الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

استجواب، أنا مسكون بعشق الشعر ..فقط !،

Share

كثيرة هي الأسئلة التى تشكل - على ساحة الشعر العربى - نفسها بنفسها فى حدودها اخراجا وطرحا ، تركيبا وتعبيرا وكأنما هى لا ترغب في العبور الى غيرها للحصول على الجواب  .. وبالرغم من ذلك سأحاول أن اصنع لها حوابا إن لم يقنع الآخرين فهو ، على الأقل ، يقنعني في هذا الآن على الأقل .

نحن اليوم في حاجة - أكثر من أى يوم مضي - الى صنع الجواب ,, وصنعي للجواب لا يكون عن طريق ) الكلام ( وانما عن طريق الممارسة يكون  ,,وليست ممارسة صنع الجواب عندى الا كتابة الشعر ، ولا وجود لشعر عمودى ,, وشعر حر .. وشعر نثر,, بل هناك ) شعر ( أو )  لا شعر ) ,

والشعر اشكالية معرفية تقع فى نقطة التلاقي بين جاذبيتي  : العلم ، والفن ، فالشعر فن علمي ,, وعلم فنى ,, وهو واقع حالم ) ابستميا ( باعتبار أن الحلم اجهاز انسانى على مضائق المقولات العلمية وجفافها ,,وهو ) أى الشعر ( حلم بالمتوقع فى مجالات لا تتسع لها غير تلك الاشكالية المعرفية بين الفن والعلم ,,

فلا فرق عندى بين الشعر والنثر غير ما كان فارقا بين ) القلب ( وبين ) الجسم - البقية )  من شغاف ,, إذ الكتابة جسم حى والشعر قلبه النابض بمقدار ,, الساكن بمقدار ,, ضمن تنظيم كوني دائم لذلك الجسم  ,,فما إن  يختل نظام النبض أو نظام السكون فيه حتى يفقد القلب توازنه فى حد ذاته كقلب ويفقد - تباعا لذلك - الجسم تنظيمه الكونى فيتلاشى ,

الشعر قلب الكتابة بمقدار ينبض وبمقدار يسكن ,, فتكون السكنة فيه محور الحركة الشعرية حين تكون النبضة فيه أشعة للهدوءات الشعرية التى

تحوم حول المحور وترسم معه فى تحويمها الكلمة الحية ايذانا بميلاد القطر الشعرى ) الجملة ( الموحية للقارئ بالترتيل الأسمى والانسياب الأعمق والتدفق الزاخم باتجاه مرتفعات الأوج الانسانى المتعطش دوما الى الصحو .. الى الارتفاع بالنفس البشرية عن منخفضات الوجع القاهر الذي يتملك الانسان - الانسان عند احساسه بالتدني والانحدار . . فيحاول الافلات من الضائقة الى الكون الأرحب لصنع صفاء الانسانية وهو القادر دون سواه على تغمد ( الرذيلة - الظلم - الابادة - القاذورات - المادة - العوج - القبح ) بالالغاء .

فلا يجيء - اذن - الشعر - ولا أقول الشاعر - الا مبشرا ] شرائح القنوط الاجتماعى واليأس المصيرى والوقوف تجاه الهاوية عالميا [ بالقدرة والارادة على أن نفتح - بالرغم من أبواق الانذار - شفاه الامل ، وان نعيش حياتنا مشدودة عيوننا الى كوة من الضوء الضئيل فى باب الحق والعدل والجمال تدخلنا منها فاتحة الرجاء لتحل القفل وترفع المزلاج عنا فنشرع البوابات على فضاء رحب يدعونا هاتف منه : أن ادخلوا برزخ السلام  ..فليس فى الوجود حق كالحياة ، وليس الموت فناء وانما عبور الجسر القائم ما بين حق الحياة وحياة الحق . .

أما كيف تتولد عنى القصيدة ؟ وبماذا أبالي فى تكوينى لها ؟ وكيف تعهدها ؟ ) 1 (  فكل هذه .. وغيرها من الاسئلة لا أفكر فيها أثناء تكوين الجنين،  فالرحم تحمل الجنين . . ويتشكل الجنين فيها . . ويأتى المخاض ويكون الوضع ويتم الصدور النهائى دون ان يكون للوالد دور فى كل ذلك غير اختيار الام كم كموضوع ( 2 ) إذا كان له حق الاختيار فى عصر قد يفرض عليه او يأكل من واقعه دون ان تترك له الاحداث وسرعة توالدها مجالا لانتهاج . دروب الافضلية شأن كل ادب واقعي  ,,غائص حتى الهاجس فى خضم الواقعية انطلاقا من الحدث اليومى الى الحدث التاريخي مرورا بقضايا وهموم الانسان العربي وشمولا للهم الانسانى وقضاياه الكبرى . .

أما اللغة (3 ) فالرصيد الثقافي والبعد الوجودى للغة الشعرية بشحناتها المعدومة فى العادية لدى الشاعر باعتبارها افصح وسائط التبليغ وأفسحها لحضور الشاعر فيها .. كل ذلك وغيره يتدخل فى تأسيس خلايا القصيدة وبناء انسجتها  .. كما يتدخل عالم المحسوسات والخيال فى تشكل الصورة الشعرية التى لا تدرس - كما يقول " باشلار " بالاعتماد على قواعد فلسفية لأن ذلك يعرقل ابراز الواقع الجوهري للصورة التى تنبت فى ,, وتنبت من كل الخلايا والانسجة والتشكيل التصويرى " الطاقة الحيوية " للقصيدة التى هي ( الايقاع )  وبدونها يكون الشعر العربي ) كمعمار متميز عن غيره ) هادما لمقوماته هو بالدرجة الاولى وهامدا لا حياة فيه لفقدانه مقومات التحرك الحسى والسكون الواعي .

ثم انى كشاعر ..او كمسكون بعشق دائم لكتابة الشعر .. هل تهمنى  حين امارس كتابة القصيدة هذه " الدياحركية " (4 ) وتلك " الفضائحية " ؟ (5 ) وهل يهم القارىء - أيضا - غير قراءة القصيدة الجيدة !؟ القصيدة التى تأخذ القارئ العابر للحضور وتأخذ القارىء الحاضر للظهور ..وتأخذ القارئ الظاهر الى القارئ القادر = المؤسس .,

وهذا " التأسيس " هو الذى نفتقده على طول وعرض الساحة الادبية بتونس على الاقل . . حتى إذا وجد فهو قليل جدا وقد نتسلى عنه بوجود القارىء الظاهر,, اما القارىء الحاضر فهو الذى يظهر بحدة ,, ويبرز بحانب الموجة الابداعية المتقدمة كما تظهر على جانبى الحوت الكبير زعانفه وزعانف الحوت ضرورية فى تحرك ذلك الحوت لتتم له السباحة فى خضم الامواج الابداعية العارمة على امتداد موطن اللسان العربى ., ولسنا في غني عن اى نوع من هؤلاء القراء الا اننا فى حاجة اكيدة للقارئ الظاهر ] بمعنى غالب [ وفي حاجة أوكد للقارئ القادر = المؤسس . ولبسط أنواع القراء الماثلين على الساحة الادبية بتونس ارى ورأيى قابل للنقاش .

1 ) القارئ العابر : هو الذي لا يهمه ان يفهم ) لا البياض ولا السواد) (6 ) فى الكتابة الشعرية بل ولا يهمه الشعر تماما الا من خلال اعتراض القصيدة له فى معابر قراءاته التسلوية وقد لا يقرؤها حنى إذا قرأها فما ذلك الا مرورا بصفحات كتاب ما بين يديه او اعمدة جريدة ما قد لا يكون اشتراها تماما . . أو اشتراها لصفحات الرياضة او لركن قضايا ومحاكم او لخلاعة فيها تغذى نازع جوع ما يحمله ذلك القارئ وهذا النوع من القراء لا نهمه نحن كما لا يهمنا هو ! .

2 )  القارئ الحاضر : وهو الذي يريد ان يكون ناقدا (  واثقا من نفسه ) ولا يهمه أوثق به الآخرون - بما فيهم المنتج الادبي - أم لم يثقوا به ! ؟ وانما المهم عنده ( الحضور ) فى أية صحيفة ولو كانت تضرب فيه انتماءه فمثل هذا النوع من القراء كثير وعدم المبدأ له مبدأ ما دام عدم المبدأ بفسح له المجال للحضور على الساحة الثقافية ويسره ان يذكر اسمه حتى بما يكره .

ولا هم له غير الظهور تحت أضواء البيانات والتنظيرات واضعا ذلك فى المكان العزيز من اهتماماته وبما أن البيانات خاصة برجل السياسة فهو يريد أن يمارس السياسة من خلال النقد الادبي .. وقد لا تخص التنظيرات غير رجل النقد ولربما ظهر هو صوالا جوالا ظانا انه سيقطع تضاريس الفراغ النقدى وجبال الانتقاد وقمم الاطراءات الممتدة كلها فى سسلة التهميش حيث نرى ( ناقد ) اليوم اذا تكلم فضجة بذيئة تقابلها اطراءات رديئة او اتهامات وقدح مقابل تملقات ومدح - والفريقان كلاهما مخطئ - فهل يجدى التملق او ينفع التهجم ! ؟  كأن يتهجم هذا أو ذاك على ذلك الشاعر الواعد متهما اياه بالسرقة بأدلة أقل ما يقال فيها : انها ( ضعيفة ) . أو أن يتحامل على شاعر آخر بسبابته قائلا له : " أتعبت الشعر وأتعبتنا ! " وهل يتعب أى قارىء من أى شعر كان اذا لم يكن ذلك القارىء متعبا مسبقا لمرض تأصل فيه أو لعلة ما تجعله مسكونا بالتعب الدائم فأنت ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ! ؟

3 ) القارىء الظاهر : وهو الذى يريد ان يكون ناقدا ( بطريقته الخاصة ) ويعمل جاهدا على أن يجعل الآخرين يثقون به وبما يكتب .. وهو قادر

-فعلا - على ان يمتلك ثقة الآخرين فيه - بما فيهم المنتج الادبى - وهذا يهمنا وجوده ونعمل على ان يكون موجودا على ساحتنا الثقافية وان كان وجوده عزيزا نوعا ما . ..

4 ( القارئ القادر : وهو القارىء المؤسس القادر على جعل الآخرين يثقون فى أنفسهم حتى قبل وثوقهم فى آرائه النقدية .. ومما يمتاز به هذا القارىء المؤسس انه لا يهمه - حين ينقد - ان يثق به صاحب الاثر المنقود بل المهم عنده والاهم ان يثق المنتج الادبي في نفسه بالدرجة الاولى لانه المقصود الاول من عملية القراءة النقدية المؤسسة ويبدو لى ان عبد السلام المسدى والمنصف وناس هما من ابرز النقاد المؤسسين على الساحة الادبية بتونس . لانطلاقهما فى كتاباتهما النقدية من قناعات علمية بفن النقد الادبي ولامتلاكهما قدرا ذا بال من اساليب ومنطلقات النقد الجاد شكلا ومضمونا ,

وعودة الى الاسئلة وبوصفي من المسكونين بحب الشعر اعتقد ان الشاعر حين يمارس عشقه فتلك الممارسة هى الاجابة المطلوبة حقا منه ..

ثم ان الظاهرة الصحية التى تصمد على سطح الموجة الثقافية ببلادنا اليوم هى تكاثر الشعراء الشبان وتواردهم بمجموعاتهم الشعرية على امتداد الساحة وبمختلف اشكال وطرق النشر ، من النشر على النفقة الخاصة الى النشر في نطاق التعاون مع " الاخلاء " التى ما كان لكثير من الكتاب ) الشبان خاصة ) ان يروا كتاباتهم ترى النور لولاها . . الى النشر فى الدور الخاصة والعامة وفي الداخل والخارج وهذه ظاهرة فرضت وجودها على الساحة لتلقم الصمت واللامبالاة حجرا صلبا . . ولتقول للمرضى باللهاث  : زيدوا لهاثا وراء السيد الابداع  ,,ولن تلحقوا به لانكم متعبون مسبقا . .

المتعب يظل يركل الارض بأقدامه فى مكان واحد وهو يحسب انه يتقدم ولا يتقدم الا سواه لانه المتعب..  وقد أشار الاستاذ محمد مزالي في مقدمة " شواطئ العطش . ص 9 " الى ذلك النوع من المتعبين : " الذين يظلون يضربون بالخطو في مكان واحد ، يركلون الارض وهم يظنون انهم يتقدمون " ,

فإذا كان الامر على هذه الصورة ، فينبغي-  كما قال : اخوان الصفا - ان نشغل انفسنا باصلاح الشيوخ الذين اعتادوا الفساد والرداءة ,,انهم يتبعون ولا ينصلحون .. وان صلحوا لا ينفعون . . ولكن علينا بالشباب الذين نبذوا الهوى و ( العصبية ) والجدل  ,, ولكنوا الى الحق ..

والشعر هو ممارسة ) الحق والجمال( . ونبذ ) القبح والباطل ..) ومن القبح والباطل ان ندعي اننا اوفينا المبدع الفنان حقه عندما نغمره بالكلمات فجا كانت او رصينة ,

فمهما حاولنا بالكلام ان نعايش المبدع لحظات ابداعه وهنيهات الخلق عنده فلن نصل الى تقمص لحظة منها او هنيهة من حالات العطاء التى تتوهج حرارة الى درجة يعجز الوعى عن الاحاطة بها لا لكونها خارج الزمان بل لكونها تخرج عنه اذ هي البرهة - الدفق الوجيزة من عمر الزمان المديد والدهر الضارب في القدم  ..والبرهة هذه جديدة متجددة مع كل حالة من حالات الابداع ولذلك فتقنينها وتحديدها والتنظير لها يسلبها فاعلية التوهج والاشراق وهذا ما يجعلني لا اتماشى ان لم ارفض الذهنية السائدة التى تقول بالبحور الخليلية قيدا للشعر.. كلا .. الشعر لا سلطان لاحد عليه ) 7 ( ولا باستطاعة بحر ) الخليل ( ولا بحر ) العدو ( ان يقيده . . الا ان ايقاع القصيدة العربية - ان كنا نريد ان نكتب القصيدة العربية - وارد فى كتابة الشعر العربى ولا مجال للتفلت منه الا اذا اردنا ان نكتب قصيدا مترجما عن لغة اخرى غير العربية فيكون بالتالى تقليدا للمستورد من فنون دخيلة من المفروض أن نفيد منها ولا نسمح لها بالتدخل الاستعمارى والاستيلاء على احدى ركائز حضارتنا العربية . والشعر العربى هو احدى هذه الركائز الهامة للحضارة فى جانبها الابداعى وفى أصالة ابداعها .

والاستعمار الثقافي نشاهده اليوم يستشرى ويعظم ليهشم غيره من الصامدين . . او ليبتلع غيره من الرخويين والمثل يقول : " لا تكن صلبا فتكسر ,,ولا رطبا فتعصر " ولذلك فأنا واحد من الصامدين فى غير تصلب ومن اللينين فى غير رطوبة ولا ارتخاء تجاه اية محاولة ترمي - تحت مظلة التجديد - الى تدمير شخصية القصيدة العربية وايقاعها ولا اعني بالايقاع (بحور الخليل ) .

فالبحر الخليلى باعتباره حيزا ذا مواصفات اطارية فهو يأخذ من هنا شكل القيد خاصة عند الشعراء المبتدئين خاصة الا ان إطاره يتساقط عند الالتحام بالمعاناة داخل تحركات اللغة العربية وسكوناتها

فيتلاشى عنه الحيز عند التمكن من ايقاعاته كحر ولهذا يبدو لى ان البحر الخليلى قيد للشاعر وليس قيدا للشعر . . فالشعر عندما يكون شعرا لا يصده عن الانسياب او بكلمة أدق : لا نفقده الوعاء خاصية الإنسياب فيه . اما إذا استحال الشعر شكلا جامدا فلا ينساب الجامد ولو كان خارج الوعاء ,,وبما ان الذى يحاول ان ينساب شعرا يخاف من ( الوعائية ) ومن خافها بقى خارج الوعاء ظانا ان بقاءه خارج الوعاء يسمح له بالانسياب وهذا خطأ فادح لمن هو انسيابى بطبعه أما الذي يفتقد هذه الطبعة فلا انسياب له مهما حاول ,

وكل هؤلاء الذين يكتبون ) النثيرة ( ويدعون انه : الشعر . هم إما عجزة عن كتابة الشعر أو هم يجهلون تماما مقومات الشعر العربى ، فهم - إذن - يطورون النثر ويتقدمون به الى مرتبة الشعر ,, فهم بذلك ناثرون ممتازون وليسوا شعراء .. وأهل مكة أدرى بشعابها وأنا ابن تلك الشعاب ,,ومطلع على عجز هؤلاء الناثرين عن الشعر داخل أوعيته الدموية ,

هذا بالنسبة للوعاء - بحور الخليل - اما الايقاع " ايقاع الشعر الحر " فهو مساحة تمتد شسعا بامتداد ارض الله وفضائه الرحب ورغم ذلك الامتداد وتلك الرحابة فالارض لها حدود والفضاء له حدود والشعر الحر له حدود غير حدود بحر الخليل لانه ( الشعر الحر ) يتجدد ايقاعا ولا يتجدد بحرا ومن التجدد الايقاعى تنشأ الموسيقى الشعرية فى " الشعر الحر" وتنتفي تلك الموسيقى فى " قصيدة النثر ..." وان كان للنثر شفقتيه وجماله وابداعه وفضاؤه الحر خارج الايقاع الخاص بمواصفات الشعر العربى طبعا .

على هذا الارسال الضوئى أقول : كل شعر يجب ان يكون ابداعا ولا يجب ان يكون كل ابداع شعرا . كما انه كل نظام هو قانون وليس كل قانون هو نظام ولذلك كان نظام الكون منذ ملايين السنين قائما - في دوام - أزلا وابدا ولم يدم اى قانون مهما طال امده لانه قانون يتغير بتغيير شرائح واضعيه ,,

وهكذا يظل النظام الكونى - لانه من ماهية الكون - دائما.. وكون الشعر العربى له نظام هو من ماهية اللغة العربية نفسها لاعتمادها على " الحركونات " التى لا وجود لها بتلك النمطية فى غير اللغة العربية , ولكل لغة نمطية تحركها وسكونها ولم يكن الخليل هو الذي وضع بحور الشعر العربية كما يعتقد البعض . اذ الشعراء العرب القدامى هم الذين

صدروا عن ماهية اللغة العربية فى كتابة شعرهم بما لهم من رهافة تحسس للغتهم ودور الخليل لم يتجاوز كونه وضع قانونا مستقى من تلك الشرائح العربية وهم الشعراء الذين هم انفسهم استقوا ايقاعات قصائدهم من ماهية  اللغة العربية نفسها باعتبارها نظاما دائما ما دام للعربية لسان ينطق بها ولن يقدر ذلك اللسان ان يستعمل فى نطقه غير " الحر كون " ,

" الحركون : هي الحركة والسكون فالشعر لا يكون عربيا ان لم يتحرك بمقدار معين ويسكن بمقدار معين كالقلب . . ولا حياة لمن تحرك بلا مقدار وسكن بلا مقدار فكل حياة مهما كان نوعها تنتفي عنها الصفة الحياتية اذا استمرت بذاتها فى الحركة - كالشمس فى دورانها المستمر - او ركنت للسكون بذاتها - كهذه الطاولة فى جمودها المستمر - اما هذا الانسان وله الصفة الحياتية - كأول موجود واع بحياته - فهو يتحرك بمقدار ( فاذا تحرك باستمرار مات ) و ( مات إذا جمد باستمرار ) لانه فقد الروح ، او قل : فقد " الطاقة الحيوية " والطاقة الحيوية للشعر العربى - ولا يهمني غير العربى هى " الايقاع " وكل شعر خلا من الايقاع خلت الحياة منه ليصير نوعا آخر من الكتابات غير الشعر ,

ولهذا يظل الذين يمتلكون " الطاقة الحيوية " للشعر العربي هم صناع الاضافة ضمنها . . اما الاضافة خارجها فهى اضافة ولا نهملها وانما نعتبرها اضافة جادة لغير الشعر العربى قد نسميها : مشاعر - ابداعا - قصيدة نثر - فى غير الشعر والنثر - أو اية تسمية أخرى غير ( الشعر )

أما عن توظيف الاسطورة ( 8 ) فهو فى حد ذاته - ممارسة غير حديثة لأن القناع مستعمل من قديم الزمان إما لتأكيد هيبة المقنع أو للهروب من المتلقي أو عملا بـ " الشوق ينقص حين يرتفع الستار " وقد يكون فى ذلك التوظيف نوع من الاسقاط لما هو مسلم به تاريخيا أو اجتماعيا أو ثقافيا أو سياسيا باعتبار أن بعض تلك المسلمات صادرة عن قناعة جماعية لها مفعول الحكمة أو فاعلية الاعتبار بما كان ماضيا فى حدود صلاحيته حاضرا ومستقبلا . وكل أشكال هذه التوظيفات تكون للشاعر بمثابة تأشيرة حضور فى ضمير عصره إذا كان منطلقه منها لا غاية له غير ذلك الحضور الفاعل ,

وليس بين توظيف الاسطورة والغرابة (9 ) فى الشعر أسوار حديدية تمنع التوظيف من أن يكون غريبا أو تحجر الغرابة من أن تكون توظيفا إلا بقدر ما

يكون الشاعر واعيا بمسالك التبليغ باتجاه المتلقي فما يكون عند هذا المتلقى ( غرابة ) قد لا يكون فى نظر غيره سوى ( توظيف ) له مفهوم عنده يبلغ به مستوى من الفهم الذاتي ما يجعله يحس بـ ( الاشراقة ) التعبيرية أو التصويرية فتكون لديه ( الغرابة ) بوابة كبرى للتصور الشامل والتلقي العميق فاذا هو فاتح البوابة على مصراعيها واذا مزلاج الغرابة يفتح وروده على شفاه مزهرية تستوطن نوافذ الابداع ..

وما دام ذلك التفتح وتلك النوافذ يظل الشعر بمنجى من الهلاك لان العين الانسانية - وانت تنظر فيها - مسكونة بالغموض الجميل ولا يحتجب جمال ذلك الغموض الا حين تتغمد الاجفان العين بالاغماض وبمجرد أن تنفتح الاجفان يعود غموض العين الى جماله من جديد .

وكلمة أخيرة لفت انتباهى لها السؤال الاخير (10 ) . ان اخطر شاعر - على الشعر - على الاطلاق ! هو الشاعر الذي يجعل ( الايديلوجيا  ) التى ينتمي اليها - ولكل ايديلوجيتة - هي التى تملى عليه ) شعره وقلت : ( شعره ) تجاوزا ، لان الايديلوجيا لا تملى ( شعرا ) وانما مقالا سياسيا وصرخات شعاراتية ولقد اشتبه على الكثير ( الشعر بالشعار) وشتان بين ( الشعر )  و ( الشعار ) وان كانت حروفهما واحدة فى اللغة العربية الا ان مدلوليهما ومضمونيهما على خطى نقيض تماما ,, لهذا أرى أن الشعر لا يهتم بالايديلوجيا وان كان يحركها دون تدخل الوعى منه فيها بينما الايديلوجيا تهتم بالشعر وان كانت لا تخدمه عن وعي منها ,, ولعل من هنا كان موقف الشاعر الفرنسي الشهير عاشق " ايلزا " لويس أرفون  < Louis ARAGON <حين طلبوا منه ان يكتب شعرا عن الشيوعية فاجاب : اكتب مقالا,, دراسة,, بحثا ,,اما ان اكتب ) عنها ( شعرا فلا . ولعل هذا كان منه بعد عودة الوعى له بالشعر الحق ، الشعر الذي يرفض أن يكون حمال لوافت وطلاع شعارات ومناوئا لذات المناوأة التى بها قد يصل بصاحبه الى تحقيق مطمع يفضى به الى مطمع فاذا الاطماع بينه وبين الشعر تقف شامخة واذا هو ناظم دعى أو ناثر يدعى الشعر !

اشترك في نشرتنا البريدية