لقد مر أكثر من قرن ونصف على اول بوادر حركة النهضة التى انبثقت انبثاقا على اثر الصدمة التى احدثتها حملة بونابرت على الفكر الشرقى ومع هذا لم تصل الثقافة العربية الاسلامية الى المستوى العالمى ونحن نتصفح الآثار الفكرية الواحدة تلو الأخرى ولا نعثر مع الاسف على انتاج يضاهى روائع ما اخرجه لنا الفكر البشرى المعاصر . ونلوح بنظرنا من هنا وهناك فى الافق الثقافي فتجهرنا أضواء العبقرية ونعجب بقصة بروست فى فرنسا وبعظم ما بنته القصة الامريكية ونتردد فى الاختيار بين Tolstoi و Dostoiovski وبين Hemingway و Faulker ثم اذا تصفحنا الآثار العلمية فيا لتعدد الاسماء الساطعة والشخصيات اللماعة : freud و Jung فى العالم الجرمانى Bergson و Durkhein و Levi-Bruhli فى فرنسا kardiner وممثلو المدرسة " الحضرية " فى الولايات المتحدة وانا لظالمون لغيرهم ممن يدين لهم الانسان بتقدم حاسم فى معرفة التاريخ البشرى والمجتمعات البشرية و النفس البشرية . لقد عرف آخر القرن التاسع عشر قفزة فكرية لم تعرفها البشرية من قبل قط .
واذا قارنا ذلك بالنهضة العربية الاسلامية نرى فى هذه الاخيرة مجهودا لا يجحد وشخصيات لامعة وحركة وغليانا ولكن حركة اقليمية وغليان محلى وانتاج ضعيف من الوجهة المطلقة . ففضل النهضة فضل نسبى يبرز بمقارنة الاشكال الفكرية الجديدة بالعهود القديمة أى بالانحطاط المجحف المهول . والى الآن لم تتعد الثقافة العربية مستوى النهضة ولم تخرج من السبيل الذى سطرته لها هذه الاخيرة واكبر دليل على هذا ضعف سمعة الفكر العربى فى العالم الخارجى فالصحافة الغربية متفتحة الى كل ما يبرز فى العالم فهى تتكلم عن الروسيين امثال cholokov وعن Evtochenko وعن ذاك الفيلسوف المجرى الذائع الصيت George lukaks وعن الفلاسفة الاسبان الاجلاء أمثال unamuno وحتى عن الافريقيين . أليس الغرب هو الذى اشاع ذكر kafka وهي تشيكوسلوفاكى يكتب بالالمانية ؟ ألم يشغف الناس بالغرب بشعر Tagore الذى أبرز بابداع صورة ما فى الشعور الهندى من معان خالدة ؟ لا حقا ليس الغريب هو المتآمر مآمرة الصمت على الانتاج العربى فان
حركه الترجمة فيه قوية جارفة كما ان الشغف متزايد بآثار الشعوب الاخرى بعدما تقوضت فكرة تفوق الجنس الاوروبى بفضل مجهودات الانتروبولوجية والعلوم البشرية . حقا قد تظهر بين حين وآخر بعض الاسماء وأخص بالذكر اقوى شخصية فكرية عرفها العالم العربى المعاصر وهو طه حسين الذى يعد بحق فكرا عالميا أو شخصية اخرى لا تقل عنها قيمة واعنى محمد اقبال ولكن الظلام منبسط على الاخرى . لا شك بأن هناك اسبابا موضوعية تفسر الضعف الكيفى للانتاج الثقافى العربى الاسلامى منها التخلف وقلة عدد الجمهور المثقف ولكنها غير كافية . ان للمثقفين بذاتهم مسؤولية عظمى فى هذا الامر لقلة طموحهم وقلة تفتحهم للانسانية العالمية ولاستكانتهم بل وكسلهم وفقدهم للمثل الفكرية العليا . والاسباب الموضوعية هي بالخصوص أسباب تاريخية فتلك الصدمة مع الغرب التى عرفها الشرق فأيقظته من سباته العميق لم تكن مع الاسف صدمه قوية فالشرق العربى لم يعرف الاستعمار المباشر وهذا بدون شك من حسن الحظ الا انه من الناحية الثقافية لم يمكن نخبة الشرق من التعرف الحقيقى بالفكر الغربى . فكانت الصلة مع الثقافة الغربية صلة مبتورة مغالطة سطحية . ولهذا نلاحظ دوما تأخرا Depasage فى هضمه للثقافة الغربية : فقامت مثلا حركة ترجمة عظيمة أيام النهضة ولكن لم يترجم الا لكتب لم يعد لها اى صدى فى الفكر الغربى فأذيعت فى الجمهور كتب فرانسوا كوبى ولم يتكلم عن Bolzac ولا عن Flaubert وعلق اهتمام كبير بسخافات Bernrdin de saint - pierre ونواح لامارتين ولاذكر لـــــ Baudelaire ولا لرنبو والأمر أخطر كثيرا من الناحية الفكرية البحتة فقد آنبنى النقد الادبى وأهم ممثليه طه حسين على أفكار taine و Jules lemaitre وعلى النقد المتطرف وقد صارت بعد هذه الطريقة منبوذة مطروحة
ويزداد هذا التأخر خطورة عند النظر الى التيارات الدينية والاجتماعية فالحركة السلفية قامت على ابداع جهاز دفاعى للروح الاسلامية عماده الرجوع الى المنابع على غرار الحركة البروتستانتية فى القرن السادس عشر . ثم انها ارادت التوفيق بين الاسلام و " العصرية " بارجاع كل المبتدعات العصرية عقلية كانت أو مادية الى الاصول الاسلامية فحذا هذا بالشيخ عبده الى عمليات تأويلية هى بمثابة الجيمناستيك العقلى . وتمادى الجهاز الدفاعى على هذا النوع البسيط فى حال ان الحركة الكاتوليكية فى القرن التاسع عشر قفزت بالتفكير الدينى قفزات عظيمة الى ان ظهر أعلام الفكر المسيحى فى أوائل القرن العشرين أمثال Blondel ثم من بعد Mounier
ان التفكير الدينى الاسلامى الحالى هو شكل من اشكال السكولاستيكية الجديدة Neo-scolastique المبنية على التفكير العقلى البحت والاحتجاج ملح الى جهاز فلسفى يصالح مصالحة نهائية بين حاجات النفس البشرية
المعاصرة بما فيها العلم وبين الروح الدينية بل يجب ان تتبدل نظرة النخبة جملة الى الدين : فالدين لا يعارض العلم الا ظاهرا كما ان تعصير المؤسسات الاولية لا يعارض المبادئ الدينية الا ظاهرا . الدين شىء متكون وخلق مستمر وهذا لا يعنى نبذ التراث القديم - فقد اظهر النقد الحديث مثلا ان فكرة المسيح تاسست بعد خمسين سنة من موت عيسى وانها تركيب من الشعور الدينى Une construction de I' affectivite religieuse وهذا لم يناف أبد تعلق المسيحيين بايمانهم بالوهية المسيح التى هى نظرتهم التاريخية لها من المقاومة ما لكل واقع ماديا كان او معنويا . فيقال لرجل غير معترف بالوهية المسيح ينقصه المعنى المسيحى II n'a pas sens du christ كما يقال للملحد الكامل ليس له معنى الله . ويمكن للانسان ان يعترف علميا بتأسيس فكرة المسيح ، وان يكون له المعنى المسيحى فى الآن نفسه لان هذا المعنى فى مستوى نفسانى آخر . ومن الرجال من له معنى الاسلام Le sens de I'Islam وهو بعيد عن الاشكال التقليدية والعكس بالعكس . والاسلام تركيب جبار متنوع منطو على عدة معان فقد تتغلب على المسلم نزعة النبوة فيكون له معنى النبى أو يكون له معنى الله أو يكون له معنى الاخوة الاسلامية وقد قيل فى " سارتر " ان له معنى الله بالرغم من ان انتاجه فاقد لله بل لان انتاجه لا يعرف الاله ذلك ان فقده وألم فقده معبر عن شعور نضاح بالالوهية . وقد لاقيت مصاعب متعددة فى افهام تلامذتى بكلية الشريعة فى دروسى الخاصة بتاريخ الاديان وجوب تقدير الديانات البشرية القديمة والخروج من النرجسية الاسلامية . فالدين المصرى شىء عظيم والقرطاجنيون اذ هم يرمون بأبنائهم فى النار تقربا للالهة انما يفعلون ما يفعلونه شعورا نضاحا منهم بعظمة الله . وما معنى الشعور الاسلامى القوى بالنار سوى تعبير عن نظرة اسكاتولوجية عميقة . لا يمكن للمسلم العصرى لهذا ان ينبذ الاشكال والطقوس الدينية لانها رموز عن معان داخلية ولكى لا يفقد معنى الاثر القديم : Le sens de la tradition ولكن المسلمين بالغوا فى الشعور بالاثر وقوة مثولية السلف الى حدود الشكلية الزائفة . وليس المجال هنا لعرض نظرية في تجديد الفكر الاسلامى انما المقصود ابراز المشاكل الثقافية العربية .
ولعل اتصال تونس المباشر بالثقافة الغربية من بين بعض المخلفات الايجابية للاستعمار وسط جملة المظالم والمخلفات السلبية . اتصال مباشر دون تفقد تراثها العربى . وهذه الوضعية الاستثنائية تؤهلها الى النهوض الحاسم الحقيقى بالفكر العربى . ولعل اهم الأثار فى العلوم الانسانية ستظهر هنا فى هذه الرقعة من البحر المتوسط لان نخبتنا من العلماء الشبان ورثوا عن الغرب موضوعيته وطرقه وطفقوا يطبقونها على تراتهم مشاكلهم الا ان الحل لازم للجمع بين العنصرين : الغربى والشرقى . فكثير من الغربيين (I) فاقدون للمعنى الاسلامى او حتى للمعانى الروحية بصفة
عامة ولهم نزعة الى الحياة خارج واقعهم التاريخى فلا يهتمون بالحياة الفكرية العربية او القومية ويظهرون شيئا من الاحتقار الى كل ما طبع بطابع الاسلام " والشرق " والطابع العربى وليس هذا بحل كما هو ظاهر . اما " الشرقيون " فهم أبعد الناس عن الموضوعية وطرق الفهم العصرية ومغلقون تماما للتيارات العالمية وهم يعتمدون على الكتابات الشرقية وهى ضعيفة الا ما قل منها وندر فالحل الوسط هو ان ينشط " الغربيون " منا نشاط " الشرقيين " وأن ينفتح هؤلاء تفتح اولائك للثقافة الحقيقية . وان دور تونس عظيم وهى بدون شك أمل الفكر العربى الاسلامى فى المستقبل

