لقد ضربت ميزانية التربية القومية فى بلادنا رقما قياسيا إذ بلغت 30 فى المائة من ميزانية التصرف بالنسبة الى سنة 1971 . وهي تزيد باطراد من سنة الى اخرى . فقد كانت الزيادة سنة 1960 ما يقرب من 4 بالمائة حتى وصلت 8 بالمائة سنة 1969/1968 وشارفت على 8،5 بالمائة سنة 1971/1970 . وهذا فى الظاهر مجهود كبير تقوم به الأمة التونسية لتضمن لابنائها تربية قومية بأتم معنى الكلمة . وهو يستدعى بطبيعة الحال تضحيات جسيمة ولا بد أن يمر بازمات تفرضها التنمية . ولكن القارىء الكريم سيرى انه خلافا لما بزعمه البعض فان ازمة التعليم عندنا هى ازمة قيم لانها تمس باختيارات أساسية بالنسبة لنا كأمة لها سيادتها وشخصيتها وكيانها ولأن هذه القيم هى التى تجمعنا فى الواقع فنحيا معها ونقننها ونتداولها فتجمع شملنا .
لهذا يحق لنا ان نسائل انفسنا عن مدى استجابة هذه التربية القومية لحاجياتنا المختلفه التى تفرض علينا تكوين نخبة تنهض على كاهلها البلاد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا أى ان نقصر بحثنا فى الاجيال الصاعدة التى تنتظر دورها فى القيام بالعبء الذى يقوم به الجيل الحاضر الماسك بحظوظ البلاد . وبعبارة أوضح ان ننظر فيما حققته برامج التعليم بعد الاستقلال على المستوى الثانوى والعالى .
كل الناس مجمعون على ان مستوى التعليم قد بلغ درجة من الضعف فى جميع المستويات ينذر بالخطر الأمر الذى جعل الدولة فى السنة الماضية تقر نوعا من الشدة فى الامتحانات .
ورغم ذلك هل استجابت التربية القومية الى العنصر الثانى من تسميتها أى ما يرجع الى مفهوم القومية ؟
لقائل أن يقول إنه يصعب البت فى هذا الأمر والمسألة لا تعدو ان يقتصر المشفق على مصير اجيالنا على بعض الاحكام الاعتباطية المجانية التى لا تنبنى
الى واقع ملموس . ولكنى سأتوارى عن القارىء الكريم لحظات قليلة واتركه مع تحقيقين بالفرنسية اجرتهما التربية القومية الاول قام به سنة 1968 معهد العلوم التربوية التابع لها . والثانى قام به مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية التابع للجامعة التونسية وبالطبع للوزارة أيضا ويتعلق هذا البحث ببعض مظاهر الازدواجية فى البلاد التونسية ( * ) وسأدل على ما أسرده من التحقيق الاول بحرف - أ - والثانى بحرف - ب - مع الملاحظة ان معظم الفقرات المختارة مأخوذة عن تحقيق زهرة الرياحى بعنوان لغة تلاميذ التعليم الثانوى وسأبوب المعلومات التى استقيتها الى أقسام ثلاثة :
- مستوى التعليم ونتائجه . - حال اللغة العربية . - الاسباب .
مستوى التعليم ونتائجه
- " إن التعليم الذى يتلقاه هؤلاء التلامذة ( تلامذة التعليم الثانوى ) لو يسمح لهم باثراء لغتهم ( سواء العربية أو الفرنسية ) الى الدرجة التى يصلون فيها الى التعبير بسرعة وفى راحة تامة " ( ب . ص . 131 ) .
- " أما فيما يخص مستوى التلامذة فان الصعوبات التى يجدونها فى الحديث والكتابة بالعربية والفرنسية تدل على أنهم لا يحذقون اللغتين وهذا له نتائجه من حيث تكوينهم الفكرى حتى ان مسؤولا كبيرا على مستوى عال قال سنه 1969 : يحق لنا ان ننفخ فى بوق الانذار فيما يتعلق بفاعلية تعليمنا الثانوى وهو الذى يعتبره الناس جميعا أساس كل نظام تعليمي عندما نعلم ان فى كلية العلوم ونقتصر على هذه بالضبط ، خمسين فى المائة من الطلبه المرسمين بالسنه الاولى عاجزون عن متابعة الدروس " ( ب . ص . 137 ) .
- " عندما سئل التلاميذ الى اية ثقافة ينتمون شعروا بحرج كبير ظهر فى اجوبتهم التى تأرجحت بين اتجاهات ثقافية عديدة أو تمسكت بالاحتفاظ بصوتها . ولم يؤكد انتماءهم الى الثقافة التونسية الا 23 فى المائة من الفتيات و 18،7 بالمائة من الشبان بينما أكد انتماءهم الى الثقافة الفرنسية 10.2 من الفتيات و 31،2 بالمائة من الشبان . واختلفت أجوبة الآخرين " ( ب . ص 158 )
- " عند النظر الى نتائج هذه الدراسة ( بالنسبة للطلبة ) يمكن القول بأن طلبتنا يعيشون ازمه لغويه فليست هناك أية لغة أو مستوى من اللغة تمكنهم من إبلاع تجربتهم فى جميع أوساط المجتمع التونسى " ( ب . ص . 211 ) .
- " سئل تلامذة السنة السادسة من التعليم الثانوى عن الرجالات العظام الدين يرونهم جديرين بالاهتمام أكثر من غيرهم . فكان نابليون وهتلر هما الفائزان بقصب السبق ( 52% من الفتيان و 70% من الفتيات اختاروا نابليون و 38.5% من الفتيان و 32% من الفتيات اختاروا هتلر ) بعد ان كان - بالنسبة لتلامدة السنه الثالثه من التعليم الثانوى - الرسول محمد ( صلعم ) هو المخير ( 2 ) . بحيث انه كلما تقدم التلامذة فى دراستهم بعدوا عن روحهم القومية . ويتساءل المرء لو أن هذا التحقيق أجرى فى فرنسا هل يكون لنابليون هذا الحظ الكبير ؟ ( - أ - ) .
حالة اللغة العربية
- " من الغريب ان نجد 32،9 فى المائة من التلاميذ الذين سئلوا ، يؤكدون انهم ، إذا ما انفلعوا أو غضبوا ينطقون بعبارات فرنسية . . . بينما يرى علماء النفس أن المرء اذا انساق الى عواطفه البدائية لجأ إلى التعبير بلغته الام " ( ب . ص . 109 ) .
- " عندما يكون الدرس بالعربية الفصحى تصبح نسبة التلاميذ الذين يستعينون بالفرنسية للفهم ، أرفع " ( ب . ص . 122 ) .
- " أما عن الصعوبات المتعلقة بالرصيد اللغوى فانها بنسبة 20 فى المائة عندما يكون الدرس بالفرنسية و 44 بالمائة عندما يكون بالعربية " ( ب . ص . 122 ) .
- " لقد استغربنا ان يكون 72 بالمائة من التلامذة يجدون صعوبات فى الحديث بالعربية الفصحى بينما لا يجد صعوبات فى الحديث بالفرنسبة الا 50 بالمانه فقط . وفيما يخص الكتابة فان 37 بالمائة يجدون صعوبة فى الكتابة بالفرنسية بينما نسبة صعوبة الكتابة بالعربية تصل إلى 60 بالمائة " ( ب . ص . 130 ) .
- " ان القيمين العامين والنظار فى المدارس " يختارون فى مخاطبتهم
التلامذة اللغة الفرنسية بنسبة 63 بالمائة والعربية بنسبة 12 بالمائة " ( ب . ص . 134 ) .
- " عندما يخاطب القيمون تلامذتهم باللغة الفرنسية فانما يريدون إعطاء أقوالهم صبغة رسمية أو التعبير عن الفارق بينهم وبين التلامذة .. . ويستعمل بعض القيمين ، وخاصة صغار السن منهم ، اللغة الفرنسية ليلقوا الاحترام من التلامذة ؛ بينما يحاول آخرون اظهار تأنقهم وسعة معرفتهم باللغة الفرنسية " ( ب . ص . 134 ) .
- " الملاحظ أن المناقشات المتعلقة بالدروس أو المسائل الفكرية تدور بالفرنسية أو بخليط لغوى تكون فيه الفرنسية هى الطاغية " ( ب . ص 137 ) .
- " كلما تقدم التلامذة فى تعلمهم زاد حبهم للفرنسية 97.4 بالمائة من الفتيات و 84،٣ بالمائة من الشبان يختارون القراءة بالفرنسية " ( ب . ص .147 ) .
- " يرفض بعض تلامذة السنة الخامسة من التعليم الثانوى اللغة العربية الفصحى متعللين بانها لغة ميتة " ( ب . ص . 147 ) .
" ان الاجوبة تدل على ان التلامذة يميلون الى اختيار الفرنسية على العربية الفصحى إذ 75 بالمائة من الفتيات و 53.1 بالمائة من الشبان يكتبون بالفرنسية كل تقييداتهم الشخصية : 64،7 بالمائة من الفتيات و 68.7 بالمائة من الشبان لهم يوميات مكتوبة بالفرنسية . وعن السؤال الخاص باللغة التى سيكتبون بها اذا وجدوا فى انفسهم استعدادات للنشر يوما ما اختار 60،2 بالمائة من الفتيات و 68.7 بالمائة من الشبان الكتابة بالفرنسبة " ( ب . ص . 152 ) .
- " قال بعض التلامدة : عندما نخاطب باللغة الفرنسية التاجر أو الحاحب او الموطف فى إدارة ما فان ذلك يضمن لنا قضاء حاجاتنا ويجلب لنا التفهم والاهتمام أكثر مما لو خاطبناهم بالعامية " ( ب . ص . 161 ) .
- " قالت الباحثة زهرة الرياح فى التحقيق ( ب ) المذكور عن تغلب الفرنسيه فى حياة التلامذة : " إن مثل هذه الملاحظات تحثنا على التدبر إذ لو قدر لها ان تكون صحيحة فانها تكون خطيرة لانها تؤدى نتيجة لانتشار العليم ، الى تقلص العربيه أمام الفرنسية ( وعلى سبيل الذكر فان بعض المتهالكين على الفرنكوفونية ذهبوا الى مثل هذه الافتراضات " ( ب . ص .154 ) .
- قال الاستاذ محمد مزالى الوزير السابق للتربية القومية : " ولا بد من مجهود شجاع لتعريب مواد رئيسية كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة - التى كانت تدرس فروع كثيرة منها كالاخلاق وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم
التربية بالعربية فى سنوات التطبيق بمدارس الترشيح وبالنسبة لذوى اللسانين أيضا ، فى عهد الحماية وادارة السيد لوسيان باى بصورة أدق وحتى العلوم الطبيعية - التى كانت تدرس بالعربية فى بعض اقسام المدرسة الصادقية الى جانب مدارس الترشيح - فى عهد السيد لوسيان باى ايضا بله الخلدونية والشعب العصرية بالمعاهد الزيتونية (1) .
- وقال عن وضع العربية فى بلاد المغرب العربى الكبير الكبير : " لا تزال منزلة اللغة الفرنسية مرموقة منذ ان فرضها الاستعمار فى القرن الماضى فرضا ، مما قد يفسر - ولا يبرر - نفور أغلبية تلامذتنا من لغتهم الام وميلهم الى اللغة الاجنبية ، خاصة وان الضعيف المغلوب مدفوع - كما لاحظ ابن خلدون - الى تقليد القوى الغالب فى سائر شؤونه وبالاحرى فى لغته " (2) .
- " وهكذا اذا قدر للغة الفرنسية ان تصبح لغة التعبير عند التونسيين أو الجزائريين أو المغاربة أو غيرهم فى كتاباتهم اللسانية أو الادبية أو العلمية فانه تنشأ عن هذه الظاهرة نتيجتان الاولى : فكرية والثانية : لسانية . فالواقع التونسى مثلا الذى نريد وصفه بالفرنسية يكون قد وقع ادراكه بنسق لسانى اجنبى عنه وبهذا فان هذا النسق يكون غير قادر على الابلاغ بأمانة " ( ب . ص . 154 ) .
- قال مالك حداد على لسان أحد اشخاصه (3) : " ان الكلمات وهى معداتنا اليومية ، ليست فى مستوى أفكارنا بله عواطفنا . وليس هناك إلا توافق تقريبى بين فكرتنا العربية والفاظنا الفرنسية " .
- السنة السابعة من التعليم الثانوى خالية من أى أثر للادب العربى بينما بقى الادب الفرنسى ماثلا والحال ان لجنة تهيئة البرامج اقترحت أحسن ما فى الادب العربى من أدب ذهنى مثل مسرحيات توفيق الحكيم وكتابات المسعدى .
- قال شبان هولانديون زاروا تونس فى الصائفة الماضية ( والعهدة بالطبع على من روى ذلك ) : " أمركم غريب أنتم التونسيين تتحدثون بينكم
بالفرنسية ولغتكم القومية هى العربية . ونحن رغم اتقاننا للانقليزية فانه لا يتبادر الى اذهاننا ان يخاطب بعضنا البعض باللغة الاجنبية " .
- قال أحد الاشقاء : " ان لغتكم الرسمية ليست اللغة العربية وحدها إذ لو كان ذلك لما لجأ الرسميون فى تصريحاتهم الرسمية الى الحديث بالعربية والفرنسية كأن جزءا من شعبكم يتكلم بالفرنسية ولا يفهم العربية . والحال ان فى دواوينكم من المترجمين البارعين ما يكفى المؤونة .
الاسباب
- " وفى الواقع فان التلامذة تسيطر عليهم ازدواجية مضاعفة : الازدواجية التى تتمثل فى العامية والفصحى ، والازدواجية الموجودة فى العامية والفرنسية ، أو الفصحى والفرنسية " ( ب . ص . 132 ) .
- " ان الازدواجية المتمثلة فى العربية والفرنسية هى أصعب بكثير من غيرها . لأنه لا بد ان تتغلب اما الفرنسية أو العربية . والسيطرة من الناحية الشفهيه على اللغتين من باب الاستثناءات . فلسنا قادرين عمليا على الانتساب فى نفس الوقت وبعفويه وقوة الى استاذين متغايرين فى وقت واحد أشد التغاير ومصروفين الى ان يفرضا علينا ما لا طاقة لنا به " عبد الله المزونى : جزائرى ( ب . ص . 132 ) .
- " ليست الازدواجيه مجرد توازى لغتين تعملان فى لامبالاة الواحدة ازاء الاخرى وتصلحان لنفس الاستعمال . فكل لغة تترجم عن المنزلة البشرية كما عن لها " عبد الله المزونى ( ب . ص . 133 ) .
- " وتلافيا لهذا الضعف يجب النظر من جديد فى نظام التربية على أسس مذهبيه ولسانية واضحة على نحو ما ضبطه عبد الله المزونى : " انه لمن الخطر الكبير من أية وجهة كانت أن نوجد نهجا ثقافيا تكون فيه التقنية مقطوعة عن اللغة القومية . إذ تكون نتيجة هذا فى العاجل ان ننفر من العربية شبابا همه النجاعه ومهجته متجهة الى العلوم الصحيحة التى هى علوم الطبيعة " وان نوهمه ان الفرنسية - القادرة وحدها على التعبير عن المعقول والتقنية - لا مناص منها اذا نحن اردنا ان نصنع أنفسنا وان نقتحم العالم العصرى " ( ب . ص . 138 ) .
- " وبما ان التعليم الثانوى له انعكاساته الكبيرة على تكوين المراهق
وسلوكه النفسى والاجتماعى وخاصة على اختياراته المستقبلة فانه من الواجب السهر على ان لا يفقده هذا التعليم شخصيته وان يحمى شخصيته الفتية وان يمتنهما بما يلقنه من ثقافة أصيلة قومية ولكنها متفتحة على مختلف مظاهر ثقافة العالم العصرى وتقنيته " ( ب . ص . 138 ) .
- " وبجدر التنبيه الى ان القيم الخالدة لا يمكن استشفافها إلا من خلال واقع مضبوط ينطلق من تأصل جغرافى وطنى لغوى فى آن واحد وان نوعية ثقافة قومية تتمثل فيما تقوم به أمة من الامم من تأليف ما اكتسبته عن الانسانية علىى صعيد الادب والعلم والفن . وفى هذا المجال فان اللغة القومية تمثل عنصر تلاحم قوى " ( ب . ص . 160 ) .
الوجه الصحيح للمعضلة
فهل بعد هذا الفيض من الاستشهاد يمكن أن نحصر قضية التربية القومية فى المجال العام للتنمية وفيما اخترناه من ديمقراطية التعليم وتقدمه ، ولو كان هذا لكان أمرنا شبها بأكثر الدول التى اختارت هذه السبيل . ولقلنا مثلما قال أحد علماء التربية :
" بقى التقدم فى دبمقراطية التعليم نظريا أكثر منه فعليا . بينما التقدم فى هذا المعنى يجب أن يؤول فى المستقبل الى سهولة ارتقاء القادرين فى كل المستويات مما ينجر عنه طرح غير القادرين من جميع المستويات . ذلك ان ديمقراطية التعليم ليست تسوية عمياء بل هي الكفيلة وحدها للرفع من مستوى الدروس والامتحانات " .
وهذا من السهل معالجته سريعا وذلك بالشدة فى الامتحانات مثلا . ولكن الواقع المؤلم هو أننا عقدنا أمر التربية عندنا باختيار آخر انجر عنه وضع غريب وهو اختيارنا لازدواجية اللغة . وهو ناشئ عن اعتقاد خاطئ وجدناه فى مقال نشر بجريدة " لاكسيون " الناطقة بالفرنسية التى تقول : " وبما أنه ليس لنا الاطارات الكافية والوسائل الكفيلة بالقيام بسياسة كاملة للتعريب يكون من الحكمة الحصول على مقومات التقدم ومفاتيحه وكذلك الحضارة باستعمال آلات جاهزة ريثما يأتى اليوم الذى نصنع فيه بما تخلفه عبقريتنا ومجهودنا آلتنا القومية الخاصة " (1) .
إذن السبب الأصلى فيما نعانيه من آفات فى تعليمنا هو اختيارنا لازدواجية التعليم الذى اعتبره نوعا من الترف بالنسبة إلينا (Luxe) والذى لو سرنا على منواله لعجزنا عن متابعته لأنه يكلفنا طاقات مضاعفة ويجعلنا نتواكل على دولة ( فرنسا ) ستعجز فى السنوات المقبلة بامدادنا بالمربين الأكفاء وسنرهق كواهلنا بما ندفعه لهم من جرايات مرتفعة بالنسبة الى ما ندفعه للتونسيين وسنجد أنفسنا أكثر من ذلك أمام جيش عرمرم من المربين الأجانب لم نكونهم نحن ولا يمكن لنا ان نفرض عليهم كما نريد نظرتنا . إذ لو سلمنا بأن فيهم من المتحمسين من سيكفوننا المؤونة فلأى نمط من التربية يتحمسون؟ هل لتربيتنا القومية أو لنوع آخر ؟ علاوة على أن فيهم المخربين والرافضة والفوضويون والدساسون والذين لا يتصور المتصور مدى ضعفهم الأخلاقى وحتى ضعفهم فى الفرنسية فى بعض الأحيان . وهم ممن ضاقت بهم دولتهم فى بعض الأحيان وعجزت عن ايجاد حل لهم.
لا مناص من أن نعزو إذن أزمة تعليمنا الى اختيارنا للازدواجية . ولكن أية أزدواجية ؟ ذلك أن الازدواجية تفرض أن يكون هناك لغتان فى نفس المستوى الحضارى كالفرنسية والانقليزية ، أو الألمانية والروسية أى فى نفس القدرة على تحمل مفاهيم العصر أما إذا نحن وضعنا إزاء الفرنسية لغتنا العربية التى بقيت من سوء الحظ مهضومة الجانب فى ديارنا رغم أنها اللغة الرسمية والتى بقيت الى اليوم بسبب أهلها فى تواكلهم واختيارهم السهل الجاهز المعد من الغير فان الذى تحدثه فى الواقع ليس إثراء ولا هو التقدم ولا هو التفتح على العصر بل هو الذوبان والتنكر لتونستنا بصورة عامة ولركن هام من أركانها وهى العربية . ولا يمكن أن يتصور متصور التونسة بمقوماتها العديدة من دون أن يقرأ حسابا لمقوم أساسى فيها وهو اللغة العربية .
فالتونسة بدون تعريب ليست تونسة إذ لا يكفى أن يفكر المرء تونسيا ويتكلم بلغة أخرى كما قال بعضهم (1) . وهذا لا يتماشى مع ما أقره علماء النفس واللغة والاجتماع . اذ كما قال عالم اللغة المعروف مارتينى (A. Martlinet) لكل لغة نظامها الخاص بها فى مجال معطيات التجربة . فتعلم لغة ثانية لا يعنى وضع علامات جديدة على أشياء معروفة بل يقتضى ان يقع تحليل آخر لما يهدف إليه الابلاغ اللغوى " فبمجرد ما أن يتحول المرء من لغة الى اخرى يفقد جزءا كبيرا من روح اللغة الاولى . واللغة العربية
سواء العامية منها أو الفصحى قد حملناها ونحملها الى اليوم كل عناصر التونسة فاذا استعضنا عنها بغيرها من اللغات فقدنا نونستنا بطبيعة الحال. فهل يمكن أن نتصور فرنسيا يفكر فرنسيا أى أن يكون متشبعا بالروح والثقافة الفرنسيتين وتغذى فى نفس الوقت منذ الطفولة باللغة الانفليزية فطغت عليه بروحها وثقافتها ؟
والحال أن اللغة كما قال الاستاذ محمد مزالى (2) : " ليست مجموعة من الأصوات والألفاظ وجملة من القواعد والقوالب ، إنها كائن حى ، له خصائصه وله عبقريته الذاتية ، ووطن عقلى ، له روحه وله مميزاته ، بحيث لا يمكن أن نفصل بينها وبين المعانى التى تؤديها ، خلافا لمن يدعى أن الأهم هو الافكار التى اليها نقصد بينما المهم هو اللفظ ، لضعف بضاعتهم فى اللغة العربية أو لفرط انبهارهم بالتقدم المادى الذى توفر للدول الغنية ، وردا على شرذمة من " الاختصاصيين " الذين وقفوا حياتهم على دراسة اللهجات العامية ورسم قواعدها ، وتنبيها من مغبة الوقوع فى الهاوية التى انحدر الى أعماقها بعض ضحايا الاستعمار الثقافى بدعوى أن اللغة الفصحى تجاوزها العصر وأن السير فى صعيد الحضارة وركب التقدم يحتم الاستعاضة عنها باحدى اللغات الحية الكبرى "
فاللغة اذن هى الطاقة الحاملة لمقومات كياننا فاذا زاحمتها لغة أخرى وتغلبت عليها قضت بطبيعة الحال على ما كانت تحمله تلك اللغة من قيم وثقافة . فانظر مثلا الى الدولة التى أبدلت حروفها فقطعت بذلك نفسها عن تراث وحضارة كاملة واتجهت الى قيم دخيلة كيف تمر اليوم بأزمات حضارية عنيفة .
فالوطنية تقتضى اذن أن نتمسك قبل كل شئ بهذا العنصر الهام من التونسة وهو اللغة العربية وأن لا نفرط فيه بصورة من الصور إذ لم تفرط فيه أية دولة حسب معلوماتنا الا اذا كانت بطبيعة الحال اللغة الاصلية لهجة من اللهجات متكملة غير مكتوبة ولا تحمل أية حضارة فى طياتها . بل إن من الدول مثل إسرائيل من أحيى لغته القديمة وعصرها فأصبحت لغة يدرس بها لا الآداب فقط بل العلوم . فمن الوطنية اذن التمسك بالعربية والقيام بالتعريب وليس هذا بدعا عندنا اذ ان جانبا من نشاط حركتنا التحريرية التى قادها الحزب الاشتراكى الدستورى كان مرتكزا على المطالبة بتعريب برامج
التعليم لأنه يعلم أن العربية هى مقوم من مقومات شخصيتنا وهو الركن الذى يتجاوب معه الشعب مثل الدين الاسلامى وليس من قبيل الصدفة أن نجد ذلك مدونا فى دستورنا باللفظ الصريح : " تونس دولة ، لغتها العربية ودينها الاسلام " .
كل هذا لدليل على أن مجرد إحلال الازدواجية فى التعليم تكون نتيجته هو إدخال الضيم على اللغة العربية وما التحقيقان اللذان أوردت منهما بعض العينات مما وصلت اليه العربية من تدهور فى أذهان التلامذة إلا دليل على أن التعريب مشكل من المشاكل التى يجب أن نجد لها حلا .
وهل نمضى الى مغال أنفسنا بعد الذى أوردناه من حجج ونقول مثل جريدة " العمل " الصادرة بتاريخ 3 جانفى 1971 : " هل يجوز أن نسمى " التعريب " مشكلة ، وأن نصفها بأنها حادة ، مستعجلة ؟
هل يمكن أن نعتبر الأوساط الرسمية قد أصبحت تهمل اللغة العربية ، ولا تلتفت الى التعريب فى مختلف المستويات وفى التعليم خاصة ؟
هل أن اللغة العربية أخذت فى بلادنا فى التقلص ، أم نحن أخذنا نتوانى إزاءها الى درجة أن التقلص صار يهددها بدون علم منا ، ولا خبر ؟ . . .
لكنا نعتقد أن الباعث على وضع مثل هذه الأسئلة ، فى شئ من الاشفاق وكثير من القلق لا وجود له فى الواقع " .
وهل يمكن أن نجيب هذه الجريدة على سؤالها : من وما نعرب ؟ أنه يجب علينا أن نعرب هؤلاء التلامذة بتونستهم والبرامج والادارة بتونستها.
وهل بعد هذا نقتنع بما قالته " لاكسيون " بتاريخ 1 و 2 جانفى 1971 متسائلة عن التعريب هل هو مشكلة قائلة : " مشكلة التعريب من المشاكل التى تشغل بدون فائدة الافكار وتستهلك بدون فائدة الطاقات وليست إلا فى المرتبة الثانية من الأهمية فى مجال التنمية القومية " .
وهل نسكت عن صاحب افتتاحية جريدة " لابريس " بتاريخ 30 ديسمبر 1970 وعنوانه شكليات ( Formalisme ) عندما يستغرب أن يكون " معيار الأصالة التونسية فى مجرد تعريب التعليم " ويردف " وهذا مانعجب له " . ثم هو يصل الى الدرجة التى يعتبر فيها التعريب بالنسبة الينا " انتحارا " . وهو الذى إن فكر مليا فى الموضوع ورجع الى أهل الذكر فى هذا الميدان لتيقن
أنه لو عكس الأمر لأصاب إذ الانتحار فى الازدواجية وفى الانسياق مع الفرنكوفونية التى تسلم بالازدواجية . فليتدبر إذن ما قاله الاستاذ الفرنسى " إرنست جوى " ( Ernest loy ) بجريدة " لابريس " نفسها بتاريخ 9 جانفى 1971 عندما أكد : " إنى من أتباع الفرنكوفونية على شرط أن لا تكون لغة أجنبية عين الحضارة الأصيلة . ذلك أنه عندما يكون للمثقف التونسى لغة مباشرة تنبع مما تكلم به فى المهد ويستعملها لانضاج تفكيره وتفكيره الشخصى أو يستعملها فى أدبه وفى كل ما لا يتصل بالعلم البحث فان الفرنكوفونية تقتل كل خلق فيه وتدفعه الى التقليد فقط - بينما ليس المقصود من الازدواجية ، لتكون قادرة على الخلق ، تقليد الحضارة الثانية " .
ولهذا فانى أقول معه والحالة هذه لا للفرنكوفونية وليس معنى هذا أننى لا أقول لها نعم عندما ينتفى الخطر وعندما نقر ازدواجية معقولة حقيقية واقعية أى أن نحذق الى جانب لغتنا الاصلية لغة أجنبية أو أكثر حذقا تاما بوصفها لغات حية ، لا أكثر ! . أما إذا انتفى الايمان الصادق بأنه فى " إمكان عبقريتنا ومجهودنا أن تخلقا آلتنا القومية الخاصة " الى الحد الذى يصل فيه صاحب هذه " الشكليات " الى القول : " هذا اذا بقى لهذا المفهوم الثقافى معناه " فاننا نقول له أنه وقع فى المغالطة الكبرى التى يريد أقوياء اليوم أن يقع فيها الضعفاء وهو إيهام المغلوب بأن نجاته فى تقليد الغالب والانسجام معه بدعوى العالمية والشنشنات المعروفة التى لا ينخدع لها إلا من لم يتعمق فى الأمور أو رضى بذلك لحاجة فى نفس يعقوب .
ولا يمكن أن لا نعرج على الجامعة التونسية فى تقليدها للجامعة الفرنسية وتمسكها بطرق أثبت الاساتذة الفرنسيون أنفسهم قلة نجاعتها ونحن نعلم أنهم ما زالوا فى هذا المجال يخبطون . ولكن جامعتنا ماضية فى التقليد معرضة عن كل تجربة غير آتية من فرنسا ناهيك أن التبريز فى العربية الذى هو مناظرة فرنسية لها روحها وتقاليدها الفرنسية ومطبوعة بطابع الاستشراق الفرنسى أقر أيضا فى جامعتنا والحال أن المستشرقين الكبار ومنهم " جاك بارك " سلموا بأن لا مستقبل للاستشراق ويظهر أن مستقبله مضمون بالجامعة التونسية .
وإننى فى الواقع التمس عذرا لهؤلاء لأنهم ينظرون الى أنفسهم وقد بقوا متأصلين غيورين على وطنهم ، معتزين بتونستهم رغم تعلمهم وحذقهم للفرنسية . ذلك أن جيلنا لم يعرف ما عرفه جيل ما بعد الاستقلال من " تفتح " كبير و " تطور " فى العائلة التونسية بل هو عاش فى وسط محافظ
مؤمن باسلامه ولغته وشخصيته قادر وقد قدر ، على تلقين أبنائه كل ما من شأنه أن يسلحه ضد المستعمر .
كما أنى ألتمس عذرا لهؤلاء فى أنهم ظنوا أنهم قد ظفروا بالحل فى دفع البلاد الى التقدم دفعا وذلك باقرار الازدواجية وغاب عنهم انه لا يتأتى التقدم إلا بالخلق ولا يتيسر الخلق إلا فى اللغة القومية عندما تكون هى الغالبة . والخلق واحد سواء كان فى الأدب أو الفلسفة أو العلم . ( ولعل عبقرية الشابى كامنة فى أنه لم يعرف لغة أجنبية بل تفتح للثقافة الغربية عن طريق الترجمات وهذا موضوع خطير أطرحه ليتدبره كل متدبر ) .
ثم ماذا بعد هذا ؟
لا يبقى إذن إلا أن نكف عن النظر إلى هذه المسألة بالمنظار الذى درجنا عليه فى السنوات الاخيرة أى المنظار الذى خططنا به اقتصادنا وأعتبر أن ما عليه لتعليم اليوم من أزمات إنما هو من ذيول تلك النظرة المثالية التى لم تقرأ حسابا لواقعنا . فكما أننا سلطنا على اقتصادنا أضواء حديدة فمن باب أولى وأحرى أن نأخذ بعين الاعتبار النتائج التى أوصلتنا اليها برامج التعليم القديم ونستخلص العبرة من ذلك ونسلم بأنه لا تونسة بدون تعريب .
ولكن يجب ألا نغالط أنفسنا وان لا نتسرع فى ذلك ولا ننفخ فى بوق الانذار مثلما فعله البعض ونظن أنه عندما نسلم بالتعريب فمعناه السرعة ومعناه أيضا التخلى عن الفرنسية واللغات الأجنبية الأخرى . فهذا ما لا يقبله عقل سليم ولا يورده كحجة على نوع من تغلب العاطفة إلا من سلك باب المغالطة والتضليل والسفسطة .
لذا فانه لا مناص من التعريب على مستويين : مستوى الادارة ومستوى لبرامج . فتعريب الادارة أمر سهل يمكن تخطيطه بسهولة وقد عربت وزارات كانت مفرنسة قبل ذلك مثل الداخلية . فهل نعجز عن تعريب وزارة التربية فى مناشيرها ومطبوعاتها لا أظن ؟ بل إن مجهودا بذل فى هذا المعنى منذ عام تقريبا ولا يزال متواصلا . وإنما المسألة عندما تؤخذ مأخذ الجد ولا ينظر اليها من وجهة مصلحة بعض الاشخاص الذين لا يعرفون الا الفرنسية ومصيرهم فى بقاء الفرنسية وعندما ينظر اليها من الوجهة التى تقرأ حسابا لمصير هذه الأمة فان كل شئ يهون وتذلل جميع الصعوبات . فمتى نخطط لذلك ونضرب موعدا ولو كان بعد عشرين سنة حتى تطمئن النفوس .
أما المستوى الثانى فهو تونسة البرامج بما فى ذلك التعريب . ويقتضى ذلك أن نعمق اللغة العربية فى نفوس أطفالنا وأن نطرح كل ازدواجية فى التعليم الابتدائى اللهم إلا فى السنة الاخيرة . وبذلك نكون قد استغللنا المعلمين التونسيين ذوى اللسانين الذين احتفظوا بتعليم الفرنسية فى هذه السنوات الاخيرة ونحن لا نشك فى قيمتهم البيداغوجية وفى قدرتهم على استعمال تجربتهم فى سبيل تعصير العربية وإعطائها محتوى كفيل بالحفاظ على المستوى . ونكون قد استغنينا عن المدربين الضعاف وأكثر من ذلك استغنينا عن المفقدين والمرشدين الفرنسيين الذين ما زالوا يهيمنون على تكوين إطارات التعليم الابتدائى رغم قلتهم . وتكون قد جنينا أنفسنا من تندر القوم بالمضحكات التى تورد على سبيل الفكاهة والمتعلقة بعجز أطفالنا عن التعبير بالفرنسية تعبيرا صحيحا . وتكون قد كفينا أيضا أطفالنا الصغار ويلات الازدواجية وما تحدثه فيهم من أزمات نفسانية ونكون قد كفينا مجتمعنا شر الاستئصال بالنسبة للآلاف المؤلفة الذين لا يقدرون على الارتقاء الى التعليم الثانوى ونكون قد كفينا الأمة مجهودا يتمثل فى إنهاك إطاراتها ورميهم بنوع جديد من الاستعمار الثقافى.
أما بالنسبة للتعليم الثانوى فان التعريب يأتى بالتدرج وبكل حيطة ويسير حسب مخطط يجب أن تكون الأمة بأجمعها على بينة منه ويكون منبثقا عن قانون للتعليم يصادق عليه مجلس الأمة . ولهذا فان ازمة التعليم ليست أرمة تنمية فقط بل هى أزمه قيم أى أزمة اختيار للطريق التى يحب أن نتوخاها فى مجال تربيتنا القومية وهى لن تكون مسطرة إلا على هدى مقومات شخصيتنا التونسية البحتة وهي الى ذلك تفرض علينا - إشفاقا من أن تلهينا عنها ملابسات وظروف عرضية - أن نوليها الأولوية لأن فيها وبها مصير الأمة التونسية (*) .
