الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

ازالة الجبل الذى بظهر جمرة العقبة

Share

جمرة العقبة وتسمى ( الشيطان الكبير ) وهى التى ترمى فقط عقب النزول من مزدلفة يوم عيد الاضحى ليس لها الا وجه واحد لانها ملتصقة بالجبل ومنه يكون الرمى ، فان النبى صلى الله عليه وسلم رمى من بطن الوادى فجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه وكذلك فعل الصحابة من بعده رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .

اما الجمرتان الاولى والوسطى فرميهما يكون من جميع الاطراف حيث يقعان بوسط الشارع لا يتصل بأحدهما شئ مطلقا .

وبوسط كل جمرة من الجمرات الثلاث علامة كالعامود مرتفعة نحو قامة مبنية بالحجارة اشارة الى موضع الرمى ، وهذه العلامات على الجمرات لم تكن فى صدر الاسلام وانما احدثت فيما بعد . والعلامة التى على جمرة العقبة ملتصفة بالجبل .

ثم انه فى القرن الثالث للهجرة كاد أن يختفى محل الرمى من جمرة العقبة لكثرة الحصى المتجمعة من رمى الناس ولغفلتهم عن ازالتها وابعادها . فبنى اسحاق بن سلمة الصائغ من وراء الجمرة جدارا ورفعه عن أعلاها حتى لا يتمكن الناس من الرمى من أعلى جمرة العقبة بعد ان ازال تلك الحصى المتجمعة عن محل الرمى . وكان ذلك فى النصف من شعبان سنة ( ٢٤٢ ) اثنتين واربعين ومائتين من الهجرة بامر أمير المؤمنين المتوكل على الله كما ذكره الامام الازرقى فى

تاريخه وسنذكر عبارته . .

وهذا الجدار الذى يظهر اليوم ليس هو نفس الجدار الذى بناه اسحاق بن سلمة الصائغ . ولكن هذا موضعه ، فان هذا الجدار قد جدد بناؤه مرارا وتكرارا فى هذه السنين الطويلة التى مرت . وتعد بنحو ( ١١٣٤ ) سنة من تاريخ البناء الاول الى تاريخ كتابة هذه السطور . والذى يظهر لنا من كلام الازرقى الآتى ان هذا الجدار الذى بناه اسحاق هو أول جدار بنى على جمرة العقبة والله تعالى اعلم .

واليك عبارة الازرقى بعد أن ذكر ان حجبة الكعبة كتبوا الى أمير المؤمنين المتوكل على الله بجعل جميع زوايا الكعبة من الذهب الخالص وعمل منطقة من الفضة توضع فوق ازار الكعبة تحيط بتربيعتها من جميع الجهات وتلبيس كرسى مقام ابراهيم عليه الصلاة والسلام بالفضة بدلا من الرصاص ، الى غير ذلك ( قال ) فأمر أمير المؤمنين بعمل كل الاصلاحات بغاية الاحكام وأمر بتوجيه اسحاق بن سلمة الصائغ الى مكة المشرفة وهو من كبار أهل الصناعات والحرف وله دراية واسعة . ووجه معه الصناع من اختارهم اسحاق بن سلمة المذكور ممن لهم معرفة بشتى الصناعات من

الصوغ والرخاميين وغيرهم فكانوا نيفا وثلاتين رجلا . فقدم اسحاق بمن معه من الرجال والذهب والفضه والرخام والآلات الى مكة لليلة بقيت من رجب سنة ( ٢٤١ ) احدى واربعين ومائتين ومعه كتاب مختوم بخاتم أمير المؤمنين الى عامل مكة لمساعدة اسحق وتسهيل مهمته . فباشر اسحق بن سلمة عمله بمكة وبمنى فى شعبان من السنة المذكورة . وانتهى من جميع الاعمال كلها فى النصف من شهر شعبان من السنة التالية اى سنة ( ٢٤٢ ) وبعد فراغه من الحج فى آخر السنة المذكورة انصرف اسحاق راجعا بعد أن سلم حجبة الكعبة ما خلطه مما بقى من الجص الصنعانى وما قلع من أرض الكعبة من الرخام المتكسر مما لا يصلح اعادته فى شئ من العمل و ثلاثة حقاق من الذهب الرقيق وجراب فيه تراب مما قشر من جدران الكعبة ومسامير فضة صغار - ترك اسحاق كل ذلك لدى الحجبة لما عسى ان يحتاجوا اليه لها .

هذا ما ذكره الازرقى اتينا به تمهيدا لكلامه عن بناء الجدار الذى وراء جمرة العقبة - فقد قال رحمه الله تعالى عنه ما يأتى :

وابتدأ اسحاق بن سلمة عمل الذهب والفضة والرخام فى الدار المعروفة بخالصة فى دار الخزانة عند

الخياطين . وصار الى منى فأمر بعمل ضفيرة تتخذ ليرد سيل الجبل عن المسجد ودار الامارة فاتخذ هناك ضفيرة عريضة مرتفعة السمك واحكمها بالحجارة والنورة والرماد . فصار ما ينحدر من السيل يتسرب فى أصل الضفيرة من خارجها ويخرج الى الشارع الاعظم بمنى . ولا يدخل المسجد ولا دار الامارة منه شئ . وصار ما بين الضفيرة والمسجد وهو عن يسار الامام وفقا للمسجد وزيادة فى سعته ثم هدم المسجد وما كان من دار الامارة مستهدما ، وأعاد بناءه ورم ما كان مسترما . وأحكم العقبة وجدرانها . واصلح الطريق التى سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى الى الشعب ومعه عباس ابن عبد المطلب الذى يقال له شعب الانصار الذى أخذ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعه على الانصار . وكانت هذه الطريق قد عفت ودرست فكانت الجمرة زايدة عن موضعها ازانها جهال الناس برميهم الحصى وغفل عنها حتى ازيحت عن موضعها شيئا يسيرا منها من فوقها . فردها الى موضعها الذى لم تزل عليه . وبنى من ورائها جدارا أعلاه عليها ومسجدا متصلا بذلك الجدار لئلا يصل اليها من يريد الرمى من اعلاها - وانما السنة لمن اراد الرمى ان يقف من تحتها من بطن الوادى . فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويرمى كما فعل رسول الله صلى

الله عليه وسلم واصحابه من بعده . وفرغ من البرك واحكم عليها وعمل الفضة على كرسى امام مكان الرصاص الذى عليه واتخذ له قبه من خشب الشاج مقبوة الرأس بضباب لها من  حديد ملبسة المدخل بالأدم . . . انتهى المراد من كلام الازرقى .

فهذا هو تاريخ بناء الجدار الذى ورا ء جمرة العقبة الملتصق بالجبل الذى وراءه . ولم نر أحدا من المؤرخين ذكر شيئا عن هذا الجدار غير الازرقى

واما الجبل الذى وراء جمرة العقبة فقد كان فى كل موسم الحج اتخذ الناس حوله دكاكين للحلاقة وبيع المأكولات من قديم الزمان الى عصرنا هذا أى الى سنة ( ١٣٧٦ ) ست وسبعين وثلاثمائة والف فازالت حكومتنا السعودية فى هذه السنة المذكورة هذا الجبل توسعة على الناس فقد كان بين هذا الجبل والجبل المقابل له ممر ضيق يمر الناس عليه مشاة وركبانا وبالسيارات ( الاوتوموبيلات ) فلما ازيل الجبل المذكور الذى وراء العقبة تفسح الطريق وتوسع فاستراح الناس بذلك وفى سبيل ازالة الجبل الذى كان بظهر جمرة العقبة واصلاح الشارعين من العقبة الى مكة واصلاح مجر الكبش بمنى - ضرب وانير  ( ٣٥٠ ) ثلاثمائة وخمسون طنا من الدناميت والطن

اما جمرة العقبة بعد ازالة الجبل فقد بنت الحكومة السعودية جدارا فى ظهر العلامة المنصوبة ( الشاخص ) كالجدار الذى كان فى قديم الزمان حتى لا يرمى الجمرة أحد من وراء ظهرها ، بل يكون الرمى من بطن الوادى كما كان سابقا . وقد تم بناء هذا الجدار الذى بظهر جمرة العقبة فى النصف الاول من جمادى الاولى سنة ( ١٣٧٦ ) من الهجرة سنة الف وثلاثمائة وستة وسبعين .

وهناك الجدار الذى بنى جديدا خلف جمرة العقبة .

وصفة هذا الجدار الذى بنى جديدا لاول مرة عقب ازالة الجبل الذى كان بظهر جمرة العقبة هى . ان الجدار المذكور عبارة عن بناء مربع لاصق بجمرة العقبة من الخلف طوله خمسة أمتار وستون سنتيمترا . وعرضه ثلاتة أمتار وستون سنتيمترا ، وارتفاعه متران وعشر سنتيمرات .

فكان رمى الناس فى حجهم جمرة العقبة لاول مرة بعد ازالة الجبل وبناء هذا الجدار المربع فى سنة ( ١٣٧٦ ) الف وثلاثمائة وستة وسبعين - وهى نفس السنة التى ازيل فيها الجبل

وبنى فيها البناء المربع المذكور .

فاذا تأملنا نجد ان هذا الجبل الذى بظهر العقبة كان فى موضعه هذا منذ خلق الله الدنيا فى بدء الخلق الى عصرنا هذا . ثم انه ازيل الجبل كله من وجه الارض فى السنة المذكورة ،

فسبحان من له البقاء والدوام . وسبحان من يغير ولا يتغير جل جلاله و عظمت قدرته . وقد صدق من قال ( همم الرجال تزيل الجبال ) اللهم ثبت قلوبنا على دينك وتوفنا مسلمين آمين يا رب العالمين .

اشترك في نشرتنا البريدية