الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

ازدهار العلم والادب والصحافة والاذاعة، فى عهد جلالة الملك سعود

Share

عام واحد فى حياة الامم والشعوب ليس مما يعد من المراحل الواسعة . . وان كان ، فى عمر الافراد يحسب دون شك ذا قيمة كبيرة ومدى طويل !

ومع انه كذلك - فليس هو - أى هذا العام - بالقليل . . في واقعنا المحسوس ، وتطورنا الملموس منذ تبوأ ( طويل العمر ) حضرة صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية حامي الحرمين الشريفين وعاهل الجزيرة وامام المسلمين ، الملك ( سعود ) بن عبد العزيز المعظم عرشه المفدى . . وليس من التخيل الشعرى ان نزعم انه إذا قيس الى الوثبة العظمى فى جميع جهات المملكة . . وفى مختلف حقول الاصلاح . . يصح ان نعد به أو فيه اكثر من سنوات متوالية . .

ونحن اذ نتقيد بالعنوان الذي رسمناه في صدر هذا المقال . . لا نجد معه بأسا من الاشارة العابرة الى انه أحد الفروع السامقة التى كان لها ( حظ عظيم ) من عناية جلالته ورعايته ومن المسلم به والمفروغ منه ان هناك وجوها شتى لا مناص للباحث المعقب من ان يقدرها ويعترف بالمدى الواسع والتقدم السريع في كل ناحية منها ، سواء ما كان منها عمرانيا أو اقتصاديا أو

ماليا أو زراعيا أو ثقافيا أو عسكريا كل اولئك مضافا اليه ما هيأه الله لجلالته ومكنه فى قلوب رعاياه وفي قلوب الناطقين بالضاد فى الشرق العربى قاطبة وفي قلوب المؤمنين فى كافة اقطار العالم الاسلامي ، بماوهبه الله من حسن النية وقوة العزيمة وصواب التصميم ، وسرعة التنفيذ فما من شهر مضى خلال هذا العام الاول من تتويج جلالته - الا كان سجلا حافلا بالرحلات الموفقة التى اقتحم لاجلها كل افق ، وخاض كل لجة ، واجتزع كل غور ونجد . . فمن تفقد للعواصم والمدن والقرى فى قلب الجزيرة من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها ، ومن مشروعات تحقق ، ودوائر تؤسس ، ومجالس تنتخب وتعين . . ومن بر يغدق ، وتشييد يرتفع ، وطرق تمهد ، ومياه تسيل ، ومدارس تبني ، وجند يدرع ومستشفيات توفر . . الى غير ذلك مما لا يتسع له نطاق هذه الكلمة الموجزة . .

أما من الناحية السياسية فناهيك بما حصل عليه جلالته من توفيق في كل ما واجهه من مشاكل ذات بال - تجيش بها - دول الشرق الاوسط

وما انشأه من علاقات المودة والاخوة والصداقة بين بلاده وحكومته من جانب ، وبين حكومات وشعوب البلاد العربية الشقيقة المجاورة . . والدول العظمى بحيث لا يتم ذلك أو لم يتم - لغير حكومة جلالته - بما آتاه الله من نور البصيرة وسداد الرأى وبعد النظر وسعة الافق حتى احتل المكان الاول فى جميع الاوساط الدولية ، وبلغ بشعبه المستوى الذي لا يتسنى بلوغه الا بتضحيات ثمينة غالية .

وبعد - فماذا يمكن لنا البدء به من موضوعنا الذى نريد التحدث عنه ! ؟ وهو من الاهمية والشعور والعمق والاثر والتأثير بالدرجة التى لا يمكن ان يستوعبها سفر واسفار فضلا عن مقال يكتب فى مجلة أو صحيفة ! وعلى قاعدة ما لا يدرك كله لا يترك جله - نستطيع ان نلخص المعانى المقصودة فى اسلاس برقي يتولى تبسيطه ما اتاه ويؤتيه من ثمرات يانعة بدأت الامة تقتطف من جناها ، وتستظل بافيائها الوارفة

فأما ( العلم ) فانه من اولى الاهداف التى سعى ويسعى لتحقيقها صاحب الجلالة فهذه المعاهد والكليات والمدارس التى تموج بالطلاب من كل نوع ودرجة وفن ، وفي كل حاضرة وبادية وهذه المطبوعات التى توزع مجانا على طلاب العلم وطلاب المدارس على السواء لدليل محسوس وبرهان ساطع على التقدم العلمي العظيم .. وهذه البعثات المتتابعة من أبناء الجزيرة فى الجامعات . . والتي تنهل من المعرفة في مختلف الفنون والعلوم من ( العالم الجديد ) الى ( العالم القديم )

وهذه البعثات العلمية الوافدة من مصر وسواها من اسمى طبقات العلماء والمعلمين وبأعداد ضخمة ومؤهلات ممتازة كل ذلك لمثل حى ناطق بالوعى المتمكن الذى تنبض به عروق كل سعودى . . تفور به دماؤه في شراينيها . . وفي كل ذلك اعداد للاذهان وتنمية للاجسام وتنوير للعقول ، ومسايرة لركب الحضارة ، ومساهمة فى خدمة السلام العالمي بطريق مباشر وغير مباشر وهو الذى لا تقوم دعائمه الا على اساس من العلم والمعرفة وسمو الادراك .

وقبل ان ننتقل من هذا البحث ، يطيب لنا فى كثير من الضبط وسكينة القلب والروح معا - ان نشير قبل كل شئ الى ما جعله جلالته نصب عينيه وغايته الكبرى من نشر التعليم وبذل كل غال ورخيص في سبيله ذلك المبدأ القويم الذي لا حياة لنا ولا عز ولا اعتبار الا بالمحافظة عليه ، وبه ينصر الله عباده المفلحين كما نصر اسلافهم الصالحين . . وهو حرصه الشديد وعزمه الاكيد على أن ترسخ فى " قلوب النشء " عقيدة التوحيد السليمة من كل شائبة ، وان يمكن فى نفوسهم الاخلاص والتفانى فى دينهم الذى شرعه الله لهداية البشر وسعادتهم في الحياتين ، وان كل ما دون ذلك هو وسيلة اليه وتمكين له ، وحث عليه ، وبذلك يأخذ الجيل اللاحق عن الجيل السابق اغلى وأثمن ما وصى الله به عباده المخلصين . . وكل ما فى الارض من رفاهية ورغد ونعيم - ما حل منه وما حرم - لا يغنى شيئا اذا زاغت العقيدة

وتحللت الاخلاق ، وتقلصت التقوى ، وقديما قال الشاعر :

ما احسن الدين ، والدنيا إذا اجتمعا

                واقبح الكفر - والافلاس بالرجل

وهل اعظم اهتماما وابلغ دلاله على التقدم العلمي وازدهاره من ان يكون على رأسه العلماء الاعلام والاقطاب العظام من سلالة شيخ الاسلام والحبر الجليل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وان يكون على رأس وزارة المعارف وزيرها المتوثب صاحب السمو الملكى الامير فهد بن عبد العزيز

أما الأدب - وناهيك به عنصرا هاما فى حياة الامة الناهضة فمع أنه لا يزال دون ما يرجى له فانه مما لا نزاع فيه . . وبالرغم من الضجة التى تقوم حوله بين حين وآخر - قد فتح عينيه ، واصغى باذنيه ، وكان قبل ذلك - جنينا - أو مولودا . . ! واذا استسغنا هذا التعبير لنعلن عن وجوده قبل الدعوى بازدهاره . . فليس ذلك الا من قبيل التدرج فى تقديم ادلة الاثبات . . فيما اصطلح عليه المحامون . .

والحق ان الادب من حيث هو تجاوب ملازم للحياة . . لا يمكن أن يختلف مسيخا مع الموت ! . . وكما قال الشاعر الجاهلى :

ولو ان قومي انطقتني رماحهم

              نطقت ، ولكن الرماح اجرت !

ومحل الشاهد فى قوله : أن الذى ينطقه هو سعى قومه ونصرهم وفلجهم والا فهو معذور ان يظل مبهوتا صامتا تتأجج في صدره نار الغيرة والحسرة والاسى ، وبقدر نهوض الامة وسعيها

ونشاطها وتقدمها تكون منزلة ادبها من التحليق أو الاسفاف ، فاما الزبد فيذهب جفاء ، واما ما ينفع الناس فيمكث فى الارض

ويقينى ان هذا التجاوب قد تبين اثره وقامت حجته فعلا بما نرى ونسمع فى محافلنا وانديتنا واحاديثنا وأسمارنا . . وفيما تذيعه محطة إذاعتنا من قصص وتمثيليات ، ومن منظوم ومنثور ، وفيما تعالجه صحفنا اليومية والاسبوعية من مواضيع ما كان للجمهور القارىء عهد ان يجدها بين يديه فى الصحف السيارة وفي هذه الابحاث التاريخية والأدبية الرفيعة التى تعنى بها مجلاتنا الوقور : ( المنهل ، الحج ، اليمامة ، الرياض ) فهى فى مستوى يسمح لها ان تقف فى صف واحد مع شقيقاتها - أو لداتها - ولا اقول ( ضراتها ) فى أى بلد عربي شقيق ، حتى تلك التى لها من العراقة والاسبقية ، بل والفرص والاسباب ما لم يتوفر لمجلاتنا الحديثة العهد . .

وخير لنا ان لا نشتط فندعي اننا بذلك قد وصلنا الامد المنشود ! . . لا . . ثم لا . . وانما نريد ألا نبخس الناس اشياءهم . . وأن نشكر للرواد منا ما بذلوه من سعى وسهر وما اقتبسوه من نار ونور ، وان لا نطفر الى الكمال - قبل ان نأتى على آخر مخلفات النقص - وكثير ما هو . .

ان الطريق طويل ، ومادامت الحياة هى مصدر الالهام ، فلا بأس أن نسر بما قطعنا من مراحل على بداءتها . . أو قربها . . فتلك سنة التطور . .

وما احسب شعبا بلغ ما هو عليه من تقدم الا بعد ان جاهد وكابد وسعى ووعى . . وكذلك الانسان فى تكوينه يبدأ طفلا . . ثم يافعا . . ثم شابا حتى يشيخ ويهرم ، ويتلوه من يحيا به أو يموت ! . .

ولعل قارئا يبعد به الاستطراد فلا يرى - علة المزج - أو الازدواج بين الادب والاذاعة والصحافة . ولكل منها كيان خاص . . فأشعر معه بالحاجة الى شىء من التوضيح . وكما يقول المثل : ( كل الصيد فى حوف الفرا . . ) فان مادة الاذاعة والصحافة كلها لا تكون الا ( ادبا ) أو من الادب . .

والادب في تفصيله ومجمله . . . تصوير وتعبير عن المحسوسات . . دعك من ( التخيل والتخييل ) الا اذا كانا - من باب الترف - وعلى حساب الفراغ ! وما زلنا فى حاجة الى كل دقيقة وثانية تستهلك فى الانشاء والتكوين . . فما كانت الاندلس لتهضم موشحاتها . . ابان ازدهارها لولا انها قد استكملت مقوماتها على مقتضى ظروف العالم حينذاك . . . حتى كانت أعجوبة الدول فى رغدها وعظمتها وقوة سلطانها ، ومتين بنيانها . .

ومن العبث ان لا نعترف بالحقائق فنستهين بانتاجنا الناشىء ، والمتمشى مع البعث رويدا . . رويدا . . . ونلجأ إلى المقايسة بينه وبين انتاج أى بلد آخر له اسبقيته في كل مضمار وأرى أن الازدهار ولا بد ان يكون الحكم به مبنيا على ما كان أمس وما تحقق اليوم . . وما ينتظر غدا !

هذا هو المنطق الصحيح . . ولا ريب ان القناعة فى هذا المجال مما لا يحمد ولا بد من الطموح على شريطة ان نحمد الله على ما خولنا من توفيق وان لا ننسى كيف كان الادب وقفا على من يحسن السجع ويحفظ المقامات وكيف انه كان ميزة كبرى . . يتيه بها واحد بين كل عشرة آلاف . . أو أكثر لو كان هناك ( احصاء ) . .

وعلى هذا القياس نتبين فى ضوء الواقع . . أن الادب فى حاضره المشهود . . مزدهر ازدهار نسبيا وانه فى طريقه الى السمو والسموق وانه فى ظل الحكم الرشيد . . وفي نطاق التجديد لا التقليد ، سينتهى به التطور الى حسن واحسن . . ولا حاجة بنا الى الزيف والغرور ومن امثال العامة ( ثوب العارية لا يغطى ) والعرب يقولون فى غير جدال :

(غثك خير من سمين غيرك )

ولا ينبؤك مثل خبير . .

ومن حق هذا الموضوع ان لا نختمه قبل ان نذكر بالشكر والتقدير والاعجاب هذا التشجيع الملكى العظيم لكل نابغ وكاتب وشاعر واديب . . وصحفى ومذيع وقبل هؤلاء جميعا هذا التكريم والاعزاز لكل من شرفه الله بالعلم وميزه بالعمل من احبار الامة وصلحائها وعلمائها . . فما يزالون يلهجون - سرا وعلنا - بما يوليهم ( جلالة الملك سعود ) من بر وعطف ورعاية وتقدير . . ولذلك من المعاني ما لا يغرب عن الاذكياء الذين يعملون انه حفز على التأسى بالهداة الصالحين . . والافذاذ النابغين .. وفي جميع ذلك ( قوة للدين وصلاح

للمسلمين وايقاظ للغافلين ) وفيما حفظته من امثلة الصين ما ترجمته:

"لأن تضئ شمعة واحدة خير لك من أن تلعن الظلام مرارا "

فما اجدرنا أن ندرك أننا في طور انتقال لا بد معه من قبول كل ما تتوقد به القرائح وتجيش به الصدور والجوانح ما لم يمنعه دين ولا تجرحه الاخلاق أو تمجه الاذواق ! ( ولا مؤاخذة فى التسجيع والترصيع.. فهو من رواسب الطفولة )

وما احق العاملين المخلصين أو

الكادحين الصابرين في هذا الدور ، بالتقدير والتسامح ، وكل ما يجب علينا اذا وجدنا ما يزيد في كرامتنا ويضاعف فى تقدمنا ، ويرفع من بنياننا ان نقدم لبنة جديدة ، أو نصحح خطأ شاسعا فى أسلوب حكيم وأدب متبصر . .

واخيرا " عاش سعود " وعاش به وله شعبه الناهض " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"

اشترك في نشرتنا البريدية