الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

ارادة الحياة

Share

ربيع يولد . هى ذى أنفاسه تنفذ إليك وتشيع فيك . . هذا لها لهاثه السمح الخجول قد عرفته ولن يشتبه عليك .

انه هو ! ابن الطبيعة المدلل . . خلقها العبقرى فنها يتصور . . أى سر فى روعة الربيع المعجزة الفائقة كل روعة ! ؟ أهو سر كل ولادة وكل انبثاق وكل بداية ؟!

أتكون الزهرة الصغيرة الدقيقة الضئيلة ، الانها حافلة بالوعود مهددة بالاخطار ، أروع من الثمرة المكتملة الخلق الشهية اليانعة ! ؟

ربيع يولد . ترى كم من ربيع آخر كم من ربيع جديد سنعيش على الارض ؟ بل كم من ربيع ستعيش هذه الارض المتداعية المكلومة ؟ كم مرة سيتاح للزهر فيها أن يرشف النور ويستحم بالنسيم ويتمطى - استسلام الحب والهيام - فى رشاقة الحسناء الكسلى فينضح الجو بعبيره النشوان ..

كم سيتاح للعشب أن يلف صدر الارض ويزين عريها زغبا رقيقا ، أو ثوبا حليا مثيرا . . والماء ، معدن الحياة وصميمها ، إلى متى يقدر له أن بنبجس ويفور ويسير كما يشاء - حرية صرفة ومحض اختيار - فيتغزل بالشمس ويضاجع الارض وينادم البحور ..

ربيع يولد . ولكن أى خاطر شؤم فى النفس بل أى هاتف يسرى كأنه صوت النعى يقول : " ستموت البذور . ستنطفئ الينابيع وتتهافت الانوار ويسدل الستار على أغرب مأساة وأفظع ختام "

الان وقد جئنا نحن هذا الجيل بالضبط ، ولم تآثم الايدى ولم تجن الضمائر نرشح لهذا المصير ، ونختص بهذه النهاية ؟ الآن وقد جئنا أظمأ ما نكون الى اللذة ، وأشوق ما تكون الى الرى والغذاء ترفع المائدة عنا - باطلا - ويختفى الطعام ؟ !

هذه الارض الراشدة الوقور التى طابت وصلحت ملايين السنين أية قوة تقدر أن تضعضعها وتفقدها بصيرتها فتركب رأسها وتسير الى غير غاية . هنة سخيفة عمياء لا تلوى على شىء !

أثمة حقا قوة تستطيع أن تعقمها وتفسخ حسنها وتجردها من روائها فإذا هى - فى لمح البصر - العجوز جفت نضرتها وتدد قشرها فيلفظها الكون غير آبه لها ولا مأسوف عليها . ذبابة انطفأت بين خضم الافلاك . حدث عادى ليس أكثر خطورة من موت بزرة سمكة فى محيط مترام لاحد له !

هل ثمة قوة ، مهما تكن جهنمية ، تستطيع أن تنفذ إلى أعماق الارض وتطعنها في الصميم فإذا هي القذيفة الهائلة تتبدد في الاثير شظايا وتستحيل هباء ؟ !

هؤلاء العمالقة الاقزام الذين عشوا كالنمل ، كالدود فى أحضانها وارتضعوا الدهر من ألبانها وأكلوا ورتعوا فى لحمها أيكون لهم عليها مثل هذا الجبروت والسلطان!؟

" وداعا كرتنا العزيزة الوداع أيتها اللعبة المسكينة ! " ترى ألم يعد لنا من نصيب إلا أن نشيعها بهذا السلام العاجز الشامت وهذه التحية القاتمة اليائسة ؟

                                 * * ربيع آخر . ربيع جديد . هيهات ! لن ندعك تفلت من أيدينا يا ربيع . أن نموت دونك تطوعا واختيارا ميتة الطهر والخلوص ، بل أن نقبر فيك وتمتزج برمادك لذاك أفضل وأزكى من أن تمتد أيدينا إلى جهاز الدمار والفناء لذاك أشهى من أن نلوث معنى الحياة ونرذل جوهرها ونمثل بكيانها ونحسها لعنة خزيا وجناية اثما .

قوة الرفض ! تلك هى القوة ! فقلها كلمة واحدة : لا ! كلا ! ألف كلا للمعاتيه المغامرين المقامرين بالانسان كلا للسفهاء عربدت برؤوسهم واستنزفت ألبابهم خمرة المجد وسورة السلطان ..

اجل ! سنقيمها واجهة للحياة وسمتد الايدى من فوق الحدود والسدود ، من فوق القياصرة والدول ، ولسوف تشتبك عبر الاقطار ، رغم المسافات والابعاد ايدى الشعوب . ونحزمها هذه الارض الصادقة الامين بحصار السلام ونشدها الى الجميع بوثاق من الصداقة متين

اشترك في نشرتنا البريدية