ان الفضل فى هذا كله يعود الى ما يحمل الشعب العربى فى اعماق ذاته من وجدان فنى وثقة بالمستقبل وايمان بقدرته على الانتصار مهما تكالبت عليه النوائب وتجمعت ضده الظروف السيئة والنكبات .
ان ادب القوة والامل الذى تنطلق به اقلام الادباء اليوم هو وحده الذى يعلن غربة الوقائع عن الخط التاريخى الطبيعى والاساسى للأمة العربية .
انه يثبت ان النار التى تلتهم الفحم . وتحيله رمادا لا حياة فيه ، هى نفسها التى تسقى الحديد فتجعله فولاذا شديد الصلابة .
ولعلنا فى غير حاجة الى القول بأن نيران الكوارث التى اصابت العرب عبر سنين طويلة بل اجيال متعددة لم تأت عليهم ولم تسكت صرخة الاحتجاج ورفض التحديات الخارجية عندهم . انها على الضد من ذلك تبدولنا وكأنها المناسبة الفريدة العجيبة التى يخرج منها المعدن العربى اقوى على مواجهة صروف الزمان واكثر املا فى النصر .
وما هو التاريخ الحقيقى للامة ان لم يكن صنيعة هذا الامل الاخضر وتلك القوة فى الاخلاق والافكار والمشاعر ؟
ان التاريخ ادبا كان او سياسة او اجتماعا او اقتصادا او فلسفة هو حصيلة الفكر الفتى والخضرة التى لا تذبلها الرياح الساخنة وعواصف السموم بل هي ابدا الينبوع الذي لا ينضب والذى يزود اصحابه بالمزيد من العزم والمزيد من الايمان . . .
فسقى الله الكوارث كل خير حين تكون مصدرا لمزيد من التوعية ومناسبة لسير الاغوار الروحية الفنية عند المواطنين .
والحقيقة ان النظرة السريعة نلقيها على خط سير الامة العربية فى مختلف مواقفها التاريخية كافيه لاثبات ان وقائع اليوم التى تقرع قلوبنا وارواحنا هى اداة التاريخ التى تضع الامم امام المصير فتختار بالرد عليها وطريقة الاستجابة لها ان تكون اولا تكون .
ان كل شىء فى خط العرب التاريخى يعلن عن اصالة هذه الامة وغناها الروحى وخصب التراث الذى انتقل اليها من الاجداد ، وامتيازها بما لا تكاد تمتاز به امة من امم الدنيا فى طبيعة ارضها وسمائها . . . وفى موقعها عن بقية الارضين والسماوات . . فى ذكريات المواقف التاريخية التى حفظت لها . . فى المواطن التى تهوى اليها قلوب الملايين من المسلمين العرب وغير العرب . . فى الادوار التى لعبتها الجماهير من فوقها . . فى التضحيات السخية التى قدمتها هذه الجماهير دون من او أذى ، وفى وقفات العز التى سمقت بها اقدار الرجال ممن صنعوا لانفسهم ولاحفادهم من بعدهم اكاليل الغار وتصادت بانبائهم طبول النصر ...
كل هذا الخط الطويل الحافل بالروائع هو القوة الاحتياطية الضخمة التى نزود عرب اليوم بما يحتاجون اليه من القوة والامل . . وليس الادب الذى تسجله اقلام عربية فى الحاح كالحاح الاحداث والوقائع القارعة غير التعبير الدقيق الامين عن القوة والامل . . .
وطبيعى اننا لا نقصد هنا ادب المحترفين لصناعة القلم وحسب ممن سارت بهم ركبان الشهرة بل نقصد ذاك الذى تتمخض عنه روح الامة على لسان الفتية ممن يمثلون حقيقتها وصلابة المقاومة فيها واغوار الايمان بالمصير فى فؤادها .
ان كل من يستمع الى ما يقال فى أوساط الفتيان المحتجين ويستمع الى ما يقال فى طبقات الكهول يرى بعين بصيرته ابعاد الملحمة التى تستعد الجماهير العربية لخوضها فى حدود الاطار الزاهى الفنى الذى ترتسم ابعاده باقلام الناثرين والناظمين من الكتاب والشعراء .
حقيقة اساسية واحدة يمكن ان نخرج بها بعد الملاحظة الدقيقة الامينة لما تنكشف عنه صور ادب الحرب هو ان الكوارث فى تاريخ الامم ذات التراث العريق هى سنة الله فى سقى الحديد ليخرج من عملية السقاية هذه فولاذا لا تنبو مضاربه ابدا .
ان أدب القوة والامل هو أدب الأمة الحية ونحن واثقون بأن أمة العرب هى امة الاحياء .
