الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ازدواج الشخصية فى شاعر تونس، محمود قابادو، 1871-1812 = 1288-1228 ه،

Share

لقد عرفنا من قبل شيئا عن نشأة شاعر تونس الكبير ، فى القرن الماضى ، وعن المظاهر المتناقضة التى تبدل اليها ، منذ صغره (1)، من الحافظة العجيبة والذكاء الملهم ، الى البلاهة المؤسفة والفهاهة فى البديهيات ! ثم ازدادت به " الحال " الى درجة اختلاط العقل والخروج عن التكاليف المدنية اذ خرج فى الشوارع حاسر الرأس عارى البدن حافى القدمين ، فى الشتاء القارس والمطر ينسكب ، وهو يشغب على الناس طريقهم لحاجياتهم ، اذ يقف امام الرجل يلقنه الشهادتين واركان الدين القويم . . . وذلك سنة 1831 وهو فى ال 19 من عصر شبابه . . الامر الذى يئس معه أبوه ، ولم يعد يتمكن من ضبطه . فخرج على وجهه ، سائحا فى ملكوت الله متنقلا بين البلدان . وانقطعت اخباره عن امه وابيه . .

حتى جاء خبر استقراره فى ارض طرابلس الغرب ، ان قد أصبح مريدا ، متتلمذا للشيخ المدنى صاحب " الطريقة المدنية " والزاوية القائمة فى مصراته واصبح مظهرا لفيوضاته الروحانية واسراره الربانية .

لم يلبث ان وصل تونس سنة 1835 ، كامل العقل والمدارك وكامل الصلاح والعلم والادب . حيث التحق بالدروس العالية هنا حتى رشحه استاذ لتعليم وتهذيب ابن اخت الامير الذى توفى عنه ابوه الوزير السابق سليمان كاهية (2). كما افسح له ان يجلس الى تدريس مختلف العلوم الشرعية واللغوية والرياضية بالجامع . . . ثم لم يلبث أن اشتهرت عنه آراء سياسية واجتماعية جريئة ، وهو يتوقع انقلابات عظيمة فى العالم الاسلامى .... وتحدثوا انه يترك السبيل الى ان يفهم سامعوه توقع انقلابات فى صلب المجتمع

التونسي وفي ادارة الحكم وفي الملك . . مما قالوا انه " يذيع اسرار الحدثان والتصرفات الالهية من عواقب الزمان "

لقد وصلت اخبار دار الخلافة اسطنبول بوفاة السلطان محمود الثاني (1 يوليو 1830=19 ربيع الثاني 1255 ه وبولاية ابنه الشاب عبد المجيد ولم يبلغ ال 18 ، وقد ظهر لكل وزير رأى وطريق فى تسيير الدواليب الرئيسية وتوجيه الخلافة الاسلامية . . . وحوادث مصر تعصف بالثورة . . واذا بقيادة الاسطول التركى القبدان احمد باشا يفر بكامل الاسطول العثمانى الى ثغر الإسكندرية ويسلم " الدونامة " التركية الى الايدى المصرية . . والدول الاروبية تتامر على قسمة تراث الخلافة الاسلامية ، وقد ظهر الوهن الكامل على الدولة العلية في داخل ترابها وفي ملحقاتها من افريقية . . . خصوصا وقد تمكن الساسة الاروبيون من توجيه الراى العام العالمى وتوحيده نحو غاية واحدة ، هي نزع شوكة الاسلام عن رعايا تركيا من اصحاب الاديان الاخرى وابطال نظام " الذمة " عليهم ، وترك اداء " الجزية " عنهم وغير ذلك من نظم التفوق الاسلامي في بلاد الخلافة ، على دعوى ان يتوحد الناس فى اعتبارهم " وطنيين " فيتساوى المسلمون مع من اليهم من الاقليات .

ووقع الانقلاب بالفعل ، بصدور فرمان الكلخانه ( في نوفمبر 1839 م ) وخرجت النظم العامة عن نصوص القرآن من الجزية واحكام الجهاد والمغانم ونظام الذمين . . بل انقلب كل شئ الى التشريع الوضعى ، الامر الذى اهن له " السفطاط " وعلماء الدين الاسلامي وطلبته وقام له المشائخ وقد ظفرت ثورات الوهابين في نجد والدروز فى الشام . . وكان موقف الدول الاروبية ان تتمتع بما تزيده الثورات من وهن الدولة العلية ولا تترك فرصة الا اهتبلتها لحل قوى الخلافة .

وكان الموقف التونسي لا يقل عن الموقف العثمانى حدثانا . فان السلطة هنا قد انتقلت لايدى امير شاب ، هو الامير احمد باي الاول 1836 من قبل ان يموت ابوه فاسس الجيش النظامى وارغم على اللبوس الاروبية ولبسها هو ايضا ، ايذانا بالانقلاب . والوزارة الخارجية اعطيت للكنت رافو وهو على نصرانيته وهو خال الامير ، وادارة المال فى ايدى المسؤولين اليهود . . وقد ابطلت نظر التفوق الاسلامي وحل مكانها المساواة مع اهل الاديان . . وقتل الوزير الاكبر فى تهمة المؤامرة . .

بحيث كان هناك جو متقلب عجيب وكان هناك العنف والحذر ، وكان هناك التوقع والتهديد . واصبح موقف الشباب عصيبا فى تلك الزوابع التى تعمل فى الظاهر باسماء قوية ، بينما بواعثها الداخلية كانت قوية أيضا ، ولها اسماؤها التى يعرفها افذاذ الساسة والمدركين . فلا بدع ان يكون هناك

مجال عظيم للحدثان والاسرار . وكان توقد ذهن صاحبنا قد بعث به الى الشعور بالوشايات تتناوبه بين هؤلاء وهؤلاء . .

فاذا بنا نراه يركب البحر خفية ، نحو البلاد الايطالية ، فيدخل رومة حيث يلقي اعجابا وتكريما . . ورايناه يقتبله عظماؤها :

لقيت عظام الروم فى ارض قيصر . . ولكنه الاكسير ان حسبوا تبرا (3) وكانت مثل هاته الحركات الاساسية للدولة انما تقع فى الخفاء عن الامة ويغطونها بالالقاب المبهمة من " الحدثان " و " القدر " بحيث اننا نجد ترميما كبيرا قد كان يغطى ، وصاحبنا قابادو يتنقل فى هجرته ، حتى بلغ عاصمة الخلافة الاستانة ، وهناك قد وجد الامور تسير الى الاستقرار الجديد ، والتيار الحضرى تغلب على العناصر الرجعية الداخلية ، سواء فى ارض الخلافة بالمشرق او فى البلاد التونسية ، ووجد فى استمبول عناصر تونسية سياسية قد امكنها ان تظفر بحسن التفهم العثمانى وان تستقر هناك ، وتلقفه المبعوثون التونسيون واقنعوه بالرجوع الى الوطن حتى يكون عضوا عاملا فى التطور الجديد .

وصل تونس محمود قابدو سنة 1841 ليتولى التدريس من المكتب الذى احدث نهائيا لتدريس الهندسة والفنون العربية . ونراه فى دوره هذا قد ظهر اكمل ما يكون من عناصر التطور والتجديد والعمل للحاق قافلة الحضارة الاروبية . ورايناه يؤيد التطور الى طرق الابداع ، مغضيا النظر عن نصوص السلف ، بل رأيناه فى هذا الدور الجديد يؤيد الاصلاحات الخبرية التى اعلنها الخليفة عبد المجيد ( في 18 فبراير 1856 ) ويعلن سخطه على الثوار الذين قاموا على الخليفة وأصابوه فى مؤامرتهم ( 1861 م ) كما رايناه يؤيد اقامة الدستور التونسى فى نفس عامها ( 26 افريل 1861 ) بما فى نظمه من تعطيل لاحكام القرآن وضرب على أيدى قضاة الشرع العزيز لتحل مكانهم المجالس العدلية بالقوانين الموضوعة من عمل البشر . . الامر الذى وقف دونه مشائخ الدين وطلبته واجمين . بينما قابادو قد ارتقى الى مركز " مفتى باردو " اى مفتى الدولة التونسية ( اذ كان مقر الامراء ومسكنهم هو : باردو ) بما نرى به انه كان مشاركا فى وضع الدستور بحيث كان امر رقيه لتلك الخطة السامية بتاريخ يوم الاحد 15 شعبان 1277 ( = 25 فبراير 1186 ) وهو تاريخ اعداد الدستور واخذ الآراء عليه بصورة نهائية بشهرين فقط قبل حفلة اعلانه رسميا

وهذا امر عظيم يحسن ان نتبينه بامعان ، فهو عظيم الشان فى ذلك العصر ، فأذا كان الدستور قد الفه جيلنا اليوم ، فان النظام البرلمانى قد كان حدثا بغيضا لاهل الشرع فى ذلك العصر ، حتى ظهرت به ثورات كبيرة فى

المشرق لان الشريعة الاسلامية قد سارت فى الاجيال بتشريعها الالاهى الذي يحب ان يخضع اليها المسلمون فى جميع الاعصر ويجب ان تعم جميع أطراف المعمورة . بان يحتكم الناس الى الله ورسوله ، اى الى التشريع المنزل بالوحي وبنص القرآن . بينما المبدأ الذى وضعت عليه الاصلاحات الخيرية وتاسس به عهد الامان وقام عليه الدستور التونسى لعهد محمد باي فى منتصف القرن الماضى ، انما ابدل كل شىء وأحاله الى المجلس الاكبر وهو مجلس النواب الذي لم يقيدوه بالقرآن ولا بالاحاديث بل جعلوه يشرع بامره ومنعوا به قضاة الشرع عن تصريف الشريعة ، وكان ذلك المجلس قد تالف فى تركيا من نواب عن مختلف الاجناس والنحل والاديان . . فثار لذلك عناصر عظيمة فى الشرق لذلك التبدل الزمنى من تعطيل الشريعة

فتاييد قابادو لهاته " الاصلاحات الخيرية " عجيبة ، وارساله بتاييده من تونس يعطينا تاريخا صحيحا لبزوغ الفكرة الدستورية . وبالفعل فاننا راينا مشائخ العلماء لتونس يقفون واجمين . ولم نر فى حفله اقامه هذا الدستور الا قصيدة صاحبنا قابادو تمجد هذا النظام الجديد ، وقصيدة الشيخ كريم الذي كان نائبا لرئيس المجلس الجنائى بالقوانين الجديدة . التى اوقفت القضاة الشرعيين عن تلك الاحكام

فهذ دور آخر غريب جدا عن مريد الطريقة المدنية وصاحب الاسرار والذي يعتمد الجفر والرمل والزيج ، كما حدثنا عنه صديقه وتلميذه الشيخ محمد السنوسي ، الذي جمع ديوانه ونشره اثر وفاته او ان لغه العصر اقتضت تسمية التوقعات السياسية بتلك الاسماء .

فهذه حقبة دقيقة من تاريخ التطور الذهنى فى الامم الاسلامية وهى على اظهر ما تكون فى تونس . ونعتقد ان شبابنا المثقف واساتذتنا الاعلام وحقوقيينا . . حرى بهم ان يلقوا نظرة مستوعبة لما كان من تيارات وعوامل فعيب إن نرى جميعهم يسكتون عن كعوب التاريخ ، وعيب على الاكفاء منهم ان يكتفوا بالمواضيع المدروسة السهلة ، بينما مفاصل تاريخنا وتاريخ نهضتنا وعروق ثورتنا التقدمية . . ما زالت فى زوايا النسيان ، كانما هم لا يشعرون او انهم ما زالوا في دهشة من هذا التطور . . ولن نقول انهم يتحامون المساس بالواقع مداجاة وتخوفا .

انما الثابث لدينا أن الرجل قد كان ذا شخصية روحانية ، قد تغلبت عليه في مواقف بعينه . وانه ذو ذكاء وقاد وعقلية حسابية منطقيه وارادة اصلاحية تقدمية وذو ذوق سليم ، قد تغلب عليه وظهر له به ادب عجيب وفنون شريفة. وتناقل الناس اخبار مبتدعاته الادبية كما ستراه فى فصل اخر ندرس به " ذاتيته المزدوجة " فى آثاره الادبية

اشترك في نشرتنا البريدية