الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

ارضك وتراثك

Share

أجيال ثم أجيال . . . أجيال عدة اجتمعت على حب هذه الارض المكتهلة الفتية ترى لو التقت هذه الاجيال . . . فهل تتعارف ؟ الا ينكر البعض منها البعض كما لو كانوا غرباء . . . نبت بهم ديار شتى . غرباء اجتمعوا في ليلة من ليالي النسيان حول مائدة خان مجهول . . . نفوس لم تنشط من عقالها . وجوه ترمق مترددة تساؤلا وحيرة .

" لو خرجت من جلدك لم اعرفك " اتكون قولة مروزي الجاحظ تلك لاخيه العراقي نصيبنا من بعضنا ؟

هل هذه الارض ليست الا اسما ، عنوانا لمساحة غفل تتبخر فيها انفاس الانسان وشيكا تبدد الغمامة الخلب عند الضحى الهازج . منازل نتعلل فيها بلمس التربة ولثم الاطلال نراود اخيلة ونضم سرابا .

أي سر في هذه الارض ، أية روعة متجددة على الايام تصل بيننا وتشدنا اليها شدا ، عن علم وغير علم منا ، رضينا ذلك ام لم نرض .

هي اللغة ! اجل هذه اللغة النقية العذبة ولا عذوبة آبار بساتيننا ومنابع آكامنا . تترقرق في خفة الهيفاء الطروب . هذه اللغة بنكهتها ان قلت : تمر " جريدنا " الوضاء وعنب روا بيننا النير تكون قد المعت عجزا وأبهمت تلميحا . الظرف . ظرفها يعطيك شعلة الشعور ونبض الحياة خلاصة ثمرا جنيا . ويهدي اليك خصب الجمال متولدا ثرا طريفا . هذه اللغة في اكتنازها وضمورها تعارض نفس الفكر تعدو جياشة سباقة الى الغاية . تكر وتفر . تقبل وتدبر . ليس اصدق من فرس امرئ القيس رمزا لها مثالا في جمعه للمتناقضات تأليفا عجبا . هذه اللغة العنيد الصبور تواكب الاجيال اشبعت طاقة حياة كمثل الزيتون يحرقه القحط ويضنيه فلا ينفك متشبثا بالتربة . تراه يتشنج اصله ويتقبض ويلتوي ولا يريد فكاكا . لهواشبه في عتوه بالحية جثمت على فريستها تمتص دمها لا تبقي منه ولا تذر . وتسألني لجوجا : " اي لغة تعني ؟ ما عسى هذه اللغة ان تكون ؟ " سواء عندي عربية الكتاب وعربية البيت والسوق . كلاهما عزيز الينا . وشائج بينهما وعرى لا تنفصم ، لولاها لقطع بنا وكنا جماعة تيها .

هو عناق الام للبنت نريده حارا سخيا . هو وفاء البنت للام نريده بارا حفيا . هي السليقة منغرزة فينا نبتا متأصلا لولاها ما شدونا من القرآن ولا ذقنا من روائع الاداب شيئا

هي نبرة الحرف العربي ترتج في نفوسنا فنسيغها ونثبتها شأن الصديق يأنس بحميمه ويغتبط بمرآه . نفسح لها صدورنا ونتسع اتساعا وكأننا نسقاها ريا طهورا . وهذا الدين الطماح الغيور لا يترك كبيرة ولا صغيرة الا لزمها . يقوم بين المرء ونفسه عينا رقيبا . قد توليه ظهرك عامة يومك وتعرض عنه وتجفوه غير انه يلاحقك الى عقربيتك يتقاضاك الحساب . وقد تظن انك قد ازحته وفرغت من امره . هيهات ! لقد غذيته واشربته فلن يريم .

انه يخبر عنك بالرغم منك اذ ترسلها صيحة حمد مفعمة برا وارتياحا . وسموا واخلاصا . انه في طعامك وشرابك ، في وحشتك وانسك ، في حبك وبغضائك ، في سكرك وصلاتك ، في طهرك و دنسك وفي الهواء الذي تتنفسه من حولك ماثلا معنى خفيا او طيفا نجيا . يلازمك حتى ساعتك الاخيرة يشرف عليها شاهدا حسيبا ارفضه ان شئت وتول عنه فلن يسلمك قياد نفسك ولن ياتمنك على خاص امرك .

الم تر كيف تصور الفكر فاتخذ الصخر لبوسا . فكان اشراق هذه القباب البيض يحوم نظرك حولها ويطوف . وكانت هذه الماذن المنتصبة في الجو " اصلها ثابت وفرعها في السماء " . . . شرف يتصيد فيها الروح . ويلقى بذار الفكر منها لقاحا في مهب الرياح . . . هذه الماذن عشت في ظلها ودرجت في حماها . تطالعك في غدوك ورواحك . تناجيك تهيب بك في صبحك ومسائك . فهي الالف الممازج لم يبتذل وده . وهي الصديق الصديق لم تبل بشاشته . وانت لو تاملتها بعين قلبك و باطن حسك لرايت كيف يتجاوز الحجر حقيقته ويتسامى مترفعا عن طبيعته اذ يكتسي بشرا وقداسة وهيبة وظرافة .

وموسيقانا ! ونغماتنا ! اما تستخفك عذوبتها واصالتها ؟ اما تستبد بك روعة الموشحات حتى ترى فى بعضها الغاية لا غاية وراءها ؟

أشهد الله اني ما طربت يوما كطربي لنغمة " المحير سيكا " او " لنوبة الاصبعين " وقد بدت في تمام فخامتها ولطيف رونقها . تتهادى تارة تميس ميسا وتهفو طورا وثابة معربدة تكاد تحلق من السرور حتى تبلغ الاوج والذروة . اما ترى كيف قلصت اسفل السربال وقد نفضت عنها الحياء والوقار لا تلوي على شيء ، فعريت وشفت وعلت وتلظت تهب وتعرج دائرة طوافة حتى ما تكاد تتبعها النفس فلقد ينهال عليك اللحن فتحسه ينغرز في جلدك فيقشعر له جسمك لذاذة وارتياحا وتجد فيه كحلاوة الحب يكتشف عرضا ينفحك بردا وسلاما ويغمرك انسا ورضوانا .

وتصغي الى بعض الاغاني الشعبية العتيقة فاذا انت في عهد خفي محبب اليك ، غريب على قربه منك كأنه طفولتك البعيدة قد انبعثت واستعادت بهجتها الاولى . فتنتفض شوقا وتهتز حنينا فأنت انت مبدع الاغنية بارئها تنتشي فيها برؤية ذاتك ، تشهد فيها صورة من نفسك وتلمح بعضا من سرك . لحظات من اللذة المزدوجة كلها غنم تقضيها في حضرة نفسك ذاهلا عنها .

هذه هي ارضك وذاك هو تراثك لا ريب فيه . تلم به فيبدد عنك ثقل السنين كثافتها ويجوز بك ابعاد العصور على وحشتها وجفائها فاذا انت فكر طليق قد افلت من اسار الزمن ورق اللحظة . هؤلاء هم اسلافك لم تنحدر منهم قسرا ولم تقحم فيهم اقحاما فأنت منهم وكأنك اخترتهم لنفسك وارتضيتهم لك اخوانا .

اشترك في نشرتنا البريدية