انا لا اعرف رسم البرنامج ، لأني لا استطيع تطبيقها . ولطالما رسمت بنفسي شتى البرامج فى الحياة والمعيشة والمعاملة والقراءة والكتابة فكان خير ما فيها اني أرسمها فى ذهنى اجمل رسم ، ثم اكتبها فى أجل أسلوب ، ولا شىء بعد ذلك يساعفني بتطبيقها أو يحثني عليه أو يحببه إلي واذا كان يعنيني كل شىء ، فبنفسي يجب أن أعني قبل كل شىئ ، وقد تبينت اني أفشل الناس وأشدهم اخفاقا حتى فى ادارة ما يتعلق بي من بعيد أو قريب ، وما هذا بسر يجب أن اطويه ، ولكنها حقيقة يليق بي تبيانها ، وقد بلغت من العمر مبلغنا انا سائم به ملول منه محنق عليه ، فما عرفت - فى حياتي قط - وقتا اخصمه لعمل من الأعمال يشغله ولا يسع غيره ، فأن أكل واشرب واطالع واكتب في كل وقت ، ولا يهمنى - بعد - أن يكون هذا الوقت ملائما لهذا العمل أم على النقيض ، وكل أوقات الله عندى مباركة كما يقولون - والوقت الذي يسع عملا واحدا لم لا يسع معه عملا أو عملين آخرين ؟
ولم نفرض على انفسنا هذه النظم الثقيلة ونحرص عليها ونستهيم بها ؟ وهي لو فرضت علينا من جهة اخرى لكان الأخلال بها أيسر والذ للنفس من العمل
بها ولبرمنا بها برما لا مزيد عليه . أما الشؤون الاقتصادية فهي غريبة عني ، أو هى أفهمتني بشدة التى عنها جد غريب ، فما لي بها من علم ، ولا لي على مزاولتها من طاقة . واليوم الذي ولدت فيه ، كانت كلمة اقتصاد مرفوعة من كل قاموس على وجه الارض ولهذا لا تجد هذه المادة عندي في كل ما امارسه من قول أو عمل ، لكن مجلة ( المنهل ) مجلة مثيرة لدى قرائها عزيزة عليهم ، وهي ايضا فتية فى عمرها ، قد بلغت الخامسة من سنيها ، فيجب أن نزينها بالأطواق والخلاخيل وتحلى جيدها بما هي خليقة به من قلائد وعقود ، ولا نضمن عليها - فانها لا تضمن على قرائها - بكل ما في المستطاع .
وقد تفضلت فألقت على هذا السؤال : كيف ترسم برنامجا عمليا قابلا للتطبيق في رفع مستوانا الاقتصادى ؟ ورأيي في هذا الموضوع على قدر علمى به - رأي خير ما فيه الايجاز ، وقد رجعت الى كتابين هندى فى نفس هذا البحث ، هما ) الرأسمالية ( مترجم عن كارل ماركس والأغنياء والفقراء مترجم ايضا عن ولز ، ولكنى لم استطع قراءتهما لأنهما يثقلان على نفسي بقدر ما يثقل الاقتصاد على يدى ، وقرأت عددا ممتازا من مجلة ) المصور ( عن ثروة مصر الاقتصادية ، فرأيته يزخر بواجهات البنوك العقارية والرأسمالية .
حبذا لو ان الاقتصاد يدرس في مدارسنا فيما يدرس من العلوم فانا لنحتاجه اشد من حاجتنا إلى دراسة قواعد الاملاء والتفاصيل الصرفية ، وانا لنره الزم لنا شئتنا من عشرين قصيدة عرجاء يلقنونها عن ظهر قلب لصفي الدين الحلى - وابن نباته البعدى وابن سناء الملك والفتح بن النحاس .
فإذا مرت الناشئة على الثقافة الاقتصادية ومهدت فيها فإنه يكون حنئذ من السهل عليهم جدا ان يطبقوا ما يسهل تطبيقه ويتألفوا بحنكة ولطافة
( البقية على صفحة ١٨)
ما يصعب عليهم ، وتكون الروح الاقتصادية عندئذ مشاعة بين الجميع كهذا الهواء المشاع ، فما من حاجة تدعونا أن نشجعهم على الكرم الحاتمي أو نغريهم به فان الخصلة - وهي خصلة واحدة لا تتغير - لتبلغ في زمن نهاية الحسن والطيب بينما تكون فى زمن آخر المثل الفظيع فى الرداءة والقبح ! وكل زمان يطبع الله جل وعلا أهله بطابعه أرضوا ذلك أم كرهوا ، ففي العهود السالفة يحب كل انسان أن يشتهر بأنه كريم ، أما الآن فما بالمرء من رغبة بأن يكون كذلك حينما يقضي عليه هذا الكرم المصطنع بأن يمضى بعض الاحيان الليالي الطوال ساغبا لاغيا قلندرس الثقاقة الاقتصادية دراسة واسعة ، وانا لحقيقون بعد بأن نرفع مستوانا الاقتصادي الى ذروة عالية .

