) وقفة على منصة التجليات ، فى سبيل الكشف عن المنحي الغنائى والمنحي الواقعي في رواية موسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح
يعد الفن الروائى عند العرب ، فنا محدثا ، كالفن المسرحى
وتعد " زينب " النموذج الاول للرواية العربية ، اذ تتواجد فيها كل أو جل عناصر القصة كما حددها الغرب
وبدءا من " زينب " لمحمد حسين هيكل ، الى " الرحيل الى الزمن الدامى " لصطفى المدائنى ، شهدت القصة العربية تحولات جذرية مدهشة ، على صعيد الابداع والفرادة
لقد كانت مأثرة " الرحيل الى الزمن الدامى " للمدائن ، فضاء من الاحتمالات المشرقة ، لا عهد للرواية العربية به ، فاذا اعتبرنا هذه الرواية ينبوعا مر الكشوف " الاسرارية " والرؤى الجوانية الغامرة ، واجتراحا فردا لنمطية العلائق الاجتماعية المتآكلة ، فما تكون حدود الفلك الروائى عند القاص السودانى الملم : الطيب صالح فى : " موسم الهجرة الى الشمال " ؟
انها تكمن فى اندغام تكامل مشوق بين أقانيم ثلاثة
- البعد الانسانى والبعد الواقعى والبعد الغنائى
تعريفا ، من هو الكاتب الانسانى ؟
فى الكاتب الانساني كاتب ذو رسالة - رسالته هي الانسان . أعني انه ولهم قضايا الانسان بما هو انسان - وهو لذلك كاتب متجاوز . أعني انه يخترق فى الراهن العابر ، ليمتد من الازل الى الابد . كما انه يخترق الواحد الى الكل ، والكل الى الواحد ، ثم انه و " هناك " معا .
على هذا الضوء يمكن فض الختم عن تجليات المواقف الانسانية فى " موسم الهجرة الى الشمال " وهى أربع
أولها الموقف الاجتماعى الانسانى ، ونستهل برابط الحب
فى الرواية منحي ايروسى بالمعنى الفرويدى للكلمه ، بمتد احسن بميل وبنيت محذوب " ، العحوز التى تزوجت ستة رجال " ولو وجدت الآن شيئا لما فرطت فيه " .
وهذا الحب الابروسي في الرواية ، سائد . وهو ليس مجرد علاقه بين الافراد والجماعات ، بل هو هاحس كوني . انه مركوز فى لاوعى الكون - يدفع ي - ٥٢ - الذكر والانثى الى عملية جسدية كونية رتيبة ، هى ، تكرار لما قام به أجدادنا وهي طقس سكرره أحفادنا ، اذن ، فالهاجس الايروسى عند " بنت مجذوب هاحس كوني ، أى انسانى ، انه هاجس الاخصاب والمحافظة على النوع
يقول الراوي لمحجوب : بشكل أو بآخر أحب حسنة بنت محمود ، أرملة مصطفى سعيد ، أنا مثله ، ومثل ود الريس وملايين آخرين ، لست معصوما من جرثومة العدوى التى يتنزى بها جسم الكون
لقد اتضح أن الحب ، أى رباط الائتلاف في الرواية ، رباط انسانى كما اراده الطيب صالح أن يكون .
على أن فيها مع ذلك علاقة اختلاف ، وتصادم ، بين مختلف طبقات المجتمع ، نتحسد كأروع ما تكون على مسرح الرواية . فمحجوب " يحب أخبار الخرطوم خاصة اخبار الفضائح والرشاوى وفساد الحكام " ، وهو المواطن الواعي الذي قال معلقا على فكرة توحيد التعليم التى ينادى بها المؤتمرون " فليبنوا المدارس أولا ، ثم يناقشوا توحيد التعليم .
طبعا ، هذا هو كل ما توصل الى " كشفه " أو " استنباطه " المواطن البسيط الذكى لكن ما يعلمه الراوى أدهى وأمر ، فالوزير يقابل بالتصفيق لفضحه الداء البورحوازي الخطير بقوله : " اننا اذا لم نجتث هذا الداء من حذوره ، تكونت عندنا طبقة بورجوازية لا تمت الى واقع حياتنا بصله .
وبهح الراوي في باطنه : " كيف أقول لمحجوب ان هذا الرجل بعينه بهرب أشهر الص من افريقيا الى فيلته على بحيرة لوكنو . . ثم يسترسل في تعداد التناقض الحاد ، بين ما " يقوله " الوزير ، وما " يفعله .
ومن هنا تتبدى المفارقة بين " التنظير " الذي يبقى معلقا ، و " التطبيق الذي لا يتحقق منه شئ - ومن هنا نلاحظ شرعية التساؤل عند محجوب - ومن هنا كذلك يضع الطيب صالح اصبعه على الجرح . ويتجسد هذا فى كيف المخيأ ، وبث الوعى ، فيكون بذلك : الرائد ، وتكون مهمته الانسان أى الانسانية
واضافة إلى المغزي الانسانى المتمثل فى الكشف عن العفن البورجوازى ، وتهافته ، تتحل ظاهرة الميز العنصري كاحدى المعانى الانسانية فى الرواية
فالغربون يرون في ذوى البشرة السوداء ، أحقر المخلوقات وأدناها - لذا ، كلما كانت بشرة الانسان اكثر بياضا ، كان أقصى عن أى أقرب إلى الفرقية " و السادة ، ولقد جاء قول مصطفى سعيد توكيدا لهذا المعنى
المحلوفون أيضا ، أشتات من الناس ، منهم العامل ، والطبيب ، والمزارع ، والعلم ، والتاحر ، والحانوتى ، لا تجمع صلة بيني وبينهم ، لو اننى طلبت استئجار غرفة في بيت أحدهم فأغلب الظن أنه سيرفض ، واذا جاءت ابنا احدهم تقول له : انني سأتزوج هذا الرجل الافريقي ، فيحس حتما أن العالم ينهار تحت رجليه .
اذن ، فرد الرجل الابيض على الرجل الاسود ، ردان :
" الرفض " ، و انهيار العالم .
ان كلا الردين لبسا غريبين . ذلك أن الرجل الابيض ورث غلا دهريا باطنيا ، . البائدة ، التى ترى في " الاسود " عبدا " أو " مملوكا
مهمته ارضاء أسياده البيض ، والخضوع لهم ، فتكون العلاقة بينهما علاقة " الشيد " ب " المسود " ، أى علاقة " الفوق " ب " التحت " و القوى " ب " الضعيف " الرجل الابيض لمجرد انه حكمنا فى حقبة من تاريخنا سيظل أمدا طويلا يحس نحوا باحساس الاحتقار الذى يحسه القوى تجاه الضعيف " .
اذن ، فمقاومة الطيب صالح ، ليست مقاومة لتقليعة ، أو لظاهرة عابرة ، انما هي مقاومة لراسب دهرى مركوز فى الذات البشرية ، فهو اذن : تطلع الى " أنسنة " الانسان انه طموح الى الانسانية
- هكذا ، يتجلى الموقف الاجتماعى فى الرواية بتفريعاته المختلفة موقفا انسانيا رائدا .
أما كان للموقف السياسي بعد انسانى شامل ؟
بلى - انها الثورة على الاستعمار - فمنطلق الاستعمار ، هو ، هذه الفكرة المسبقة : افريقيا ) غابة ) .
قيل لمصطفى سعيد : " فأنت بعد كل المجهودات التى بذلناها في تثقيفك ، كأنك تخرج من ) الغابة ( لاول مرة " و ( الغابة ) ، لفظ مكثف - هي : ) الموت ( و ( الشراسة ( و ) الجهل ( . انها شىء يشابه مفهوم ) الكهف ( عند أفلاطون
فلا بد - اذن - من بروميثيوس آخر ، ليسرق النار ، ويهبها للناس ، سارق النار هو الاستعمار - مهمته تنحصر فى ) ترويض ( ) الغاية ( و ) تمدينها ( ص ١ ( و ( تمدينها ) - لذلك ، أنشأ الانقليز المدارس فى السودان
ولكنهم ، يقول مصطفى سعيد بمرارة : " أنشأوا المدارس ليعلمونا ، كيف نقول " نعم " بلغتهم "
لقد هيئوا " المناخ " المناسب ، لتهدئة الضمائر ، وتخدير النفوس ، وتعويدها على الرضى والقبول - كما قمعوا كل متمرد حاول الخروج على " المناخر " " حين جيء لحتشنر بمحمود ود أحمد ، وهو يوسف فى الاغلال ، بعد أن هزمه فى موقعه اتبرا ، قال له : لماذا جئت بلدى تخرب وتنهب ؟ " الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الارض ، وصاحب الارض طأطأ رأسه ، ولم يقل شيئا .
لذا ، فان كلمة " نعم " ، هي المفتاح - الخلاص . وان كل من استعمل مفتاحا مزورا أى مغايرا ، مهدد بالقمع . وهذه هي الصورة البشعة للاستعمار الذى يستغل الوطن بأسم ترويض الغابة ، والتبشير بنار المعرفة الالهية . وليس هذا سوى المنطق الديماغوجى للاستعمار ، كما فضه الطيب صالح فى روايته : موسم الهجرة إلى الشمال ، غايته فى ذلك ، تخليص الانسان والانسانية وتحريرهما على الصعيد السياسي
على أن الموقف الحضاري عند الطيب صالح ، انسانى ايضا
بنعكس ذلك ، من خلال شخصية مصطفى سعيد ، الذي بدأ يتكشف لنا شيئا فشيئا ، من الغرابة إلى الاغرب - ثم تكشف دفعة واحدة ، عالما موسوعيا حليلا : دكتورا فى الاقتصاد ، وأستاذا محاضرا ، ان له مؤلفات فى الاقتصاد والاجتماع ، والعلاقة بين الاستعمار والعالم الثالث ، الى جانب بحوث ، فى الادب والفكر ، والشعر ، والفلسفة ، والعلوم
مؤلفاته مصفوفة الى جانب شكسبير - وملتن - وماركس - ورويد وغيرهم هنالك أى كتاب باللغة العربية " مصطفى سعيد . ناقل أمين للفكر الغربى ، وليست بحوثه فى الاقتصاد والصناعة ، سوى نداء للاقتباس مصاغة ، سوق بحاء يرتيب من العلوم الصحيحة الغربية .
ان ذروة التحضر فى منظور مصطفى سعيد تتجسد بدئيا ، فى مفتاحى الاقتصاد والصناعة ، وليست فى " الكشف عن شخصية شاعر مغمور ! " .
وفي الحقيقة ، فمصطفى سعيد ، مصطفان
- مصطفى - الحضارة الغربية اطلاقا
- ومصطفى - عودة الوعى : الذي عاد للمنطلق ، وقال : من هنا أبدأ - انه مصطفى - الارضية السودانية - عاد يحفر الارض بمعوله ، مع الفلاحين ، يقض يومه كاملا فى الحقول - ويعود مكدودا عند المساء - ويشارك فى الجلسات التى تهم مصالح البلدة ، ويتكلم فى صدق وحرارة ، له رأي مسموع ، والكل يثق ب
ان هذا المنظور الثاني للحضارة أهم ، انه قطار يسير على خطين متوازيين " الخط الثقافي الغربي " التحرك واليقين العلمي
والخط السودانى " الاصالة والاحتمال .
ومن هنا . من افريق . من السودان . من البلدة ذاتها . بدأ مصطفى سعيد المنطلق سودانى ، والدليل غربي
ان الوظ الحال من زاوية تغير وتحويره ، هى روح الرؤية الحضارية الانسانية فى منظور الطيب صالح
على ان شخصية مصطفى سعيد تحمل اكثر من هذا المعنى ، انها انموذج الكاتب الانسانى
اننا لا نتكشف علم مصطفى سعيد الواسع الا في النهاية كما أشرنا سابقا ، انه أنموذج الكاتب الذي يعمل فى صمت وعمق ، لكنه يبقى مجهولا أو شبه مجهول طوال الرواية ، انه طلسم ، شبح ، دخان ، " أكذوبة " . . فقد كان ، دائب الترحل ، فى سبيل مزيد من الضوء سافر من الخرطوم ، الى مصر ، ا لندن ، وبلاد الغرب ، مدففوعا بهوس الكشف عن المجهول ، عن سر الكون . انه يماثل الفيليسوف : دييوجين ، الذى حمل مصباحا فى وضح النهار ، باحثا عن الحقيقة
ان مصطفى سعيد دييوجين آخر ، يطارد الحقيقة من مكان الى مكان
لن يصل مصطفى سعيد الى الحقيقة . هذا ثابت ، ولم يصل اليها ديوجين نبلن يصل اليها احد بعده ، ولكنها تظل مطمح العشاق العرافين من الازل الى الابد ، البخث " هو وحده مبحث مصطفى سعيد ، هو الحقيقة - الحق - هو الدليل والمحرض ، انه الطريق الى الانسان والاانسانية
وهكذا ، نلحظ أن جل المواقف فى الرواية ، بدءا من الموقف الاجتماعى ، الى السياسى ، الى الحضارى ، الى نموذج الكاتب الانسانى ، فى شخص مضطفى سعيد ، ذات ابعاذ انسانية عميقة الجذور
على أن توكيد الكاتب ، على المواقف الانسائية وحدها ، غير كاف ، اذ غالبا ما يؤدى بة ذلك الى أن يصبح " بوقا دعائيا " ، لا روح فيه .
ومن هنا ، ووجب التوكيد على الموقف فى الأثر الادبى ، وهو : - الاسلوب .
" فالاسلوب هو الانسان نفسه " حسب ) بوفون ( وهذا ، يعنى بالضبط أن لكل كاتب منحي ابداعيا ذاتيا يختلف اصلا عن غيره ، وان توسل الكل باللغة ، فتشكيل اللغة فى صيغ ، وتراكيب ، عمل ثان بعد اللغة كمادة غفل أولى .
ومن هنا ، حاول الطيب صالح فى روايته " موسم الهجرة الى الشمال أن يتخذ نهجا تعبيريا ، مستقلا يكون ارهاصا نفسيا مزاجيا خاصا ، وضربا من نبض القلب .
وهكذا ، فانه ، بدءا من هذا الافق ، سعى الكاتب ، الى معالجة القضايا مازجا بين المنحى الواقعى والمنحى الغنائى
لنسارع بحد المصطلحين :
ان الواقعية فى الفن ، هي أسلوب تعبيري ينبثق من واقع الاشياء ، دون أى اعتبار جمالى أو أخلاقى ، على انها مع هذا ليست عملية فوتوغرافية بلهاء ، انها الواقع تنضاف اليه ذات الكاتب
أما الغنائية فعكس ، انها هروب من الواقع ، اعتمادا على عناصر الموسيقى والاقتناء اللفظى ، والخيال ، والتغنى بالذات
عا ان الطب صالح ، لا يقتصر علاقي دون الغنائى ، أو العكس بل يمزج بينهما .
ويبرز هذا المزج معنويا وشكليا .
يبرز معنويا ، خلال تصرفات مصطفى سعيد وتحولاته
- - مصطفى سعيد ، هو الشئ ونقيضه ، انه الطفل - الشيخ ، الحر - المتغرب ، الساكن - المتحرك ، الراحل العائد ، الحاضر - الغائب ، العالم الوغد ، الفاعل - المتفاعل ، انه هو وغيره فى آن
تلك ، هي جدلية الوقائع والاحوال ، فى حياة مصطفى سعيد المليئة بالغرابات ، والمفاجآت ، والاسرار
هي ، اذن ، حياة غنائية ، مع أنها واقعية ، تذكرنا واقعيتها الغنائية ، أو غنائيتها الواقعية ، بتحولات رامبو الغريبة
- : ١١ كما تبرز الوقائع والاحوال على الصعيد الواقعى ، الغنائى ، فى كثير من لمواقع الاخرى ، مثل قتل حسنة بنت محمود ود الريس ، وانتحارها ، لما مع انه raisemblable زوجوها اياه غصبا ، فهذا أيضا قابل للوقوع واقع درامي ملئ بالدم والدمع والموت
ومن هنا واقعيته الممزوجة بغنائية الحدث .
على أن هذا المزج ، يبرز شكليا أيضا ، كما أسلفنا
فعلى مستوى الحروف والاصوات ، نلحظ ظاهرة هامة تتجسد فى توظيف الحروف " وتحميلها طاقة من المعاني والمداليل
جاء على لسان الراوى ما يلى :
" كان البلد كعادته صامتا ، فى تلك الساعة من الليل ، الا من طقطقة مكنة الماء على الشاطئ ، ونباح كلب من حين لآخر ، وصياح ديك منفرد أحس بالفجر ، قبل الاوان يحاربه صياح ديك آخر ، ثم يخيم الصمت
يتردد حرف " الحاء " في النص ست مرات ، هو حرف مهموس ، له طاقة صوتية مشحونة بالأسي والشجن ، وله الى جانب موسيقيته ، أو " غنائيته " وظيفة تعبيرية ، هي : الوجد الشديد والتأمل العميق الذي يستغرق فيه الراوي وهو يطوف ليلا فى القرية ، مستعيدا ذكرياته مع مصطفى سعيد الذى اختف فجأة .
كما استعمل الطيب صالح عمدا لفظة : محاكاة لصوت مكنة الماء التى تذكرنا بدق الطبل ، لأن حرفى ) الطاء ( و ) القاف ( شديدان ، يناسبان " واقعية " الصخب الصادر عن الآلة نفسها . والملاحظ أن مختلف هذه الاصوات ، يقع بين " صمتين " اذه صح التعبير
- " كان البلد كعادته صامتا " - ثم " يخيم الصمت "
فكأن البلد ، يستمع فى تلك الليلة الى سمفونية " واقعية " نابعة من القرية ذاتها ، تختلط فيها " الطقطقة " ب " النباح " ب " الصياح " ، ويتخللها صمت بين الفينة والفينة - وكأن ، لهذا " الصمت " ايضا وظيفة " واقعية - غنائية " فى آن معا - وهو ما يسمى فى علم الموسيقى On Pause
أما ، على صعيد الكلمات ، فان الطيب صالح يبالغ فى انتقائها ، مبرزا " واقعية " العبارة وغنائيتها فى آن : تلامس وجهى نسمات الليل الباردة التى تهب من الشمال محملة برائحة زهور الطلح ، وروث البهائم ، ورائحة الارض التى رويت لتوها بالماء ، بعد ظمأ أيام ، ورائحة قناديل الذرة فى ٣ ايام ، ورابحة قبديل الذره فى منتصف نضجها ، وعبير أشجار الليمون " .
وهكذا ، فان فعل " تلامس " لم يأت اعتباطا ، بل عن قصد ان له دورا مزدوجا :
فمن ناحية : محاكاة ما يتصف به النسيم من رقة ، ولطف ، وشفافية ، ومن هنا محاكاته للواقع ، أو " واقعيته " .
- . ١٨١٠ ومن ناحية ثانية : " غنائيته " التى تتبدى لنا من تركيبه الايقاعى ، فهو على وزن : " تفاعل " ، ومعناه : القيام بالفعل تدريجيا ، هذا التدرج ، هو الذ بصبغ على الفعل تحركا بطيئا ، متناوبا فى الزمن ، يجسد ذلك خاصة ) ألف المد ( ، كما تبرز الغنائية ، الواقعية أيضا ، فى استعمالات الكاتب لروئ زهور الطلح ، والارض ، وقناديل الذرة ، واشجار الليمون .
ولم يستنكف الطيب صالح من ذكر رائحة " روت البهائم " ، لأن فى ذلك تعبير عن طبيعية الاشياء ، أو " واقعيتها " دون قناع ، ومع ذلك ، فان العبارة منتقاة حتما ، وقد ساقها الكاتب ليصدم بها القارىء ، وهي تجسيد لفكرة ( هو ) : " ان القبيح جميل " Le Laest Beau
وقد وردت هذه الفكرة - تطبيقا - فى قصيدة " الجيفة " لبودلير .
ومن هنا ، كانت الالفاظ في " موسم الهجرة الى الشمال " ، واقعية غنائية فى آن معا .
فهل هي كذلك ، على صعيد الجملة ؟
أحل - ان الواقعية - الغنائية في الجملة عند الطيب صالح ، تتكشف من خلال الصور الملونة الحميلة ، وعبر " تخييل " الواقع ، ويعتبر هذا الواقع المتخيل ، بمثابة " المعادل الموضوعي " Objective Correlative لحالة الكاتب النفسية ، أو ، احدى شخصيات الرواية
فحسنها حاول الراوي اقناع حسنة بنت محمود بالزواج من ود الريس ، كانت حسنة حزينة ، وكان الجو فى منزلها غارقا في الظلام .
وساق الكاتب هذا الوصف :
في " وانتشر دم المغيب فجأة فى الافق الغربي ، كدماء ملايين ماتوا فى حرب عارمة نشبت بين الارض والسماء ، وانتهت الحرب فجأة بالهزيمة "
بر ١ : اللوحة هنا ، افراز " لدخيلاء " الراوى ، لذلك كانت لوحة دامية : " حرب " و ضحايا " ، و " هزيمة " .
رج ، بين حسنة بنت محمود ، والمجتمع السودانى بأعرافه ، وتقاليده ونواميسه ، وهي " ملايين من الضحايا " : لأن قيم التمرد والثورة مشلوولة ومهددة بالقمع ، وهي " هزيمة " : لفشل الراوى فى اقناع حسنة من جهة و " هزيمة " ستمنى بها حسنة التى سيبنى بها ود الريس غصبا ، من جهاز ثانية .
على أننا سنرى أن هذه الصورة ستتغير بتغير حالة الراوى النفسية
فى طريقة الى الخرطوم ، استراح على رمل الصحراء - عند المساء - وكان مزاجه صافيا ، رائقا ، فساق حينئذ هذه الجملة : " انتهت الحرب فجأة بالنصر شفق المغيب ليس دما ، ولكنه حناء فى قدم المرأة "
وهذا يعنى ، أن مزاج الراوي يختلف عن مزاجه خلال اللوحة السابقة
هناك ، مزاج حاد ، متعكر ، وهنا مزاج مشرق صاف . هناك ، شفق من " دم وضح وضحايا " وهنا شفق كال " حناء فى قدم المرأة "
هناك " هزيمة " - وهنا : " نصر " . هناك تشاؤم - وهنا أمل ، وتفاؤل
وهكذا ، نلاحظ ، من جهة " واقعية " الشعور الباطنى او الحالة النفسية المنعكسة عن حدث واقعى تفاعل معه الكاتب
ومن جهة اخرى ، " غنائية " الصورة البديل للوعى الباطنى ، أو الصورة - المقياس للتوتر النفسي
أكيد اذن ، أن مزج الواقعية أكيد لفن ، أن مزح الواقعية بالغنائية ، هو الطابع الغالب في موسم الهجرة الى الشمال ، استنادا الى :
- الجرس الموسيقى ، فى مستوى : الصوت والحرف - الانتقاء اللفظى ، فى مستوى : العبارة - وتخييل الواقع ، فى مستوى : الجملة وهكذا يمكن - مما سبق - أن نستخلص ما يلى :
اولا : انسانية الطيب صالح فى موسم الهجرة الى الشمال ، استنادا الى تحليات المواقف الانسانية ، اجتماعيا ، وسياسيا ، وحضاريا ، والى نموذج الكاتب الانساني الذي يمثله البطل الرئيسى فى الرواية .
ثانيا : "رم الواقعية بالغنائية " ، الذي سرز فى القصة : معنويا وشكليا . معنويا ، فى تحولات مصطفى سعيد ، وقتل حسنة بنت محمود ، ود الريس ثم انتحارها .
وشكليا ، استنادا الى أسلوب واقعى - غنائى ، تجسد فى المستوى الصوتى الحرفي ، ثم اللفظى ، ثم الجملى
ان الطيب صالح ، هو : أورفيوس مقيما على الارض .
ذاك هو " موسم الهجرة إلى الشمال " ، كلما أفرطنا فى الجواب ، تكاثر لتساؤل ، انها ميزة كل أثر عظيم .

