الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

ازمة الابداع الفكرى فى العالم العربي

Share

هذا استجواب أجراه الصحفى عاطف مصطفى المحرر بجريدة الراية القطرية مع الاستاذ محمد مزالي عندما زار امارة قطر اخيرا ( الرايه الخميس 17 يناير 1980) :

الحديث مع مفكر كبير مثله ، بقدر ما هو أمل من آمال أى صحفى عربي ، الا انه ايضا متعة لا تعادلها متعة... متعة روحية وفكرية وثقافية . وهكذا ذهبت للقائه وانا امنى النفس بهذا اللقاء الشيق ، والذى اقدم لكم هنا خلاصته لتكتمل الفائدة وتعم . الحديث كان مع المفكر والمثقف التونسي الكبير الاستاذ محمد مزالى وزير التربية القومية فى تونس الشقيقة ، والذي كان فى لقاء صفاء وفكر في الدوحة خلال هذا الاسبوع فجرت خلاله عديد من القضايا الهامة ، وقد اجاب بصراحة الباحث والعالم المثقف ، وكانت حصيلة هذا اللقاء الممتع معه .

قلت لسعادة الوزير التونسي : ما قولكم حول المشاكل المثارة فى الفكر العربي المعاصر " بين الاصالة والتجديد وما هو الحل وهل نتجه الى التراث ام الى الغرب ؟

قال : إنني شخصا لا اعتقد انه محكوم علينا بالاختيار بين التمسك بالتراث او الاتجاه الى الغرب ، والمسألة تنحصر فى التوفيق بين التراث والمعاصرة ، أى بين القديم والجديد . بين الماضى والمستقبل . وهناك فريق يتمسك بالتراث بدعوى الاصالة ، وفريق ينبهر بالغرب ، ويرى ان التقدم مشروط بمحاكاة الغرب . واعتقد ان كلا الفريقين مخطئ فالموضوع يجب ان نتاوله على النحو التالي:

كيف نحافظ على شخصيتنا ، ونتمسك بمقوماتنا الحضارية ، وفي نفس الوقت نعيش عصرنا ، ونأخذ باسباب العلم والتكنولوجيا

فاذا تمسكنا بلغتنا العربية وطورناها ، وجعلناها تعبر عن كل المفاهيم والمصطلحات العصرية ، واذا تمسكنا بديننا الاسلامي الحنيف من حيث هو عقيدة وحضارة فى آن واحد ، وعرفنا كيف نستوحى من تراثنا القدرة على التلاؤم مع عصرنا من ثقة فى النفس ، وتفاؤل بالمستقبل ، وثبات عزيمة وروح عمل جماعية وتضامن اذا استطعنا ان نستوحى هذه القيم من تراثنا المجيد سهل علينا الوقوف فى عالمنا المعاصر على أقدامنا ، واستطعنا كذلك أن نقتبس من العالم المتقدم اسباب القوة الكامنة في العلم والتبحر فيه والاحاطة بالتكنولوجيا ، واستطعنا أيضا أن نضع مناهج عصرية علمية فى تعليمنا في كل الاقطار العربية ، بحيث نكون أجيالا جديدة تتكلم لغة واحدة ، وترنو الى آفاق واحدة ، وتهتدى الى طرائق عمل واحدة ، وتعى الوعى المتبصر مسؤولياتها القومية .

بكل ذلك نخرج مما يبدو اختيارا حتميا ، أى نفلت من سلبية الانغلاق على النفس ونتخلص كذلك من الانبطاح امام الغير ، والانبهار به وتقليده

وان المفكرين العرب لمطالبون بتعميق معطيات هذه القضية ودرسها . وتخطيط الطريق امام المسؤولين فى كل المجالات

قلت لسعادة الوزير التونسي : وما هي العلاقة بين الشرق والغرب وكيف تحل هذه المشكلة ؟

- قال : فى الوقت الحاضر ، فان العلاقة بين الشرق والغرب يغلب عليها التوتر والتنافس الناتج بدورهما عن الجهل المتبادل ، وكذلك بالخصوص عن تضارب المصالح ، لان الغرب يحرص على ضمان نسق تنميته الحالية ، وهو أمر لا يتوفر الا باستمرار الهيمنة على العالم الثالث . وعلى العالم العربي بصفة اخص بحيث يسعى الى اقتناء المواد الاولية بأثمان بخسة ، ثم يبيعنا المواد المصنعة باثمان مرتفعة ، ويسعى كذلك الى الاحتفاظ بأحدث اكتشافات التكنولوجيا حتى لا نتصنع ، واذا تصنعنا ، فلا نقدر على المنافسة

ولكن هذه النظرة من طرف الغرب قصيرة ، لان غضب الشعوب المستضعفة وتمردها على الفقر والخصاصة ينتج عنه أحداث وانقلابات ، وتقلبات ليست

كلها رغم الظواهر لفائدة الغرب ، ولذلك كم نود أن يبذل الغرب وهو الاقوى ماديا اليوم مجهودات اضافية كي يخفف من وطاة التفاوت الاقتصادي والاجتماعى الموجود بينه وبين بلاد الشرق

لكن للعلاقة بين الشرق والغرب بعدا حضاريا وثقافيا هاما ، فلو توفق الشرق والغرب الى طي صفحة الماضى ، وتجاوز مخلفات الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية ومركبات التفوق ، لامكن بذلك ايجاد الظروف المناسبة للحوار الصحيح السليم ، ولامكن للشرق والغرب أن يقدر كل منهما قيم الطرف الآخر حق قدرها ، وبذلك يمكن التعاون السليم ، ويمكن لهؤلاء ولأولئك أن يسيروا خطوات في طريق الصداقة الحق والسلم الدائمة

قلت للاستاذ محمد مزالي وزير التربية القومية التونسي : كيف نحقق وحدة الثقافة العربية ، مع وجود الانقسام السياسي القائم بين الدول العربية المختلفة ؟

- قال : نستطيع ان نحقق هذا المطلب القومى الخطير بعدة وسائل ومخططات ، اكتفى فى هذا المقام بالتعرض فقط الى توحيد مناهج التعليم

فلو استطعنا رغم خلافاتنا السياسية العرضية أن نتفق على محتوى تعليمي واحد ، وخاصة فى العلوم الانسانية من تاريخ وجغرافيا وفلسفة وعلم اجتماع وغيرها والتزمنا جميعا بتطبيق هذه البرامج الواحدة الموحدة ، فاننا سنصل ولو بعد عشرة او عشرين عاما الى تكوين اجيال عربية تتكلم لغة واحدة بكل معانى الكلمة

وان لمنظمتنا العربية للتربية والثقافة والعلوم مسؤولية كبيرة فى هذا الصدد . واني اعلم انها وضعت استراتيجية تربوية عربية ، واود ان يشرع فى تنفيذها بكل موضوعية وأمانة

ومن باب الصراحة أقول : ان الذى قد يحول دون تحقيق هذا الهدف الاسمى هو سلوك بعض الأنظمة السياسية التى يعوزها التواضع ، وهذا اقل ما يقال فيها ، فتعتقد ان بقية الاقطار يجب ان تنسج على منوال نظمها التربوية ولذلك يجب تجاوز هذه الحساسيات ، والتحلى بالتسامح والصبر ، وكذلك بطول النفس ومن سار على الدرب وصل.

قلت لسعادة الوزير التونسي : مجلة الفكر التى توليت إدارة تحريرها لفترة طويلة ما هى الخطوط الرئيسية التى حاولتم ابرازها فى الثقافة العربية المعاصرة ؟

وقال فعلا لقد أسست مجلة الفكر سنة 1955 ، ولا ازال أديرها الى اليوم ، هى مشروع فردى ليست له أى علاقة بالحكومة أو أى جهة رسمية وكان الحافز على بعثها عندما لاح فجر الاستقلال ، هو دعم النهضة السياسية بنهضة فكرية ثقافية ، وكذلك وبالخصوص خدمة الثقافة العربية فى تونس بعد أن أنهك الاستعمار الفرنسي الاستيطانى الامة التونسية طيلة ثلاث ارباع قرن نحاول مسخها وفرنستها والقضاء على لغتنا العربية ، وديننا الاسلامى الحنيف فكان بعث مجلة " الفكر " حينئذ يرمى الى نصرة قضايا الثقافة القومية وتكوين اجيال مؤمنة بشخصيتنا الاصيلة ومعتزة بانتسابها الى الامة العربية وهذا ما نجحنا فيه والحمد لله

وقد تخرج من مجلة الفكر اجيال واجيال من الادباء والمفكرين . وانا احمد الله أن وفقني في القيام بهذا الواجب مع نخبة من زملائى واخوانى فى الحرف وانى معتز اليوم بالمنزلة المرموقة التى تحظى بها " الفكر " فى الوطن العربي ، وبأصدقائها الكثيرين الذين يحبونها ، ويقدرون الرسالة السامية التى لا تزال وستظل بحول الله تضطلع بها .

قلت لسعادة الوزير : بصفتكم احد مفكرى الامة العربية ، ورئيس اتحاد الكتاب التونسيين ، ما الذي تقوله حول قضية الابداع الفكرى العربى ، وحرية الصحافة ، وضمان الحياة الكريمة للاديب والمفكر العربى ؟

- قال الاستاذ محمد مزالي : أتكلم بصراحة من وجهة نظري ، وأرجو مخلصا ان اكون مخطئا فأقول : ان الابداع الفكرى فى العالم العربى يمر بازمة ، بل بفترة انحسار لاسباب كثيرة يطول شرحها ، وكل ما أرجوه هو أن يمنح الاديب الحرية الواعية للخلق ، وان تشجع الانظمة الرسمية كافة الطاقات على البروز دون تعصب لمدرسة أدبية دون أخرى ، أو لمذهب ايديولوجى دون آخر ، ان المستقرىء لاحوال الفكر العربى اليوم قد تأخذه الدهشة عندما يقارن بين الاسماء اللامعة التى كانت تملأ الساحة العربية فى النصف الاول من القرن العشرين ، وبين افتقار هذه الساحة اليوم نسبيا الى

اسماء تفرض نفسها وتستقطب الانتباه ، وتجذب حولها الشباب فى أى فرع من فروع الفكر

وكم قاسى الفكر وقاسى الادب من المفاهيم الخاطئة التى الصقت بالالتزام ، وكم كانت جناية بعض المسؤولين كبيرة عندما حاولوا تسخير بعض الخلاقين لدعم سياساتهم ، ذلك أن ازدهار الفكر لا يكون الا فى جو ديموقراطى ، وفى مناخ نفسى ملائم ، لكن قد توجد بعض اسماء ، او بعض مفكرين ناشئين لم يتيسر لى التعرف عليهم او القراءة لهم ، وهو أمر لا بد أن يقع اليوم او غدا لان طبيعة الاشياء تأبى أن تصاب أمة نعرف ما هو تاريخها وما هى أمجادها ونعرف ما كانت ، وما هى عليه اليوم رسالتها فى الدنيا ، ان تصاب بالعقم والقحط ونذكر هنا قول الشاعر العربى

ما أضيق العيش لولا فسحة الامل

أما ضمان الحياة الكريمة للاديب والمفكر ، فلا بد من ضمان الاسباب الدنيا لكرامة الاديب ، واذا اقتضت ظروف السياسة وصروفها احيانا توخي بعض المبادرات ، أو سلوك بعض المنعرجات ، فان على المسؤولين أن يحرصوا على الا يستدرج الكتاب ، أو بعض المفكرين نحو الهزيمة الروحية التى هى شر من الهزيمة السياسية ، وان يحافظوا على سمعة هؤلاء الكتاب بحيث يبقون مهما ادلهمت السحب واستعصت الحلول ، منارات تضئ الاجيال ، ومراجع حية تهدى الى سواء السبيل فى درب الامة العربية نحو المجد ونحو المناعة والسؤدد .

قلت للاستاذ محمد مزالي الذي تحمل عبء وزارة التربية القومية ثلاث مرات هل يسمح سعادة الوزير بأن يعطينا لمحة عن النهضة التعليمية فى تونس ، والى أى مدى وصل تطوير المناهج ومسايرتها للتقدم الثقافي والحضاري ؟

- أجاب قائلا : لقد سار التعليم فى تونس أشواطا كبيرة ، وأصبح اليوم عدد المرسمين فى المدارس بكل درجاتها مليونا وثلاثمائة الف ، بحيث انه يوجد اليوم تونسى من بين خمسة فى المدرسة ، ويخصص الميزان التونسي للتربية القومية 33 % من الميزانية ، ويخصص 8،5 % من الدخل القومى للتعليم وهى نسبة كبيرة فى مستوى العالم

ان الحكومة التونسية ، والشعب التونسي خصصا هذا المجهود للتعليم ، لاعتقادهما ان تعميم التعليم ورفع مستواه هما الكفيلان برفع مستوى الانسان التونسى الذى يحقق بدوره الخروج من التخلف .

ونحن نعتقد ان التخلف الذي تقاسى منه شعوب العالم الثالث ، ليس نخلفا اقتصاديا أو ماديا ، بل هو تخلف بشرى . فبقدر ما نعلم الانسان ونفتق ملكاته ، ونهذب تفكيره ، نوفق الى اعطائه السلاح الفعال لتغيير منزلته ، ورفع شأنه ، ونكسبه الوسائل الكافية ليقدر على تكسير سلاسل الفقر والجهل والمرض ، وتجاوز التواكل والتخاذل والرضا بالحد الادنى

ان التعليم التونسي اليوم ، يتجه بعد ان ربح معركة الكم ، الى الفوز بمعركة الكيف ، وهذا يتمثل خاصة فى المحورين التاليين

1-تركيز الاصالة والسعى الى أن يساهم التعليم التونسي في خلق أجيال  تونسية مؤمنة بنفسها ، مؤمنة بأمتها ، معتزة بانتسابها الى الامة العربية الاسلامية .

2 - التفتح على المحيط الاجتماعى والاقتصادى ، والملاءمة بين التكوين وآفاق التشغيل أى احتياجات المجتمع ، ليس فقط الآن بل كذلك فى المستقبل وهذا معناه انه يجب ان يتحقق ما أسميه بالتراشح أو التناغم والتجاوب بين رجال التربية والتعليم ، وبين القائمين على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية

قلت لسعادة الوزير التونسي : ما هو التصور الذي ستسفر عنه هذه الزيارة لدولة قطر ، وما الذي يمكن ان يتم من تعاون بين البلدين الشقيقين فى المجالات التربوية والثقافية ؟

- قال : هذه أول زيارة اقوم بها الى دولة قطر ، استجابة الى الدعوة الكريمة التى توجه بها الى سعادة الشيخ محمد بن حمد آل ثانى وزير التربية والتعليم وأرجو أن تمهد هذه الزيارة ، والزيارة التى سيقوم بها معاليه الى تونس في وقت لاحق الى تعاون تربوى وثقافى بين البلدين يكون اوسع واشمل مما هو موجود الآن . وهذا ليس على همتنا جميعا بعزيز

وبعد هذا الحوار الممتع مع سعادة الوزير العالم ، فان هناك الكثير من القضايا الفكرية والتربوية ، والثقافية ، نرجو أن تتاح لنا فرصة أخرى للتعرف على رأيه فيها ، فقد كان برنامج زيارته حافلا باللقاءات الكثيرة والزيارات المتعددة ليشاهد التطور الحضارى الذى تعيشه قطر فى هذه الايام

اشترك في نشرتنا البريدية