الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

ارضك لك

Share

الى أولئك الذين أبوا الا أن يعيشوا الحياة كما جاءتهم !.. والى الذين غيروا مجراها فعاشوا الحياة كما أرادوا ... اليهم على السواء ، أروى هذه القصة .. هذا يرى فيها وجهه فى ابعاده بين مجالات هذه الحياة .. وذاك لعله يبصر ..

- حديثى اليك يابنى هذا المساء ، تتمه لحديث لامس .. - ذكرت فى سمرك البارحة ان هذه الحقول الشاسعة كانت بيد الدخيل المستعمر ، وقد كان يحرم عليكم أن تطأها أقدامكم .. ولم تذكر لى شيئا عن وجودك ، بل عن وجودنا اليوم فيها !.. - أما وقد استعجلتنى الخبر .. فهاك اليوم قصتى قصة الارض العائدة .. من عالم لا أعرف له طريقا ، ولا عنه تاريخا ، اتيت . . وفى مهمه الحياة. شاءت الاقدار ان تضعنى . . وهناك فى تلك الفلاة حيث رميت ، كنت أجهل السبل .

اختيارى لاى درب اسلكه ، كل الدروب أمامى سواء ..

لا اعلم غاية هذا من الآخر ، ولا قصد هذا من ذاك . . وما اصبحت حتى علمت من امرى شيئا واحدا ، هو أنى فى غير بيت أبى . . فى بيت رجل لست اذكر من هو الذى علمنى مخاطبته بيا ( سيدى ) . . . ولكن الشئ الذى أذكره ولن استطيع نسيانه هو ان بيت سيدى هذا فى ارضنا . نعم فى أرض آبائى وأجدادى . . هؤلاء الذين اختاروا الموت على الحياة الذليلة ، فرارا بحريتهم من جبروت ( سيدى ) الذى اغتصب ارضهم هذه حبيبة انفسهم . . ثم اراد بعدها كرامتهم وعزتهم ، ففروا بهذه العزة وتلك الكرامة راغبين عن الحياة . . . ولكنهم كانوا يعلمون اخلاص هذه الارض لهم . . وكانوا لذلك يعتقدون انها لن تبقى محبوسة فى قبضة سيدى دون ان تنطلق وتعود . .

ولكن متى ستعود ؟ . . هذا ما كان يدور فى خاطرهم دون ريب . . ولذلك لم يضنوا عليها بنجيعهم العزيز ، وسمادهم الكريم لتخصب فتعز . .

فى هذا البيت الذى شيد على ارضنا ، فتحت عينى على الحياة . . وفى نفسى شئ ، احسه ، وكم كان يؤلمنى ذلك الاحساس . . ولم اكن لاستطيع الا كظمه لانه كان يستعصى على ابرازه . . وكم كنت أتلذذ بتقبيل ارض بيت سيدى لانى كنت احس فيها حرارة الامومة التى فقدتها ومرت

الايام تعدو مثقلات باحداث حمراء . . . كان يقوم بها رجال لا يعرفهم الناس الا القليل . . وها انى كنت استمع لاختك وهى تراجع دروسها تذكر بعض اسمائهم . . ولاشك انك عرفت من هم هؤلاء الرجال . .

وكنت انصت بكل صبر الى سيدى وهو يقص على كمشة من طغمة الشر من اصدقائه بعض تفاصيل تلك الاحداث . . فكانوا يتحرقون . . ويرعدون . . . ويزبدون ولكنهم لا يفعلون . . لانهم كانوا لا يفقهون!. أما أنا فقد كنت اخذت على نفسى القيام بعمل هو امتداد لتلك الاحداث فيما هدانى اليه ذلك الاحساس المكبوت

ونما فى نفسى ذلك الاحساس . . . فأضحيت ميدانا لصراع عنيف مرير ، بين ما يريده سيدى منى ، وبين ما تريده نفسى ، او بين ما يوحى به الى ذلك الاحساس المكظوم .

كان سيدى يابى الا ان اسجد له بعدد الخطوات التى اخطوها فى خدمته كل يوم . . ويأبى الا ان استقبله فى سجودى . . وتأبى نفسى الا ان تسجد سجدات معدودات فى فترات معينة من يومها . . وتأبى الا أن تستقبل ناحية واحدة لا تحيد عنها . . هى الناحية التى تتجلى منها الشمس كل صباح على وعلى سيدى على السواء ويأبى على سيدى النظر نحو الافق ، حتى لا اتعود مواجهته بالنظر . . وحتى لا احس سعة الفضاء ورحابة الكون . . وتأبى نفسى الا مواكبة الشمس فى مدارها ، والقمر فى افلاكه . . وتسبيح الكواكب والنجوم . . وهى ترسب تارة وتطفو أخرى ، من خلال السحب الزاحفة ، يحدوها شوق ملحاح للرجوع الى منبتها الكريم فى أرضنا الحبيبة هذه . . هذه الارض التى ما فتئت تبرز تأوهاتها الحرى ، الملتهبة المنبعثة عن انفعالات نفسها المملوءة غضبا وحقدا ، على سيدى هذا الذى يقصر بصره ان يرى غيره فيها .

وهل تلك البراكين الا زفرات ضاق بها صدرها ، فاطلقها عله يخفف بعض

ما به لحظة من الدهر . . وما أظن تلك الدموع التى ترسلها السماء من حين لآخر الا تعبيرا صامتا عما يعتمل فى حناياها نحو هذه الارض ! . . فبكت رحمة وعطفا . .

عجبا لسيدى ! . . الا يشعر حتى شعور الطبيعة ! . . انه حقا لشىء عجاب ان يتنصل الانسان من انسانيته ، ويتجمد شعوره فيغدو أبعد الناس عن الانسانية ، وليس هو بالحيوان ولا بالجماد فى شىء ؟ . .

ايه بنى . . كان كذلك من كنت أدعوه ، سيدى ، وهو فى أرضنا هذه ! . .

وبدت فقاقيع ثورتى تتعاقب الواحدة تلو الاخرى . . فوق مظهرى الراكد ركود الحقد فى نفس الذليل . . وتتابع تصاعدها بصورة شكلت لسيدى كتابات اقضت مضجعه . . ولاول مرة فى حياته جعلته يفكر ! . .

- وفى أى شئ فكر يا ترى ؟ أفى السماح لارضنا بالعودة ؟ . . - ان السماح وقتذاك لم يعد فى يديه . . انه الغريق يجرفه التيار وتدفعه الامواج فيتشبت بكل شىء . . حتى بالموجة الدافعة ! . أو الصخرة المحطمة ! . .

لقد فكر أنه فى غير أرضه . . وأن رجالا من احرار هذه البلاد ثاروا فى وجه كل غاصب . . يستردون المغصوب أو يمحقون الغاصب . . وأنت تعلم يا بنى ان ما اغتصبه منا امثال سيدى لم يكن أرضا فقط . . انما هى العزة والكرامة والارض ، هى الحرية وكفى . .

فكر . . . ثم قدر المواصلة . . وواصلت معه ما لا يريده هو ويريده فقط ذلك الاحساس السجين بين الحنايا . ولك أن تسميه الحقد . . ولى ان انعته بالمقدس . . وليسمه غيرنا الايمان . . وانه لهو فى أوسع معانيه . .

وعن كثب من الحقيقة . . أخذ يبدو فى ميدان الصراع اختلال فى التوازن بين الارادتين ! . . وبصورة مفضوحة لاح على وجه سيدى الاعياء ، وانهيار القوى ، وكانت تلك الاخاديد والغضون التى يتكون من مجموعها وجه سيدى تعبر عن يأس ، ومكر . .

ايه بنى . . لقد ترك الميدان لينكب فى بيته الذى شيد فى أرضنا يحيك الدسائس ، وينصب الشراك للايقاع بى . . ثم لاجتثاثى من هذه الارض . . من هذه الحياة . . أو أحدث بما يحبه هو وطغمته اللئيمة عن ثورة الاحرار . . وهل فى القوم الاحر ابن حر . . واذ لم يفلح فى شىء مما أراد . . الا ما أصابنى به من تعذيب رجال الدرك : حماة سيدى اثناء استنطاقى . . اذ رابهم منى صمت ونفورى منهم ، ولم يكونوا ليفعلوا معى ذلك لو ما دس على سيدى شيئا اسر به اليهم . .

وما كادت تتاح له فرصة هذا التدبير الوضيع حتى أقصانى عن بيته . . وفى اقصائى طمس لعين ، كان يعتقد انها عليه وعلى طغمته الجناة لفائدة الاحرار الثائرين . . . وخبثا أراد أن يوقفنى ، والعجز سواء ! . . وفاته ان الحرية

ليست غاية ما يصبو اليه المستعبد ، انما هى سلم الحياة البشرية فأقطعنى جزءا محدودا من أرضنا أفلحه لنفسى دون ان يمدنى بأدنى معونة . . وأنى ما زلت أذكر ما ودعنى به من قول : ها اليك هذه القطعة من الارض . . وانى لاعلم أنك ستحفرها كالذى يخدمها . . ولكنك ستقبر فيها كل تلك الامانى السخيفة

وسترجع حتما الى يوما . . وانك لن تجد لك عندى المكان المعهود . . سيحتله غيرك من اخوانك الذين لم تملك عليهم أمورهم رعونة الثائرين . . ولا شقشقة الخطباء . . ولم أجبه الا بنظرة يعلم هو وحده ما كانت ترشقه به من معان . . على أنى كنت اعتقد أنى لن أعود اليه . . واذا عدت لا أجده ! . .

فما زادنى كلامه ذلك الا تعلقا بمواصلة رحلتى وابادة كل العقبات فى سبيل وصولى الى هدفى الاوحد . . ذلك الهدف الذى رسمته بوحى من ضميرى . .

تعاقبت على الايام ، والليالى ، وأنا بين احضان تلك التربة . . مهذبا ومروضا ، اسحر ترابها ليستحيل تبرا ! . . أو كالذى ينتظر منه ذلك . . وكان ما انتظرت ! . .

كنت أنعم بحمل المسؤولية ، اذ كنت أشعر أنى حر فى تلك القطعة من أرضنا . . ولعلك تعلم ان الشعور بالمسؤولية لا يساور من النفوس الا الحرة !؟

ولم يكن لينتصر حتى فى هذه الحال شظف العيش ، ومرارة الحرمان على ارادتى ، وقد رأيت سمات وجودى تتبلور شيئا فشيئا بعد ان تخطت مرحلة التمام ! . .

عم الزحف المقدس ، زحف الرجال الثائرين ، البلاد من جنوبها الى شمالها فامتلات من ذلك نفوس سيدى وطغمته ذعرا ورهبا . . فتفرقوا اشتاتا . . وأخذ الخذلان بنواصيهم الى حيث الجزاء !. وبقيت وحدها هذه الارض بورا ، بوارا ! . . وكنت أنا مازلت أواكب الزحف من تلك القطعة الصغيرة من ارضنا . . وانتهى الزحف وعاد رجاله مظفرين غانمين . . وكانت هذه الارض بعض المغنم . .

وكان الناس يعلمون قصة الارض ! . . ويعلمون قصتى معها . . وحكاية المعمر - وانه للمخرب - وقطعة الارض الصغيرة تلك التى اصبحت مدرسة القرية تعلم الاطفال حب الارض . .

كنت مازلت بها . . اذ وقف على ركب احرار من هذه البلاد ، يسألنى : - بما تسمد . . وتسقى هذه الروضة الغناء !؟ . . وماذا تبذر فيها ؟ . . - بعظام آبائى أسمدها . . وبنجيعهم أرويها . . أما بذرها فبما انثره عليها بسبابتى من عرق الجبين . . أجبتهم بذلك ، ولم أكن انتظر هذا الرد . . - تفضل هذه عقودك . . وأرضك لك . . كل الارض ! .

اشترك في نشرتنا البريدية