الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

ارادة الحياة، أو خلود الاتحاد،

Share

لعل اجلى عبرة من ذكرى تاسيس الاتحاد العام التونسى للشغل ( 1 ) شعورنا كافة فى مثل هذه الذكرى بان ما تغنى به منذ ربع قرن ابو القاسم الشابى شاعرنا القومى من " ارادة الحياة " وماسعى اليه الشعب من كرامة قد اصبح لا حقا من حقوقنا فحسب بل واقعا ملموسا

ولعل هذا الشعور بالحياة يزداد اليوم قداسة بما يغذيه من ذكرى الماضى بمحنته وعسره وآلامه وضيقه واعتبار الحاضر بيسره وفرجه وارتفاع الوزر وانشراح الصدر .

واننا لو حاسبنا النفس اليوم اشد حساب فقدرنا ما اجتزنا من اغول المفازات وماذللنا من ارهق العقبات مع من استشهد من الشهداء وما اهرق  الدماء لما وقفنا وقوق المذنبين ولما وجدنا حرجا فى الارتياح لعملنا والرضى على تقدمنا .

فانما الغى فى ادعائهم ان النقابة قد ماتت او قتلت وانما الخطأ فى تعريفهم للنقابة تعريفا ماديا صرفا وفى حملها محمل جمعية للمطالبة المادية فقط وانزالها منزلة منظمة لحفظ المصالح المهنية فحسب . فما النقابة فى جوهرها وحقيقتها الاصولية الا حركة انسانية فيها ما هو للمادة وشؤونها وفيها خاصة قوة دافعة الى الحياة تهز الانسان هزا فى سبيل تحقيق انسانيته والسير به الى اهداف التقدم والاعراض به عن التخلف والقعود والادبار عن المحافظة والجمود .

ثم انهم يقولون ما الاتحاد حزب سياسى ولا يجديه نفعا خضوعه لسياسة ما بل لا حياة له الا بتجريده مما هو للسياسة وحصره فى المطالبة والامور المادية وضبطه فى شؤون المهنة ومصالح المشتركين ومنافع المنخرطين ولكن ما هذا التفكير الا من التموية والسفسطة : فلا نقابة الا بمذهب سياسى يغذيها ويعزز فيها ارادة الانسان لا للخبز فقط بل لشرف النفس ايضا : فلو

ضربنا اى مثل من الامثلة فى دولة من الدول لوجدنا النقابة فى كل بلد من البلدان منظمة متصلة اتصالا جوهريا بمذهب سياسى لايمكن لها التخلص منه ويستحيل عليها مطلقا ان تحيى بدونه :

وما كانت النقابة فى بلادنا الا تلك القوة الحية التى تمخضت مع محمد على ثم نضجت مع فرحات حشاد واتتحدث اذاك بقوة الحزب مع بورقيبة وحدة تامة حتى استطاع الشعب التونسى ان يعلن صوت الحق واحدا عاليا ويشهر سيف الحق واحدا قاطعا .

وما النقابة اليوم الا هى هى وما الاتحاد الا هو هو خالص فى جوهره لم يتزيف لا غش فيه ولا تزوير ناصع وطاهر فى عنصره ليس للملوث ان يلوثه ولا للعابث ان يعبث به .

وان خطاهم ايضا فى اعتبارهم ما حدث " بالاتحاد " من التطور التاريخى تشويها له وشرا عليه .

اجل لقد طرأ على الاتحاد تغيير جلى منذ مقتل حشاد ومنذ الاستقلال ولكن لم يطرأ على الجوهر شىء من ذلك التغيير ، وانما تطور " الاتحاد " تطورا طبيعيا تاريخيا فدخل فى المرحلة الايجابية بعد ان فاز فى المرحلة السلبية التى انتهت بنيل الاستقلال فمذهب " الاتحاد " لم يتغير منذ نشاته ومنذ نضجه مع نضج سياسة الحزب ومنذ اكتمال وعى الشعب وادراكه لمصيره ادراكا حاسما فيه شعور بالجوع والعرى والفاقة والبؤس وفيه خاصة طموح الى العز والشهامة وارادة الحياة والتقدم

واننا اذ نحاسب النفس حسابا عسيرا فى مثل هذه الذكرى ونقف بين ايدى ضمائرنا امام ارواح الشهداء الابرياء لاحرج علينا فى الاعتراف بان السبيل لم يزل وعرا وان صرح العدالة والازدهار لم يزل فى درجاته الاولى

الا اننا ولنا من الايمان مالنا ومن الاخلاص ما يبشر بالفوز كما فزنا فى كفاح الماضى القريب - لاخوف علينا من ذاك السبيل الشاق ولا ياس عندنا من بناء ذلك الصرح المنشود صرح العدالة الاجتماعية والحياة المزدهرة

وكما قد اردنا الحياة فنحن نريدها ابدا وكما قد كافحنا فى سبيلها فنحن فى بسبيلها نكافح ابدا

وها الحياة الا كفاح متجدد وارادة خالدة .

اشترك في نشرتنا البريدية