الى أولئك الذين أبوا الا أن يعيشوا الحياة كما جاءتهم !.. والى الذين غيروا مجراها فعاشوا الحياة كما أرادوا ... اليهم على السواء ، أروى هذه القصة .. هذا يرى فيها وجهه فى ابعاده بين مجالات هذه الحياة .. وذاك لعله يبصر ..
- حديثى اليك يابنى هذا المساء ، تتمه لحديث لامس .. - ذكرت فى سمرك البارحة ان هذه الحقول الشاسعة كانت بيد الدخيل المستعمر ، وقد كان يحرم عليكم أن تطأها أقدامكم .. ولم تذكر لى شيئا عن وجودك ، بل عن وجودنا اليوم فيها !.. - أما وقد استعجلتنى الخبر .. فهاك اليوم قصتى قصة الارض العائدة .. من عالم لا أعرف له طريقا ، ولا عنه تاريخا ، اتيت . . وفى مهمه الحياة. شاءت الاقدار ان تضعنى . . وهناك فى تلك الفلاة حيث رميت ، كنت أجهل السبل .
اختيارى لاى درب اسلكه ، كل الدروب أمامى سواء ..
لا اعلم غاية هذا من الآخر ، ولا قصد هذا من ذاك . . وما اصبحت حتى علمت من امرى شيئا واحدا ، هو أنى فى غير بيت أبى . . فى بيت رجل لست اذكر من هو الذى علمنى مخاطبته بيا ( سيدى ) . . . ولكن الشئ الذى أذكره ولن استطيع نسيانه هو ان بيت سيدى هذا فى ارضنا . نعم فى أرض آبائى وأجدادى . . هؤلاء الذين اختاروا الموت على الحياة الذليلة ، فرارا بحريتهم من جبروت ( سيدى ) الذى اغتصب ارضهم هذه حبيبة انفسهم . . ثم اراد بعدها كرامتهم وعزتهم ، ففروا بهذه العزة وتلك الكرامة راغبين عن الحياة . . . ولكنهم كانوا يعلمون اخلاص هذه الارض لهم . . وكانوا لذلك يعتقدون انها لن تبقى محبوسة فى قبضة سيدى دون ان تنطلق وتعود . .
ولكن متى ستعود ؟ . . هذا ما كان يدور فى خاطرهم دون ريب . . ولذلك لم يضنوا عليها بنجيعهم العزيز ، وسمادهم الكريم لتخصب فتعز . .
فى هذا البيت الذى شيد على ارضنا ، فتحت عينى على الحياة . . وفى نفسى شئ ، احسه ، وكم كان يؤلمنى ذلك الاحساس . . ولم اكن لاستطيع الا كظمه لانه كان يستعصى على ابرازه . . وكم كنت أتلذذ بتقبيل ارض بيت سيدى لانى كنت احس فيها حرارة الامومة التى فقدتها ومرت
الايام تعدو مثقلات باحداث حمراء . . . كان يقوم بها رجال لا يعرفهم الناس الا القليل . . وها انى كنت استمع لاختك وهى تراجع دروسها تذكر بعض اسمائهم . . ولاشك انك عرفت من هم هؤلاء الرجال . .
وكنت انصت بكل صبر الى سيدى وهو يقص على كمشة من طغمة الشر من اصدقائه بعض تفاصيل تلك الاحداث . . فكانوا يتحرقون . . ويرعدون . . . ويزبدون ولكنهم لا يفعلون . . لانهم كانوا لا يفقهون!. أما أنا فقد كنت اخذت على نفسى القيام بعمل هو امتداد لتلك الاحداث فيما هدانى اليه ذلك الاحساس المكبوت
ونما فى نفسى ذلك الاحساس . . . فأضحيت ميدانا لصراع عنيف مرير ، بين ما يريده سيدى منى ، وبين ما تريده نفسى ، او بين ما يوحى به الى ذلك الاحساس المكظوم .
كان سيدى يابى الا ان اسجد له بعدد الخطوات التى اخطوها فى خدمته كل يوم . . ويأبى الا ان استقبله فى سجودى . . وتأبى نفسى الا ان تسجد سجدات معدودات فى فترات معينة من يومها . . وتأبى الا أن تستقبل ناحية واحدة لا تحيد عنها . . هى الناحية التى تتجلى منها الشمس كل صباح على وعلى سيدى على السواء ويأبى على سيدى النظر نحو الافق ، حتى لا اتعود مواجهته بالنظر . . وحتى لا احس سعة الفضاء ورحابة الكون . . وتأبى نفسى الا مواكبة الشمس فى مدارها ، والقمر فى افلاكه . . وتسبيح الكواكب والنجوم . . وهى ترسب تارة وتطفو أخرى ، من خلال السحب الزاحفة ، يحدوها شوق ملحاح للرجوع الى منبتها الكريم فى أرضنا الحبيبة هذه . . هذه الارض التى ما فتئت تبرز تأوهاتها الحرى ، الملتهبة المنبعثة عن انفعالات نفسها المملوءة غضبا وحقدا ، على سيدى هذا الذى يقصر بصره ان يرى غيره فيها .
وهل تلك البراكين الا زفرات ضاق بها صدرها ، فاطلقها عله يخفف بعض
ما به لحظة من الدهر . . وما أظن تلك الدموع التى ترسلها السماء من حين لآخر الا تعبيرا صامتا عما يعتمل فى حناياها نحو هذه الارض ! . . فبكت رحمة وعطفا . .
عجبا لسيدى ! . . الا يشعر حتى شعور الطبيعة ! . . انه حقا لشىء عجاب ان يتنصل الانسان من انسانيته ، ويتجمد شعوره فيغدو أبعد الناس عن الانسانية ، وليس هو بالحيوان ولا بالجماد فى شىء ؟ . .
ايه بنى . . كان كذلك من كنت أدعوه ، سيدى ، وهو فى أرضنا هذه ! . .
وبدت فقاقيع ثورتى تتعاقب الواحدة تلو الاخرى . . فوق مظهرى الراكد ركود الحقد فى نفس الذليل . . وتتابع تصاعدها بصورة شكلت لسيدى كتابات اقضت مضجعه . . ولاول مرة فى حياته جعلته يفكر ! . .
- وفى أى شئ فكر يا ترى ؟ أفى السماح لارضنا بالعودة ؟ . . - ان السماح وقتذاك لم يعد فى يديه . . انه الغريق يجرفه التيار وتدفعه الامواج فيتشبت بكل شىء . . حتى بالموجة الدافعة ! . أو الصخرة المحطمة ! . .
لقد فكر أنه فى غير أرضه . . وأن رجالا من احرار هذه البلاد ثاروا فى وجه كل غاصب . . يستردون المغصوب أو يمحقون الغاصب . . وأنت تعلم يا بنى ان ما اغتصبه منا امثال سيدى لم يكن أرضا فقط . . انما هى العزة والكرامة والارض ، هى الحرية وكفى . .
فكر . . . ثم قدر المواصلة . . وواصلت معه ما لا يريده هو ويريده فقط ذلك الاحساس السجين بين الحنايا . ولك أن تسميه الحقد . . ولى ان انعته بالمقدس . . وليسمه غيرنا الايمان . . وانه لهو فى أوسع معانيه . .
وعن كثب من الحقيقة . . أخذ يبدو فى ميدان الصراع اختلال فى التوازن بين الارادتين ! . . وبصورة مفضوحة لاح على وجه سيدى الاعياء ، وانهيار القوى ، وكانت تلك الاخاديد والغضون التى يتكون من مجموعها وجه سيدى تعبر عن يأس ، ومكر . .
ايه بنى . . لقد ترك الميدان لينكب فى بيته الذى شيد فى أرضنا يحيك الدسائس ، وينصب الشراك للايقاع بى . . ثم لاجتثاثى من هذه الارض . . من هذه الحياة . . أو أحدث بما يحبه هو وطغمته اللئيمة عن ثورة الاحرار . . وهل فى القوم الاحر ابن حر . . واذ لم يفلح فى شىء مما أراد . . الا ما أصابنى به من تعذيب رجال الدرك : حماة سيدى اثناء استنطاقى . . اذ رابهم منى صمت ونفورى منهم ، ولم يكونوا ليفعلوا معى ذلك لو ما دس على سيدى شيئا اسر به اليهم . .
وما كادت تتاح له فرصة هذا التدبير الوضيع حتى أقصانى عن بيته . . وفى اقصائى طمس لعين ، كان يعتقد انها عليه وعلى طغمته الجناة لفائدة الاحرار الثائرين . . . وخبثا أراد أن يوقفنى ، والعجز سواء ! . . وفاته ان الحرية
ليست غاية ما يصبو اليه المستعبد ، انما هى سلم الحياة البشرية فأقطعنى جزءا محدودا من أرضنا أفلحه لنفسى دون ان يمدنى بأدنى معونة . . وأنى ما زلت أذكر ما ودعنى به من قول : ها اليك هذه القطعة من الارض . . وانى لاعلم أنك ستحفرها كالذى يخدمها . . ولكنك ستقبر فيها كل تلك الامانى السخيفة
وسترجع حتما الى يوما . . وانك لن تجد لك عندى المكان المعهود . . سيحتله غيرك من اخوانك الذين لم تملك عليهم أمورهم رعونة الثائرين . . ولا شقشقة الخطباء . . ولم أجبه الا بنظرة يعلم هو وحده ما كانت ترشقه به من معان . . على أنى كنت اعتقد أنى لن أعود اليه . . واذا عدت لا أجده ! . .
فما زادنى كلامه ذلك الا تعلقا بمواصلة رحلتى وابادة كل العقبات فى سبيل وصولى الى هدفى الاوحد . . ذلك الهدف الذى رسمته بوحى من ضميرى . .
تعاقبت على الايام ، والليالى ، وأنا بين احضان تلك التربة . . مهذبا ومروضا ، اسحر ترابها ليستحيل تبرا ! . . أو كالذى ينتظر منه ذلك . . وكان ما انتظرت ! . .
كنت أنعم بحمل المسؤولية ، اذ كنت أشعر أنى حر فى تلك القطعة من أرضنا . . ولعلك تعلم ان الشعور بالمسؤولية لا يساور من النفوس الا الحرة !؟
ولم يكن لينتصر حتى فى هذه الحال شظف العيش ، ومرارة الحرمان على ارادتى ، وقد رأيت سمات وجودى تتبلور شيئا فشيئا بعد ان تخطت مرحلة التمام ! . .
عم الزحف المقدس ، زحف الرجال الثائرين ، البلاد من جنوبها الى شمالها فامتلات من ذلك نفوس سيدى وطغمته ذعرا ورهبا . . فتفرقوا اشتاتا . . وأخذ الخذلان بنواصيهم الى حيث الجزاء !. وبقيت وحدها هذه الارض بورا ، بوارا ! . . وكنت أنا مازلت أواكب الزحف من تلك القطعة الصغيرة من ارضنا . . وانتهى الزحف وعاد رجاله مظفرين غانمين . . وكانت هذه الارض بعض المغنم . .
وكان الناس يعلمون قصة الارض ! . . ويعلمون قصتى معها . . وحكاية المعمر - وانه للمخرب - وقطعة الارض الصغيرة تلك التى اصبحت مدرسة القرية تعلم الاطفال حب الارض . .
كنت مازلت بها . . اذ وقف على ركب احرار من هذه البلاد ، يسألنى : - بما تسمد . . وتسقى هذه الروضة الغناء !؟ . . وماذا تبذر فيها ؟ . . - بعظام آبائى أسمدها . . وبنجيعهم أرويها . . أما بذرها فبما انثره عليها بسبابتى من عرق الجبين . . أجبتهم بذلك ، ولم أكن انتظر هذا الرد . . - تفضل هذه عقودك . . وأرضك لك . . كل الارض ! .

