" يحمل هذا المقال الممتع فكرة طريفة عن الادب فى ماضيه وحاضره ومستقبله . وترى كاتبه يمعن فى سوق الادلة تلو الادلة على توطيد نظريته ، فلا تكاد تنتهى من مطالعة مقاله حق يشعر بدنو لفظ الادب لانفاسه الاخيرة وهكذا يثور الادب احيانا على نفسه ، فيحطم هيكله المقدس بعصاه السحرية الفعالة !! " و بعد " فما هو رأى ادبائنا فى هذا الرأى الجديد ؟ ! " " المحرر "
اذا امعنا النظر فيما حولنا فلا شك فى أننا نجد غالب العلوم سائرة الى الامام بسرعة جبارة ونشاط فائق ؛ فهى فى كل يوم ، فى تقدم محسوس ، ورقى . ملموس حتى سمى عصرنا هذا عصر العلم والنور ، فطير العلم فيه الناس فى السماء ، وغوصهم فى الماء ، وقرب لهم المسافات الشاسعة ، وذلل لهم المصاعب الشاقة ، والان لهم الجامدات وجمد لهم المائعات ، وهو يسير فى طريقه بسرعة الآلات التى اخترعها ، و يسمو الى مكانته سمو الافكار التى هذبها ، والآراء التي ابتكرها ، ولا غر و فان اليه مرجع كل الفضل بعد الله فى راحتنا ورفاهيتنا ، كما يرجع اليه الفضل فى راحة الحيوانات البكم من المتاعب والمشاق ولكن لماذا ياترى ! لم يأخذ الادب حظه من هذا التقدم ، ولم يتحصل نصيبه من هذا الرقى ، وهو الذى طالما سار مع العلم جنبا لجنب ، ممهدا له الطرق ، مسهلا له المصاعب ، مزيلا عنه العراقيل ، وها هو اليوم كلما تقدم العلم خطوة تأخر هو أخرى . وهكذا قدر لله على الأدب أن يتقهقر ويتضاءل بعد تلك العظمة الجبارة والصيت الطائر ، وسياتى يوم يضمحل فيه ويصبح يومئذ الاشتغال به عبثا ، وتعاطبه جنونا ، فيبقى فى معزل مقبورا فيما بين دفات الكتب ؛ فلا ينظر اليه الا كما ينظر الى النقد ( العملة ) الأثرى القديم ، ولا يزار الا كما يزار الميت القديم العهد الى أن يندرس رسمه ، وتمحى آثاره ، فيصبح نسيا منسيا ! نعم ! قرب نجم الادب من الأفول ، ودنت شمسه من الغرب ، ففى كل سنة
تفقد حلقة من حلق درعه ، ويندك برج من ابراج حصونه ، وتخمد شهرته وتتلاشى قوته ، فيخونه اصدقاؤه وتنفرق عنه شبعته . . ولعل السبب فى ذلك ان الادب نضجت ثمراته ، واضاء مناره قبل أن يصل الينا بقرون ، ولم يصلنا الا وهو ضعيف كاسد ، متعب من الحياة ، سئم من طول البقاء ، يريد اللحاق باولئك الاعلام الذين ألفهم فى شرخ شبابه ، وفى زمن نشاطه وقوته !
واذا لحق بهم فى " علم الفناء " فلا عجب فى ذلك فما من شئ له ابتداء ؛ الا وله انتهاء . . سنة الله فى كونه ، يبتدئ الشئ صغيرا ثم ينمو ويكبر الى أن يصل الدرجه القصوى من الكمال ، حتى اذا ما وصلها تقهقر ، راجما على اعقابه ، الى أن يصل مركزه الاول وهو العدم . والادب اليوم إخاله قد دنا من هذا المركز ! ! لست اعنى بالادب ، الادب العربى فحسب ، بل اقصد جميع الآداب على اختلاف بيئها ولغاتها - وهذه حقيقة لا تنكر ، ويكفك أن تلتفت الى ورائك وتتأمل مراحل الأدب ، منذ نشأته الى اليوم ، لنظهر لك الحقيقة جلية لاغبار عليها ، وها أنا اعدد لك طائفة من الادباء المتقدمين على اختلاف عصورهم وفنونهم ، شرقين وغربيبن ، عربا وعجما وقل لى هل يوجد الآن من يفرى فريهم ؟ !
فهذا ابن أبى بيعة ، والفرزدق ، الاخطل وعبد الحميد بن يحيى ابن المقفع ، والصاحب بن عباد ، والجاحظ ، والخوارزمى ، وأبو تمام ، والبحترى ، والمتنبى ، وبشار بن . د ، وأبو العلاء المعرى ، ابن هانى ، ابن زيدون ، أبو الفرج الاصفهانى وكثير غيرهم من اعلام ادباء العربية . . وهذا راسين ، وكورناى ، وموليبر ، وبوالو ، ولافونتين ، فولتير ، وروسو ، وادييسون ( ١ ) وشكسبير ، ودانتى ، وبوب ، ورتز ، . و هيجو ، لامرتين ، و . و . الخ - من مزال الادباء الغربيين . . فقل لى برأيك أى أديب فى عصرنا هذا يقف أمام هؤلاء الاعلام مطاولا ومفاخرا ؟ وأى أديب مهما عظم اليوم يقارن أدبه بادب أحدهم ؟. . . والذى أره أن موقفنا منهم يتمثل فى قول ( زهير ) : -
ما أرانا نقول الا معارا أو معادا من قولنا مكرورا
وها أنا اعدد لك أيضا جملة تآليف أدبية قديمة ، فأرنى كتابا واحدا من كتب عصرنا هذا ، يضاهى أحدها ! .
فأى تأليف أدبي عربى اليوم يوازن كتاب " الاغانى " أو " نهاية الارب " أو " الأمالى " لابى على القالى ، أو " يتيمة الدهر " أو " معجم الادباء " الى غيرها من تلك الكواكب التى نهتدى بها الآن ، وتلك النجوم اللماعة التى تضئ عالمنا الأدبى هذ المظلم ؟ ! وأى أديب غربى فى هذا العصر ألف ما يزيد على الثمانين كتابا فى مختلف الآداب والفلسفة والفنون ، نثرا ونظما ، قصصا وتمثيلا ، كما فعل فولتير ؟ وأى شاعر غربي ينظم لنا اليوم مثل ( سير الدهور ) لهيجو ؛ أو ( زهرة الضر ) لبودلير أو حكم ( لافونتين ) أو ديوان ( بوالو ) أو ( لامارتين ) ؟ ! فاين أدبنا الكاسد اليوم من ذلك الادب المزدهر ؟ وأين أدبنا الضعيف من ذلك الأدب القوى ؟ ولا يخفى طغيان العلوم اليوم على الأدب ! .
فكأن العلوم لم تنضج حق نضجها ، ولم تخدم حق خدمتها فيما تقدم ، فوصلت الينا شابة قوية " فصارت تنتج لنا كل يوم عجائب جديدة ، وتستنبط كل آن غرائب حديثة ، وهذا " الادب " بجانبها كأنه " شيخ هرم " ينظر اجله المحتوم بسكينة وهدوء ، وما مثل المشتغلين به اليوم الا كمثل الاطفال الصغار الذين يلتفون حول جدهم الكبير ، فيتسلى بتسليتهم حيث يقص عليهم من ذكريات الماضى أجمل الأقاصيص ؛ ويحدثهم عن زمن شبابه وقوته ، فينتفخون ويحاولون أن يمثلوه لما كان فى عهد نشاطه ، فتجد كلا منهم ( كالهر يحكى انتفاخا صولة الاسد ) ! ! !
وما لى اذهب بك بعيدا فى عوالم الخيال أيها الأديب ، وأنت تحس بنفسك وتري بعينك سير الأدب الى الفناء ؟ ! افما تشعر بان كل أديب كبير يفقد فى عصرنا هذا يبقى مركزه شاغرا لا يملوه أحد ؟ !
فهل أنجبت مصر الآن امثال المرحومين : حافظ وشوقى والرافعى ؟ ! . . والذى أراه انه كلما افتقدنا أديبا عظيما ، رأينا أديبا ضئيلإ يخلفه واذا فقد هذا الاديب الضئيل احتل مركزه من هو اضأل منه ! وهكذا الى ان تنحل ذرات الأدب فيسلم يوما ما آخر انفاسه ، بعد ما أدى مهمته الثمينة لهذا العالم ،

