نص الاستجواب
عندما عزمنا على اصدار عدد خاص بالشعر التونسي الحديث متكامل الملامح من دراسات حول المضامين والاشكال الى النماذج الشعرية . اعلنا عن ذلك في الابان وفتحنا الملف طويلا لجميع الاقلام التونسية ووجهنا استجوابا الى فريق من الادباء والشعراء والكتاب والنقاد ناف عددهم عن الخمسين . وننشر فيما يلى نص اسئلة الاستجوابات وتليها كل الاجابات التى وصلتنا منوهين بمجهود كل من تفضل بالاجابة
هذا نص الاسئلة التى تضمنها الاستجواب :
1) الشعر التوسى الحديث بدا مع امثال أبى القاسم الشابى ومصطفى خريف والطاهر الحداد وسعيد أبى بكر والشاذلى خزندار وغيرهم . هل الحداثة فى شعر شعراء تونس مرتبطة بحداثة الشعر فى العالم العربي أم هي منبثقة من الخصوصية التونسية
2 ) ما هى أهم خصائص هذه الحداثة شكلا ومضمونا ؟ وهل كانت تنبئ بمستقبل زاهر للشعر التونسى ؟ وهل ان الحداثة فى رأيك في المضمون فقط أم الشكل فقط أم الاثنين معا ؟
3 ) هلا ترى ان سلطان الشعر كان أقوى فى هذه المرحلة من المراحل التى عقبته . ام ان دور الشعر فى تونس بقى هزيلا الى جانب دور النثر لماذا ان كان ذلك ؟
4 ) هل مر الشعر التونسي الحديث بمراحل ؟ وبعبارة أخرى هل تطور وفي أى اتجاه ؟ ما هى اذن هذه المراحل وهذه الاطوار ؟ .
٥ ) هل حافظ الشعر التونسى فى سيره على خصوصيته وظل رافدا للشعر العربى تأثيرا وتاثرا أم ابتعد عن الواقع التونسى ولم يتفاعل معه ؟ .
6 ) ما رأيك في حاضر الشعر التونسي اى شعر ما بعد الاستقلال ؟ هل أدى دوره الخالد أم لم يقدر على ذلك ؟ ما هى الاسباب فى الحالتين ؟
7 ) من هم الشعراء الذين استجابوا فى اعتقادك الى مفهومك للشعر ومن هم الذين لم يستجيبوا الى ذلك ؟
8 ) ما هو مستقبل الشعر التونسى فى رأيك ؟ هل سيحقق ما تنتظره منه أم لا ؟ ما هى الاسباب فى الحالتين ؟
1 جواب الاستاذ : أحمد القديدى
1 ) الشعر التونسى الحديث نشأ فعلا مع أبى القاسم الشابى ومعاصريه ، ولم يرتبط فى هذه النشأة بالشعر المشرقى بمفهوم التاثر ، لكنه ارتبط به بمفهوم وحدة الهدف ، فقد كان الشعر العربي مشرقا ومغربا متحد الغاية اى نيل استقلال الشعوب العربية . ولا نبالغ ان قلنا ان ابا القاسم الشابى كان اكثر عمقا وأبعد معنى وأخطر وقعا ممن جايلة من شعراء المشرق ، فأدبه تونسى عربى ، بمفهوم ان ارادة الحياة فلسفة تونسية صميمية نجد جذورها لدى أدباء تونس فى تاريخ ما قبل الفتح الاسلامى ، ثم لدى أدباء الغرب القيروانين ابن رشيق وابن شرف والحصرى ( فى أدبه الملحمي : اقتراح القريح . ) ثم لدى ابن خلدون المفكر وبعد ذلك لدى الشابى
المدرسة التونسية الشعرية تتميز كما اسلفت بالنفس الملحمي وهي ظاهرة غريبة عن ادب المشارقة ، فشعر الشابي مثلا كله قصيدة واحدة ملحمية بدأ يكتبها من سن الثامنة عشرة وانتهت بوفاته الا ان الهيكلية التقليدية للشعر العربى فرضت عليه كما فرضت على جده أبي الحسن الحصرى تقسيم الملحمة الواحدة على ما يسمى عادة وعرفا بالقصائد . فالملحمة هي التي تطبع الشعر التونسى منذ نشأته الى حداثته
3 ) صحيح ان الشعر التونسى لم يواكب حركة التحرير بقوة ما عدا الشاب فى مفهومه المطلق وهو المتماشى اكثر مع طبيعة الشعر وما عدا الطاهر الحداد ومحمد العيد الجبارى ومحمد الشاذلى خزندار . فقد ظل هامشيا ، وبعد الاستقلال ولد شعراء عانقوا قضية بناء حضارة شعب وتحدثوا عن اكثر
القضايا الحساسية فى العالم : فلسطين فيتنام ، حروب التحرير الافريقية . ومنذ عام 71 الى اليوم لا شئ يذكر ، فالشعر اتصف بالغموض وأصبحت بصراحة لا افهمه ولعلني أنا الذى لم اتحرك فى اتجاهه لافهمه ، فأنا ذو تكوين تقليدى قرأت أمهات الكتب من الصعب أن أستسيغ الغموض والاشارة
4 ) مر الشعر التونسي بأطوار معلومة ، فهناك ما يسمى بطور الشابي الذى انفرد فيه هو بقوة شعره واتساع ثقافته وشدة وعيه ثم تلاه الطور الغنائى الذى برز فيه مصطفى خريف ثم مع الاستقلال الطور الرومنسى الاجتماعى المتحرر الذى برز فيه شعراء أمثال محيى الدين خريف والميدانى بن صالح وجعفر ماجد وعبد العزيز قاسم وتيار غير العمودى والحر على أيدى الزناد والهمامى والتيار الاجتماعى لدى المنصف الوهايبى ومحمد الغزى وحسن المؤذن وكان لمجلة الفكر وللملحق الثقافي لجريدة العمل اثر بالغ في بلورة هذه التيارات وايجاد مدرسة شعرية ثرية وناضجة ، بدأت تتقلص منذ سنة 71 الى ان وصلت درجة الصفر او ما يعادلها ما عدا بعض الاصوات الفريدة أمثال الصادق شرف ( أبو وجدان ) والمختار اللغمانى ونور الدين عزيزة ومحمد أحمد القابسي.
5 ) الواقع التونسى موجود فى الشعر التونسى ولعل هذا الشعر لا ينشر ولا نقرؤه ، فأنا لا استطيع الحكم الا على ما أقرأ ، فلا ذنب لى اذا لم أطلع عليه . فهناك اعراض غموض وهروب من الواقع فيما تقرؤه منشورا .
(6و 7 ) اعتقد انى اجبت عنهما اثناء اجابتى عن الاسئلة السالفة .
8) مستقبل الشعر التونسي فى أيدى الشعراء اذا ما عرفوا كيف يواجهون واقعهم بنضج ووعى . قهم مطالبون ان يكونوا فى الطليعة ، واعتقد ان جيل شعراء1960-1970 كانوا انضح واكثر وعيا ، فالقضايا التى طرحت في قصائد العشرية الماضية أهم وأعمق وأبعد أثرا مما نقرأ اليوم . ومستقبل الشعر التونسى هو قبل كل شىء التحرر من قالب الغموض الاجوف لاكتساح دروب الابداع ، كما ان مستقبله يكمن فى ثقافة الشاعر ، فلقد كاد يغمى على حينما اتصلت بأحد الذين يكتبون الشعر وقال لى انه لم يقرأ دواوين الشعر العربى القديم لانه " مجدد " الثقافة الثقافة الثقافة ولا ابداع الا لمن هضم تجارب الاقدمين وصبر وصابر فى مطالعة أدب الاجيال السالفة ، فكيف تتصورون شابا يكتب شعرا وثقافته تقتصر على بعض المجلات الشرقية الهزيلة المليئة بالكليشيات والقوالب الجوفاء
2 ) جواب الشاعر نور الدين صمود
الجواب عن السؤال الأول
- الشابي شاعر تونسى لكن مضامينه ذات طابع إنساني عام صالح لكل زمان ومكان
- وخزنه دار شاعر تونسي صميم ذو مضامين تونسية صرف فيها مطامح الانسان التونسي العربى المسلم الذى كان يتوق الى التحرر من ربقة الاستعمار ويحن الى الامجاد العربية الاسلامية التى حققها الاجداد
- والطاهر الحداد مصلح مفكر نائر لكن كتب شيئا من الشعر او النظم الذي يغلب عليه التفكير فلم يكن شاعرا بالمعنى الصحيح
- وسعيد أبو بكر شاعر اهتم بالمضامين التونسية التى عاصرها لكن لغته الشعرية كانت دون مطامحه الشعرية فكان معظم شعره مهلهلا من الناحية الشكلية
- وخريف ولد فى سنة واحدة مع الشابى 1909 وامتد به العمر الى الستينات فعاش الحرب العالمية الاولى طفلا . والحرب الثانية كهلا . وعهد الاستعمار وأيام الكفاح وأيام الاستقلال . وعرف طبيعة الجنوب وطبيعة الشمال فكان لكل ذلك اثره فى شعره . الى جانب المدارس الادبية التى مر بها من قديم ومحدث . ومشرقى ومغرب وعربى وغربى . ومحافظ ومجدد . . .
وهؤلاء الشعراء وغيرهم ارتبطت حداثة شعرهم بحداثة الشعر فى العالم العربى فى كثير من الاحيان فقد ظل الشعراء التونسيون فى العهود السابقة
يتأثرون خطى الشعراء المشارقة باعتبار أن الشعر العربي واللغة العربية آتيان من الشرق العربى فظ الادباء المغاربة يقتفون آثار الادباء المشارقة فى كل العصور تقريبا
فكلما ظهرت مدرسة أدبية فى المشرق تبناها الشعراء التونسيون فحتى المدارس الادبية التى يستوردها شعراء العالم العربي من أوروبا - التى هى أقرب الينا من المشرق - نأخذها عن شعراء المشرق ولا نأخذها مباشرة من الغرب . فمثلا عندما شاع المذهب الرومنطيقي فى الشرق متسربا اليه من الغرب وصل الينا عن طريق المجلات المشرقية مترجما فاعتنقه شعراء تونس بعد ما قرؤوه فى مجلات مثل مجلة أبولو وعلى أيدى شعراء هذه المجلة وقل مثل ذلك بالنسبة للمذاهب الادبية الاخرى
لكن الشعراء فى السنوات الاخيرة بدأت تنبثق حداثتهم من الخصوصية التونسيه وبدؤوا يثورون على " التمشرق " والمتمشرقين الذين ظل أدبهم منذ عهد ابن عبد ربه مصداقا للآية التى استشهد بها الصاحب بن عباد عندما اطلع على العقد الفريد : " هذه بضاعتنا ردت الينا "
على أن هذه الثورة قد بدأت منذ عهد ابن بسام فقد الف كتابا بعنوان ( حيره فى محاسن اهل الجزيرة وقد اطنب فى مقدمة هذا الكتاب فى الحديث عن مميزات شعر شعراء أهل الجزيرة أى الاندلس وفضلهم على شعراء الجزيرة العربية وكافة شعراء العالم العربي
الجواب عن السؤال الثاني :
بدأ الشعر الحديث أو " الشعر العصرى " مع محمود قابادو الذي كان يدرس فى المدرسة العسكرية العلوم الصحيحة وقد تغنى كثيرا بالعلم الحديث الذى هو كفيل بأن يخرجنا من الظلمات الى النور وان يجعلنا في مصاف الدول المتقدمة وان يعيد للامة العربية الاسلامية سالف مجدها ، ولكن اللغة العويصة التى كان يكتب بها مضامينه المعاصرة كانت تحول دون ادراك القارىء لها الا بالالتجاء الى المعاجم الكبرى وان الاثر الادبي الذي يكون جزء من معناه خارجا عنه لا يكون جديرا بالانتشار ونيل الاعجاب ، فلن جدد قابادو فى بعض المضامين فانه قد قلد القدماء فى لغتهم بل تعلق بالميت من لغة القدماء حتى نسب اليه قوله
لما رمى بالقطنجوب تقعقرت
شرخافتاه وفاض بالخر بعطل
فكانه والبجفطان تنوشه
فرغنبس يعدو على مستعبل
بل تاه فى طلاسم القصائد البديعية المتكلفة الغائصة فى بحار " حساب الجمل" والقصائد المستخرجة من قصائد وغيرها مما شاع فى عهود الانحطاط الادبي قبله ولولا اهتمامه بتمجيد العلم والتحريض على الاخذ بأسبابه لما عد من الشعراء المحدثين فهو فى تونس كسميه محمود سامي البارودى فى مصر كما يعد خزنه دار كشوقي فى مصر فى المحتويات مع مراعاة البون الشاسع بينهما فى الصياغة الشكلية
ان الحداثة الحقيقية والتجديد الحقيقى بدأ مع الشابى من 1924 الى 1934 وبوفاته استمر مع مصطفى خريف الى الستينات ولكن تجديد خريف الذي كا امتدادا لتجديد الشابى لم يسر فيه الى نهاية الشوط بل نجده كثيرا ما يتعلق بالقديم من الناحية الشكلية فمعظم شعره عمودى . لكن المعاني فيها محاولة التجديد ، وهذا طبيعي فما من شاعر يكتب شعرا فى عصر من العصور الا لمحنا آثار عصره وآثار الحداثة فى شعره ، ألم يعتبر القدماء أو أبا تمام قد خرج عن عمود الشعر بشعره الذي نعتبره الآن قديما وقبله ألم يقل أحد رواد الادب العربى القديم عن الفرزدق وجرير : ( لقد حسن شعر هذين المولدين حتى كدت آمر صبياننا بحفظه ؟ ! ) فكل قديم كان جديدا فى زمانه وكل جديد سيصبح قديما بمرور الزمان وما أصدق الشاعر العربى القديم الذي يقول :
إن هذا القديم كان جديدا
وسيمسى هذا الجديد قديما
فإن كل جديد يحمل نواة قديمة ، ألم ينسب القدماء الى امرئ القيس قصائد منوعة القوافى ؟ ! كالرباعيات أو ما شاكلها من أنواع التقفية . كما نسبوا مثل ذلك الى ابى نواس وغيره من الشعراء القدماء . ليست العبرة فى التجديد بتنويع القوافى والبحور فهو أمر شكلى سبق اليه الاندلسيون في موشحاتهم وغيرهم فى كافة عصور الادب ولكن العبرة بالتجديد في المعانى وفى الروح الشعرية التى يكتب بها الشاعر وفى كيمياء الكلام وتركيبه ، وفي
إحساس الشاعر بمعانيه ونوعية هذه المعانى ، وتحسيس القارىء بتلك المعانى .
يجب ان يتعانق التجديد فى المعانى مع التجديد فى اللفظ بدون تكلف فيهما .
فكما أنك لا تستطيع أن تميز فى الاغنية الجيدة ، بين الشعر واللحن كذلك لا يمكن التمييز فى تجديد الشعر ، بين اللفظ والمعنى ، بين الشكل والمضمون فالتجديد اما أن يكون فى الكل أو لا يكون
الجواب عن السؤال الثالث :
- سلطان الشعر كان قويا فى هذه الفترة خاصة الشعر الملتزم المعادى للاستعمار حيث كان ينشد فى المحافل وتتلقفة الصحف بشغف ويقرؤه القراء باهتمام لكن الآن تغيرت الاحوال ولم يعد للشعراء عدو ظاهر . وضعفت الاسباب الرابطة بين القراء والشعراء لضعف حركة النشر بدعوى عدم رواج الشعر ( بينما تروج كتب التراث . ) فيجب التثبت من هذه الدعوى التى يكذبها نفاد نسخ الطبعات الاولى من معظم الدواوين المنشورة فلماذا لم تقع عادة طبعها أو طبع غيرها من الدواوين لهؤلاء الشعراء يكون للشعر سلطان ما لم يقع ترويجه و " توزيعه بالطرق الشرعية التى رصدتها الدولة لنشر الثقافة . ؟ !
الجواب عن السؤال الرابع :
- مراحل الشعر التونسى معروفة ولعل فى بعض أجوبتى السابقة ما يشعر بجوابى عن هذا السؤال . . وقد ألف فيه المؤلفون الكتب المطولة فقد تطور طبعا . وتفصيل القول فى ذلك يحتاج إلى كتاب أو كتب وفى الموجود منها ما هو كفيل باعطاء صورة مصغرة عن هذا الشعر
الجواب عن السؤال الخامس
- الشعر التونسى جزء لا يتجزأ من الشعر العربى . ولم يحاول أن يكون فى يوم من الايام انفصاليا ، فأحاسيس الشاعر التونسى هى نفس أحاسيس الشاعر العربى فى أى بقعة من بقاع العالم العربي ولغته هي نفس لغه الشاعر العراقى والسورى والمصرى وتاريخه هو نفس تاريخه ومشاعره هى نفس مشاعره . فصلاح الدين الايوبى وخالد بن الوليد وطارق بن زياد
وموسى بن نصير وعقبة بن نافع والناصر والداخل والجاحظ والمتنبي والمعرى والحصرى وابن رشيق وكل ما يمكن أن يتغنى به الشعراء من أمجاد هذه الأمة مشترك بين المشرق والمغرب ، لذلك تأثر الشعر التونسى بالشعر العربى واثر فيه عندما أتيحت له الفرصة للتأثير . ألم تسر مدرسة الشابى فى الآفاق العربية مشرقا ومغربا فأثرت فى جميع الشعراء المحدثين ابتداء من أبى شادى ومدرسة أبولو بأجمعها الى بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتى ونازك الملائكة الذين كانوا يقتفون آثار هذا الشاعر الكبير عندما أتيحت له فرصة النشر في مجالات المشرق ونال شهرة هناك وقد اعترفوا جميعا بتأثير الشابى فى شعرهم
الجواب عن السؤال السادس :
كيف تريد للشعر التونسى أن يؤدى دوره الخالد وهو لا يجد الوسيلة الحقيقية للنشر . . فهل يكفي أن ظل الانسان ينشر في مجلة واحدة ووحيدة فى الميدان هي مجلة " الفكر " ! ؟ إن " الفكر " نافذة يطل منها القراء على حديقة غناء لا يرى منها الناظر إلا بضع شجيرات بعضها مثمر وبعضها غض طرى لم يؤت اكله فكيف يستطيع هذا الناظر أن يحكم على بقية ثمار هذه الحديقة ؟ !
افتحوا ابواب الحديقة ودعوا الناس يدخلوها ويذوقوا ثمارها . انشروا ووزعوا الشعر ثم اسألوا الناس : " هل أدى الشعر التونسى دوره الخالد أم لم يقدر على ذلك ؟ . تلك هى الاسباب التى تجعلنى أقول : " إن الشعر لم يؤد ، على الصورة المثلى ، دوره الخالد ، وتجعلني أتألم من حاضر الشعر التونسى واتشاءم لمستقبله الذى لن يكون احسن من حاضره ما لم يخطط لمستقبله مع من يهمهم الامر خاصة فى ميدان النشر والتوزيع
الجواب عن السؤال السابع
- لا أحب أن أذكر الاسماء فالشعراء الذين استجابوا الى مفهومي للشعر اقل من القليل وحتى البقية ممن لم يستجب لمفهومي للشعر ، فى معظم سعرهم ، فانهم يستجيبون أحيانا له فى بعض شعرهم والعكس صحيح فلنذكر المفهوم الصحيح للشعر حسب مفهومى . وليضع القارىء من يشاء حيث يشاء : يخطئ الذين يعرفون الشعر بأنه " الكلام المنظوم المقفي " لذلك استبعد جميع النظامين من حضيرة الشعر ، واسخر بجميع صيادى القوافى والراكضين خلف كل قافية شرود . ولا يهمنى من الشعر إلا حسن المعانى فى جودة الصياغة . ولست مع الداعين حتما الى الالتزام فكم من معنى
شريف ابتذله متشاعر ضعيف ، وحاول أن يشغلنا عن ضعفه فى ميدان الشعر بالتعلق بالموضوعات التى يتعاطف معها الجمهور فماذا تجدى قصيدة ضعيفة المبنى تكتب عن فلسطين أو عن الفقر او عن العمال أو أو . . ألا نفضل عليها - من الناحية الفنية - قصيدة غزلية ؟ ولكن حبذا لو اجتمعت الجودة الفنية مع حسن اختيار الموضوع الموضوع . فماذا تجدى جوهرة ملفوفة في خرقة وماذا يجدى خاتم من نحاس مهما كان لماعا ؟ ! على أن الاولى والاحرى ان يتناول تلك الجوهرة صائغ ماهر فيضعها فى خاتم أو يرصع بها تاجا جميلا . هل عرفت الآن من هم الشعراء الذين استجابوا ، فى اعتقادى لمفهومى للشعر ومن هم الذين لم يستجيبوا !
الجواب عن السؤال الثامن
- لست من الذين يتكهنون بالغيب ، فكيف لى ان اعرف مستقبل الشعر التونسي ؟ ! لكن استطيع أن أقول : إن مستقبل الشعر رهين بمستقبل النشر والتوزيع فى هذه الربوع ، فما لم يتحمس القيمون على حظوظ النشر فى بلادنا للشعر ، وما لم يشعروا بأهمية الشعر ، فن العربية الاول ، وما لم يحسوا بقيمة هذا الفن الذى يلقى الرعاية والاهتمام والاحترام لدى الاوروبيين والامم التى تزعم ان لغتنا شاعرية أكثر من لغاتها ، ويلقي الاهمال والجحود والتجاهل من قبل الساهرين على حظوظ النشر عندنا . . وما لم تنشر المجموعات الشعرية الكثيرة النائمة فى الادراج فان الشعر لن يزدهر ولن يكون له مستقبل زاهر ، بل لن يواصل الشعراء تحملهم لرسالتهم على الصورة المرضية ، ومتى لقى الشعر الرعاة الاكفاء المتحمسين فانه سيحقق المعجزات وتكون آنذاك لشعراء تونس الشهرة والمكانة المرموقة . وخير مثال تقدمه كدليل على صحة ذلك هو ان التونسي عندما لقى الحظوة والعناية فى " ميدان الرياضة " استطاع أن يصنع المعجزات وأن يرفع رأس تونس عاليا فى " الأرجنتين " وفى طريقه الى الأرجنتين وما وصوله الى هناك إلا نتيجة عناية فائقة بهذا الميدان ، واهتمام كبير بالرياضيين ، وتشجيع مثالي لهم خلال فترة طويلة ، ولو ظفر الشعراء بجزء صغير مما ظفر به الميدان الرياضي لاستطاعوا ان ينالوا إعجاب وتقدير القراء شرقا وغربا ولحققوا ما تنتظره منهم الأجيال
أم ننتظر أن يهاجر البعض من آن الى آخر أو أن تشق شهرته الحدود كما فعل ابن خلدون وابن رشيق والحصرى والشابى أن ذالك رهين الظروف والصدف ولن تتكرر الظروف والصدف الا المرات القليلة فى القرون الكثيرة
3 ) حواب الشاعر : محيى الدين خريف
حين نحاول تبين موقع بداية الحداثة بالنسبة لشعرنا التونسى فاننا لا بد ان نسلم بالارتباط المتين القائم بين الشعر التونسي والشعر العربى فقبادو كان امتدادا لمدرسة البارودى التى ظهرت في بداية عصر الاحياء نافضة عن الشعر غبار عصر الانحطاط رافضة ما كان من تنميق ومحسنات باحثة عن مضامين هى أقرب لروح المعاصرة . وكذلك خزندار فهو لم يكن بعيدا عن شعراء المدرسة الكلاسيكية الحديثة فقد احتداهم وقلدهم . وارتضى ان يلقب بأمير الشعراء مثل ما لقب أحمد شوقي ورغم ما عرف عن شعره من ارتباط بالمناسبة وتأثر بالاحداث السريعة ونثرية تصل فى بعض الاحيان الى درجة الاسفاف فانه كان من الاشارات المنبهة لبداية شعر تونسى حديث . فمصطفى خريف الذى كان امتدادا لصوت خزندار كان من المولعين به ومن المتتلمذين عليه فى صناعة الشعر شكلا وموضوعا رغم ما بين الشاعرين من بعد فى الابداع وهما اللذان ينتمييان لمدرسة واحدة ، وقد قلت رأيي فى خزندار منذ سنوات فى ارجوزة الالفية وهو
فخزندار شاعر كبير زيادة عن أنه امير
لكنه بعيبه الاكثار فلست تدرى ما له تختار
وكثرة التهويل والمبالغه والحشو والتمطيط والمراوغة
وقد يفيد شعره المؤرخا ولو رأى من دون ذاك يرزخا
وقد قررت نفس الرأى فى مصطفى آغة الذي أقول عنه
ابرد من ماء الشتاء شعره وقد أتى من دون ذاك نثره
تكلف تسوده الجهالة لم ار فى بلادنا مثاله
خدعه الاصحاب بالمديح فحاد عن طريقة الصحيح
ولعل أبا القاسم الشابي كان الشارة الاولى المضيئة فى حداثة شعرنا فقد منجه نضارة حديدة وحياة اضافية بما وهبه من استقلال فى الرؤيا وحظ وافر من الغنائية ، وقد قلت فيه :
أما أبو القاسم فذ العصر ففلتة من فلتات الدهر
جاء إلى بلادنا على قدر فبدد الظلام بعد ما انتشر
عمر قصير مثل عمر الورد وطفرة ليس لها من حد
لكنه فى شعره الجديد لم يحتفل ببلد الجريد
ولم يهم بالنخل فى الواحات وما بتلك الارض من جنات
ولا اعرف أن للحداد وسعيد أبى بكر مشاركة تذكر فى قضية تطوير الشعر التونسي فقد اهتما بالمضمون وأهملا الجوانب الاخرى للشعر مع قصور فى موقفيهما مع اللغة ومن هنا لا يمكن أن نعتبرهما شاعرين فى مستوى التجربة والايداع وهما اللذان يجعلان الشاعر يؤثر ويتاثر ويترك بصماته فى ذاكرة التاريخ والاجيال من بعده ويبقى بعد ذلك التصور الصحيح للمسار الواضح الذى سلكه الشعر التونسي من بداية هذا القرن الى نهاية الاربعينات ، ولا يكون هذا التصور الا بوضع العلامات الحقيقية لهذا المسار وذلك بالاشارة الى الشعراء الذين حملوا لواء الحداثة وفي رأيى أنهم لا أكثر من ثلاثة وهم خزندار ومصطفى خريف والشابى وهؤلاء نجدهم غير منفصلين عن حركة الشعر الحديث فى العالم العربى غير انهم كانوا بالنسبة لتطور الشعر التونسي أكثر من غيرهم فيما رسموا بأقلامهم من وعى شعري وما التف من حولهم من المعجبين بطرقهم وأساليبهم وان كنت من هنا اختار كلمة تطور الشعر على أيديهم من كلمة الجدة والجديد لانهم لم يأتوا فى الحقيقة بما يخالف أساليب الشعراء المبدعين من قبلهم وانما طوروا هذه الاساليب بما يناسب الظروف الموضوعية التى عايشوها ، والتى شاركت في تكوينهم النفسى . هذا اذا عرفنا أن الفن لا يخضع للاساليب المنطقية من تحديد وتعريف كالذى يمكن أن تعرف به أية قضية أخرى أو تحد
وقد طور هؤلاء الثلاثة المضامين وحاولوا التزحزح عن الموقف الكلاسيكى ومفارقته وقدموا تفاسير للظواهر الاجتماعية التى عاشوها . ولمسوا الذاتى فى أنفسهم وفي أنفس غيرهم وعانوا التجربة فى أرفع مستوياتها حرمانا ومرضا وسجنا . وبذلك كانوا ارهاصات لمن جاء بعدهم من الشعراء رغم
استمرار ظاهرة التوتر . بين الشكل والمضمون . وعدم التغلب على موسيقى الشعر القديم وشكلياته . ولا أشك أن دور الشعر فى عهد هؤلاء الشعراء الثلاثة كان اقوى من دور غيره من وسائل التعبير . لانهم استطاعوا ان يصلو باصواتهم الى الامانى الخفية لقلوب الناس . وجددوا بالكلمة ما رث من مبادئ هي من المقومات الشخصية للفرد التونسى
اما المراحل التى مر بها الشعر التونسى فهى نفس المراحل التى مر بها الشعر العربي وهي مرحلة العقم ويمثلها شعراء العصر الحسيني - امثال الرياحي والباجى المسعودى والغراب وغيرهم
ثم مرحلة الشعر التقليدى ويتربع على ذروتها محمود قبادو . فمرحلة الكلاسكية الجديدة ويمثلها خزندار ومصطفى خريف ومن بعدهما المدرسة الرومانسية ويمثلها الشابى ثم مرحلة الشعر الحر ويمثلها العديد من شعراء تونس المعاصرين ولا يتضح مفهوم هذه المراحل الا بدراستها دراسة موضوعية
أما الخصوصية وهى التعبير بأدوات معينة عن ظروف وواقع معين فلا ادرى بأي شئ أصفها إذا كانت اللغة التى يعبر بها كامل شعراء العربية واحدة والملابسات السياسية والاجتماعية متشابهة فلا اعرف ان هناك شعرا مصريا أو عراقيا أو تونسيا وانما هناك شعر عربي عبر به شعراء هذه البلاد أو تلك عن مشاكل متحدة . ومواقف متشابهة . هذا من ناحية . ومن ناحية اخرى فلا ارى خصوصية للشعر تتصل ببلاد أو بأخرى وانما أرى ان الشعر منطلقه الانسان حيثما كان وكلما عبر عن مواجد جماعية كلما كان اقرب للروح واشمل فى أداء رسالته وأكثر خلودا وبقاء مع الزمن
وقد حاول الشاعر التونسى بعد الاستقلال أن يساير ركب التطور وان يواكب الحركات المجددة للشعر فى العالم العربى . وفى بلدان البحر الابيض المتوسط التى كان احتكاكه بها كبيرا وكثرت التجارب حتى غطت مساحة كبيرة من فتره ما بعد الاستقلال . ولكن هناك عوائق وأسباب حالت بين الشعر وأداء دوره . وكمت فم الشاعر فلم يستطع أن يصل إلى آذان الناس وهي كما أراها بحسب تجربتى المتواضعة مع الشعر كما يلى :
1 ) انصراف وسائل الابلاغ السمعية والبصرية عن الشعر والشعراء واهتمامهما بنوع خاص من الشعر . هو الذى تعمل على توصيله الى الناس وتضرب بعد ذلك صفحا عن الاصوات الهادفة دون الاخذ بيدها لتؤثر وتتأثر وتطور وتتطور . والشعر وسيلة ابلاغ عسيرة اذا لم تتوفر لها الظروف الموضوعية . لم تعط نتاجها ولا تؤدى دورها
2 ) عصر الطباعة . وعزوف تجار المطابع عن الشعر لانه لا يأتى لهم بمردود يزيد فى أرباحهم المؤكدة مما يمنع الشاعر من وصول تجربته فى الابان الى الناس . وبذلك يفرض عليه التقوقع
3 ) ضياع القارئ والمستمع بين صعوبة التجارب الجديدة التى تتطلب من متلقيها ثقافة شمولية واسعة ومعاشرة دائبة للشعر . وبين بعض النماذج من الشعر الكلاسيكى السهل الذى يطرح امام الاعين ويصب فى الأذان فيزيد من عزوف الناس واعراضهم عن الشعر
4 ) غياب الشاعر وهو القضية الاولى بالنسبة لأداء الشعر لدوره لان الشاعر العظيم يفرض نفسه فى جميع الظروف . ويلفت أنظار جميع الناس ويتحدى كل العوائق التى تعترضه ولا يمكن ان يحجب البتة وحتى الآن لم يستجب فى اعتقادى لمفهوم الشعر أحد . فنحن كلنا نجدف بسفننا فى بحر قد غاب عنه الملاح الحقيقي الذي يقهره ويستخرج كنوزه . ويعرضها على العالم
ويبقى بعد ذلك مستقبل الشعر فى تونس وفى أى بلد آخر رهين بمن يأتي وقد وهب من العبقرية ما يبقى على الزمن . وما يلفت اليه الانظار لان الشعر لا يمكن أن يموت لا في هذا العصر ولا فى عصر آخر ما دام هناك انسان يحس يعشق ويشقى ، يحب ويبكى ، يفرح ويغضب .
4 - جواب الشاعر محمد احمد القابسي
1) ان الشعر التونسي يتأثر - كبقية - الفنون بكل التيارات التى ترد عليه من خارج الحدود فالشاعر الحق لا يمكن له ان يتقوقع فى دائرة ضيقة حتى ترد عليها الرياح الخارجية
والحداثة تأخذ ابعادها من هذا المزيج بين التأثيرات الخارجية والخصوصيات التونسية
ولا يمكن باية حال من الاحوال ان نعتبر الحداثة فى شعر أبى القاسم الشابي ومصطفى خريف وسعيد أبى بكر وغيرهم منفصلة عن تيار الحداثة الذي ظهر بالشعر العربى اننا لا نستطيع ان ننكر تأثير مختلف المدارس الشرقية والمهجرية على الشابى مثلا وزملائه الذين كانوا يلتهم فى ذلك الزمن كل ما يرد عليهم من الخارج ان تأثير المدرسة المهجرية على الشابى بالخصوص واضح وجلى ولا يستطيع الدارس الموضوعي الا ان يقره
2 ) من هذا المنطلق فان الخصوصية التونسية تظل مرتبطة ارتباطا وثيقاكما اسلفنا بمطالعات الشاعر وبتفاعله مع ما ينتجه الآخرون هنا وهناك ان نونس ليست منفصلة البتة عن العالم العربى وبالتالى فان خصوصية الانتاج الأدبي فيها تظل محدودة أمام الخصوصية الكبرى التى تشكل ملامحها وحدة اللغة والتراث والدين والهموم المعاصرة المشتركة
3 ) بقى ان نقول انه على الدراسات ان تجتهد مليا لاقرار ظاهرة الحداثة فى شعر الشعراء الذين يطرحهم السؤال خاصة وان مفهوم الحداثة قد جاء متأخرا نسبيا واننى لا اعتقد ان تكون ملامحه قد بدت مع جيل الشاذلى خزندار
واذا كان الامر كذلك فانه يصعب التعرض لخصائص تلك الحداثة من غير ان لا نشير الى ان قضية الفصل بين الشكل والمضمون قضية مجردة وليس لها مكانة فعلية فى المنظور الشعرى الحقيقى
4 ) ان الدراسات الجادة - التى تعرضت للشعر التونسى الحديث - وذلك رغم قلتها - تؤكد على ان شعرنا قد عرف عدة مراحل - وهذا أمر طبيعي فالتطور سنة من سنن الحياة والذي لا يتطور يتأخر وبالتالى يموت .
ان اهم المراحل التى مر بها الشعر التونسي هى فى نظرى اربع مراحل أولها القصيدة العمودية الكلاسيكية ثم المحاولات الحرة التى انتهت الى تيار غير " العمودى والحر " وأخيرا قصيدة النثر التى اصبحت رائجة وذات مكانة محترمة منذ سنة 70 تقريبا
غير ان هذا التطور لا يمكن ان ننظر اليه نظرة " أوتوماتيكية " بحتة ذلك انه يمكن ان تتواجد فى المرحلة الواحدة كل التيارات معا وبالتالى فان البقاء ظل دوما للاصلح . ان لكل تيار انصاره واسبابه وانه من الصعب ان نتكهن ببقاء ذلك التيار دون التيارات الاخرى بقى ان نقول كذلك ان المرحلة التاريخية لها تأثيرها على بقاء تيار دون آخر ذلك ان الحداثة نفسها تعتمد اساسا منطلقات زمنية ولا يمكن ان تنطلق اليوم مثلا معالم حديثة من القصيدة العمودية ذات الخصوصيات التقليدية والكلاسيكية . فلنتظر اذن ماذا سيفعل الزمن بما نكبت وبما تعطى كل التارات التى وان بدت متضادة الا أنها ضرورية إن لم تكن متكاملة فلكى تكون هناك حياة شعرية يتحتم ان تتواجد كل التيارات وان تتصارع وفى صراعها جوهر حياتها
5 ) لا يمكن لاى شاعر ان يبتعد عن واقعه فهو اى الشاعر يتأثر به سلبا او ايجابا وينعكس ذلك التأثر فيما ينتجه من أعمال ومن هذا المنطلق فانني اعتقد ان الشعر التونسى فى سيره قد حافظ على خصوصيته من غير ان يفقد تأثره بالشعر العربى وكدليل على هذا فاننا نذكر تجربة غير العمودى والحر التى انعكست فيها تجربة التعاضد التى مرت بها بلادنا كما انعكست من خلالها تأثيرات المدارس الشرقية والغربية على حد السواء ففي الشرق قد تأثر هؤلاء الشعراء بتجربة قصيدة النثر واصحاب مجلة شعر وفي الغرب فان قراءاتهم كانت بالخصوص فى المدرسة الفرنسية بالخصوص فى اشعار بيرس
وللعلم كذلك فان التجريد الذي يبدو فى انتاج الشعراء الشبان اليوم هو الآخر مظهر من مظاهر " الضبابية " العامة التى يمر بها مجتمعنا وذلك من غير ان ننفي تأثير المدرسة العراقية والسورية وبالخصوص عبد الوهاب البياتى وأدونيس وكذلك شعراء الارض المحتلة كمحمود درويش وسميح القاسمى وغيرهما
6) ان كل انتاج شعريا كان او غير شعري يتفاعل مع الارضية الاجتماعية التى يعيش فيها الشاعر أو الكاتب ولا يمكن ادراك مؤشرات هذا التفاعل الا بالتشريح العميق والنقد العلمي . ومن المؤسف اننا فى تونس كثيرا ما نكتفى بالحكم من غير محاولة للتعلييل او للدراسة فى حين ان كل ظاهرة شعرية مهما كانت تستحق منا التوقف والدرس وبعدها يمكن ان نرتاح لذلك الحكم أو لغيره .
7 ) لا شك ان زحف الصورة وانكماش مؤسسات النشر قد أثر بطريقه أو بأخرى على دور الشعر ولكن رغم ذلك فان حاضر الشعر اليوم فيه من المؤشرات ما ينبئ بثورة حقيقية فى مجال الكلمة الشاعرة
لقد بدأ المنعرج مع تجربة غير العمودى والحر التى كان " للفكر " الفضل فى خروجها للناس واستمر مع تجارب بعد سنة 70 واننا ننتظر ان تتواصل هذه التجارب حتى يتواصل بذلك دور " الشعر الريادى "
إن لنا في تونس اليوم شعراء شبان لا تقل تجاربهم اهمية وقيمة عما هو موجود فى المدرسة العراقية الحديثة مثلا ولا تنتظر هذه التجارب الا المساعدة الخروجها للناس إن بعث مجلة تعنى بالشعر ( انتاجا وتنظيرا ) والعناية بنوادى الشعر والاكثار من الامسيات واحلال الشعر المكانة التى يستحق فى أجهزة الاعلام واخراج أكثر ما يمكن من المجموعات الشعرية الجادة طبعا كل ذلك يمكن ان يساعد على مواصلة دور الشعر والشاعر وقد تؤكد هذا الدور الثورة التعليمية التى تشهدها بلادنا
8 ) ان مستقبل الشعر فى تونس يظل رهين السياسة الثقافية فى بلادنا وبالتحديد رهين مكانة الثقافة فى حياتنا السياسية
إن إعادة تقييم لمكانة الثقافة فى سياستنا من شأنها ان تساعدنا على تحديد المعالم الاولى لمستقبل الشعر فى تونس ومتى كان ذلك استطعنا ان ننقذ العدد الكبير من الشعراء الذين يموتون يوميا السكتة الشعرية " .

