كانت تونس في اوائل القرن الثالث عشر من الهجرة لاتزال تعاني بقايا فوضى الادارة التركية وهوج الجيش التركي الذي طمس المعالم وطوى بساط مجد زاهر طالما رفلت في حلله الرائعة تونس منذ العصر الحفصي الزاهي ولعل حمودة باشا الحسيني المتوفي سنة 1229 ه . اول ملك تونسي قضى على اماني الاتراك وسفه احلامهم في الاستئثار بخيرات البلاد والعبث بنظامها ومقوماتها وامكانياتها وقد عاضده على ذلك التونسيون وجاهد وا معه جهاد الابطال للنهوض من الكبوة التي وقعوا فيها والمصائب التي تعرضوا لها من جراء ذلك الاحتلال البغيض الذي اثر أسوأ الاثر على سير البلاد واتجاهاتها في سائر الميادين ولا سيما الميدان الثقافي رجعت فيه تونس الى الوراء واقفرت ربوعها من العلماء والادباء ولم يبق فيها من رجال العلم والادب الا افراد قلائل بل لم يبق للعربية وادبها الا اثر دارس وطامس . وعلى العكس من ذلك فقد كان المغرب بمعزل عن هذه الافات التي تعرضت لها تونس والجزائر وطرابلس بفضل السعديين الذي كانوا شجى فى حلوق الاتراك وصخرة صماء امام امتدادهم الى ان انبلج صبح الدولة العلوية الحالية بالمغرب وواصل رجالها الكفاح و لم يسمحوا للاتراك بالتوغل في البلاد المغربية بل حالوا بينهم وبين امانيهم في الهيمنة على هذا البلد الامين وبذلك سلمت الاداب العربية والثقافة الاسلامية ردحا من الزمن من التأثيرات السيئة والعوامل الفتاكة العابثة وقد حدثنا عن هذه الظاهرة عالم تونسي ضليع وهو الاستاذ بيرم الخامس في كتابه الصفوة في اعتدال واتزان واطمئنان قائلا : ولعمري ان صناعة الانشاء في الدول باللغة العربية كادت الان ان تكون مقصورة على دولة مراكش واما غيرها من الدول العربية فقد تذبذبوا وكادت كتابتهم ان تخرج عن الاسلوب العربي بل صاروا لا يتحاشون عن اللحن والكلمات البربرية بخلاف كتاب المغرب وهذا ديدنهم من قديم اه والواقع ان تونس ظلت في هاته الفترة خاضعة لاساليب العجمة حتى ان اوامر البايات الاولين الى عهد حمودة باشا الحسيني كادت ان تحرر باللسان العامي الدارج واستمرت الحال على ذلك الى اواخر منتصف القرن الثالث عشر حيث ظهر
الكتاب التونسيون ينفضون غبار الخمول ويصقلون ماران من الصدا على اللغة الفصحى فاضطر المشير الاول احمد باي الى نبذ اللغة التركية من دواوين الحكومة وخاطب الدولة العثمانية باللسان العربي المبين متعللا بأنه لا يوقع على رسائل رسمية محبرة بلغة يجهل معانيها وخصائصها واساليبها وبذلك تخلصت الدولة التونسية من كل ما هو تركي في سائر المظاهر ونفقت سوق الادب العربي من جديد بتونس وظهرت حلله الانيقة الزاهية يحوك نسيجها افذاذ من الادباء التونسيين الممتازين كالباجي المسعودي وابن ابي الضياف وما اليهما من فطاحل الادباء . ولعل سفير تونسي واديب رفع راية الادب التونسي في الخارج الاستاذ ابراهيم الرياحي وقد كان من كبار علماء تونس على عهد حمودة باشا الحسيني والذي اوفده بمهمة على سلطان المغرب الذائع الصيت بالخلال الحميدة والخصال الانسانية سليمان بن محمد من اعيان ملوك الدولة العلوية الحالية بالمغرب قدم على السلطان مولاي سليمان بفاس فاهتز هذا السلطان لمقدمه واحتفل بطلبه ايما احتفاء ، واجابه اليه ولم يسع العالم والاديب التونسي الا تطويق جيد السلطان بقلائد الادب التونسي والاشادة بصنيعه وتخليد ذكر اه بالمغرب وتونس يقصائد رنانة فاتنة منها قصيده الذى يقول فيه :
ان عز من خير الانام مزار فلنا بزورة نجله استبشار
منها :
هذا الخليفة وابن اكرم مرسل وسليل من تمطى له الاكوار
وخلاصة الاشراف والخلفاء من بيت البتول وحبذا الاطهار
واجل وارث ملك اسماعيل من بطل شذى اخباره معطار
واعز سلطان واشرف مالك شرفت بملك يمينه الاحرار
واحق من تحت السماء بان يرى ملك البسيطة والورى انصار
لكن اذا كل القلوب تحبه فلغيره الاجسام وهي نفار
هذا سليمان الرضى بن محمد من اشرقت بجبينه الانوار
هذا الذى رد الخلافة غضة وسما به للمسلمين منار
واعز دين الله فهو بشكره فى ايكها تترنم الاطيار
ومن الطريف ان نذكر اللطيفة التالية التي جرت في سفارة الاستاذ الرياحي الذي كان يحمل رسالة من البلاط الحسيني في العهود التي ضعفت فيها اساليب العربية وتمرس الكتاب التونسيون بالاساليب العامية المنحطة في اوائل الدولة الحسينية : اذ صادف ان كتب الكاتب التونسي على لسان اميره العبارة العامية التالية ( تبق تأذن بخروج القمح الخ ولم تكد تقع عين وزير
القلم على تلكم العبارة الفجة حتى تعجب واستاء وامتلا غيظا واشتد حنقه
وقال أيخاطب السلطان بهذا الاسلوب المنافي للاداب ؟ وقرر استدعاء السفير التونسي للجواب عن هذه الجملة الجافية النائية فقال الاستاذ السفير لماذا تنكرون هذه الجملة وتتبرمون من هذا التعبير ؟ انها عبارة عربية محضة وهي جملة دعائية في صورة الخبر ايذانا بتحقيق الاجابة ببقاء السلطان وما بعدها تقتضيه صناعة العربية وقوانينها فهي جملة حالية ايذ انا بان بقاءه يكون دائما مشمولا بعلو الكعب الذي تحتاج اليه المسلمون من الاقطار فيكون دائم الاذن بما ينفعهم وختم جوابه بما افحم به وزير القلم قائلا وعلى فرض التسليم بلحن العبارة هل يسوغ لسلطان من المسلمين ان لا يرحم عصابة اسلامية ! ويتركهم يهلكون جوعا لسوء عبارة من جهل الكاتب . . . وقرائن الحال حافة بحسن المقصد على انها لها محل وجيه الى آخره . وبذلك زال سوء التفاهم بفضل فطانة السفير التونسي وبراعته وقوة عارضته واب الى وطنه يحمل جميع رغائب البلاد ويوطد دعائم الاخوة والصداقة على امتن عماد ولا يسعنا ونحن نكتب للعبرة والتاريخ والذكرى الا ان ننوه بالعبقرية التونسية في الاضطلاع بالمهام العظام منذ القديم خصوصا في مجال فضحت فيه رجال ردد صدى فضائحهم التاريخ وما زلت اذكر في هذا الصدد حادثة السلطان صلاح الدين الايوبي والمنصور الموحدي في القرن السادس من الهجرة وذلك ان السلطان صلاح الدين ضاق بالصليبين ذرعا عندما اشتدت وطاة هجماتهم على الثغور الشامية فاراد ان يستنجد بالمنصور عاهل الموحدين بالمغرب على كبح جماح اولئك العتاة الطغاة ليشغلهم عنه ويفل من حدتهم فارسل الى المنصور اديب دولته وعالمها شمس الدين بن منقذ واصحبه رسالة لم يخاطبه فيها ( بامير المؤمنين ) فراى المنصور في ذلك غضاضة منه ورفض طلب صلاح الدين وابى ان يجيبه الى رغبته ووقف السفير الاديب موقف العاجز في الميدان وعوض ان يلم الشعث ويرأب الصدع ويعتذر اعرض عن ذلك وانشا قصيدة يمدح فيها المنصور وسماه فيها بأمير المؤمنين جاء فيها :
ساشكر بحرا ذا عباب قطعته الى بحر جود ما لاخراه ساحل
الى معدن التقوى الى كعبة الندى الى من سمت بالذكر منه الاوائل
اليك امير المؤمنين ولم تزل الى بابك المأمول تزجى الرواحل
قطعت اليك البر والبحر موقنا بان نداك الغمر بالنجح كافل
حزت بقصديك العلا فبلغتها وادنى عطاياك العلى والفواضل و
فلا زلت للعلياء والجود بانيا تبلغك الامال ما انت آمل
اهتز المنصور الموحدي للقصيد وقال للسفير الاديب اننا نجيزك على قصيدك لفضلك ولبيتك ؟ وهكذا ارجع السفير يتعثر في اخفاقه بدون جدوى وبضدها تتميز الاشياء قال صاحب النفح مانصه : وعاد ابن منقذ من هذه الرسالة سنة 588 ه . بغير فائدة . . وبعث معه ا أي المنصور الموحدي هدية حقيرة : واما ابن منقذ فانه احسن اليه واعناه لا لاجل صلاح الدين بل لبيته وفضله ، وما وقع من يعقوب ( المنصور ) في صلاح الدين انما هو لاجل انه لم يوفه حقه في الخطاب الخ .

