يأبى المنهل الأغر الا أن يهتبل كما يقول بعضهم - كل فرصة من الفرص ، لأعلان مفاجئاته الصحفية ، فلا تكاد الحرب القائمة الآن تظهر فى هذا الوجود ويصبح الحديث عنها شغل الناس الشاغل : إذا بالمنهل ايضا وقد اصبح فى طليعة المشغولين بهذه الحرب ! والمتحدثين عنها ، وإذا به وقد جعل من صفحاته طيلة العام ميدانا فسيحا لشتى آراء الكتاب حول ما هو شغل الناس وحديثهم صباح مساء
واليوم لإشاغل للناس في هذه البلاد أو المفكرين منهم على الأصح - الا هذا الذي تواضعوا على تسميته بالمشكلة الاقتصادية ، فكان حقا على المنهل ، وقد رأيناه قناصا للفرص ، ان يفاجئ اصحابه كعادته باستفتاء جديد : فى موضوع حيوي ، شاغل للناس . . موضوع يناسب المقام ، ويتفق مع مقتضى الحال على رأى البلاغيين
هذه ظاهرة ، ان دلت على شىء ، فعلى ان فكرة الصحافة لدينا قد اصبحت سائرة فى طريق النضوج ، وهو ما يدعونا إلى التفاؤل ، ويبشرنا باطراد هذا النضوج ، واستكمال نواحيه على التدريج
وظاهرة اخرى أيضا . هذه الظاهرة هي أن المنهل الأغر قد استهوته الفكرة الاقتصادية كل الاستهواء كما يبدو ، فهو لا يطلب من الكتاب الا برنامجا عمليا ومعنى هذا بصريح القول ، انه لا يريد كلاما ولا يريد خيالا . . ولا يريد نظريات ولا فلسفات . وانما يريد انتاجا ، يريد برنامجا اقتصاديا قابلا للتطبيق كما يقول
وكما ان البحث اقتصادي موضوعا ، فيجب أن يكون اقتصاديا شكلا . ويجب ان يكون على الاسلوب التلغرافي ، هذا الى ما هو معروف من ان عشرات المقالات قد كتبت ونشرت في هذا الموضوع ، فهو موضوع مدروس نظريا ، وانما يريد الناس كما يريد المنهل برنامجا عمليا ليس الا ... سمعا وطاعة أيها الصديق !
وحقا لقد سئم القراء ، وسئم الكتاب ايضا من كثرة ما قيل وما كتب حول مسألة المسائل هذه ، يجب ان ينتهي دور القول المجرد ، والكتابة المجردة ويجب ان يحل محل ذلك دور التطبيق والتنفيذ ، ويجب ان يكون هذا التطبيق والتنفيذ مؤسسا على خطة ، ومبنيا على برنامج
ولما كانت المشكلة الاقتصادية الكبرى فى بلادنا مكونة من فرعين اساسيين هما ) أولا ( مشكلة البطالة وقلة الاعمال وكثرة المتعطلين الذين لا يجدون لهم اعمالا يعيشون من ايرادها فى حياة كلها كفاح ونضال وزحام ) وثانيا ( مشكلة الموارد الحيوية وبالأخص فيما يتعلق بالنواحى الزراعية والصناعية وقلة الانتاج فى كليهما ، نقول لما كانت المشكلة الاقتصادية الكبرى مكونة من هذين الفرعين فان برنامجا يوضع لعلاج هذه المشكلة يجب ان يتناول طرفى الموضوع
أما البرنامج فان كاتب هذه السطور يرى ان حجر الاساس فيه انما هم تأسيس جمعية أو لجنة بادىء ذي بدء - تتطور هذه اللجنة فى المستقبل إلى إدارة
للشئون الاقتصادية بحسب الحاجة والاقتضاء وهذه اللجنة ينتخب اعضاؤها من خيرة رجالاتنا اخلاصا وكفاءة وادارة للاعمال ، ويناط بها الاشراف على تنظيم كل ما يتعلق بمسائلنا الاقتصادية ، فى الزراعة والصناعة والتجارة والسعي الحثيث لترقية جميع ما يمكن ان يكون لدينا من الموارد ، والبحث الجدى لمشكلة البطالة وايجاد أقرب الوسائل لعلاجها واستئصالها
وإذا أردت توضيحا لأعمال هذه اللجنة على سبيل المثال ، فهي كما يأتي : ١ - الدعوة والعمل على تأسيس شركة زراعية صناعية يساهم فيها كل مواطن مستطيع فى المملكة العربية السعودية بسهم واحد على الأقل . على ان لا تزيد قيمة السهم الواحد على ريالين اثنين ، ومن شاء ان يساهم بأكثر فله ذلك
٢ - يجرى احصاء جميع الأراضى الزراعية في المملكة بواسطة هيئه فنية ويوضح كل ما يمكن ايجاده من التنظيم لتحسين الانواع المزروعة فيها ثم العمل على ادخال الانواع الصالحة الغير مزروعة فيها فى الوقت الحاضر
٣ - تقديم جميع الارشادات اللازمة للمزارعين للعمل فى مزارعهم على الاساليب الفنية مع المراقبة على تطبيق هذه الارشادات
٤ - احضار جميع البذور والأسمدة والآلات الزراعية الحديثة بواسطة الشركة وتقديمها بالثمن لكافة المزارعين .
٥ - تقديم كل المساعدات المالية للمزارعين الذين يحتاجون لهذه المساعدات من قبل الشركة للنهوض بزراعتهم وتحسينها وزيادة انتاجها ، بموجب شرائط خاصة توضع لذلك
٦ - الاراضى التى لا يستطيع اصحابها ان يزرعوها لسبب من الاسباب تستأجرها الشركة لمدة معينة وتتولى زراعتها من طرفها .
٧ - المحصولات الرئيسية الهامة مثل القمح وسائر أنواع الحبوب يخصص لزراعتها اكبر مساحة ممكنة من الاراضى الصالحة لها .
٨ - يكون للشركة سيارات خاصة على قدر اللزوم لنقل المحصولات الزراعية بين سائر انحاء البلاد
٩ - ارشاد المزارعين الى أهمية الصناعات الزراعية وتربية الدواجن . وكيفية الاستفادة من ذلك اقتصاديا بزيادة الانتاج فى ذلك وتحسينه وتصدير ما يفيض منه عن حاجة البلاد الى الخارج .
١٠ - تشجيع جميع صناعاتنا المحلية والعمل على تحسينها بكل وسائل التحسين .
١١ - تأسيس معامل للصناعات الضرورية الممكنة كالدباغة وجميع الصناعات الجلدية كالحقائب والأحذية وكذا جميع الصناعات الزجاجية ، وغير ذلك من الصناعات الأخرى كالصابون والعطورات والمسابح والصيدلة وغيرها من كل ما تدعو الحاجة إليه ويمكن تأسيسه فى البلاد على ان يكون ذلك شيئا فشيئا وعلى قاعدة تقديم الأهم على انهم وتكون جميع هذه المصانع تابعة للشركة الموما اليها .
١٢ - تنظيم تصدير ما يزيد عن حاجة البلاد من محصولاتها الزراعية ومصنوعاتها الى أقرب البلدان الخارجية الصالحة لرواجها
١٣ - انشاء معرض زراعي صناعى مستوى تعرض فيه جميع محصولات البلاد ومصنوعاتها على سبيل الدعاية من جهة ، ولزيادة تحسينها وتنظيم انتاجها من جهة اخرى كما هو المتبع فى جميع البلدان المتقدمة
١٤ - تقوم الشركة على التوالى بتأسيس كل ما تحتاج اليه البلاد من المشاريع العمرانية التى لابد منها كالإنارة الكهربائية وايصال المياه الى المنازل في المدن الكبرى وفي هذه المشاريع فوق فائدتها العمرانية فائدة اخرى لها اهمتها وهي تشغيل العاطلين من الوطنيين .
١٥ - تقوم اللجنة بدرس مسألة البطالة من كافة نواحيها ومعرفة اسبابها
الحقيقية وتجتهد فى معالجتها وايجاد أعمال لجميع العاطلين بقدر ما تسمح بذلك الظروف .
١٦ - تقوم اللجنة بمعالجة فوضى الخدم وتأسيس مكتب خاص لتنظيم شئونهم ووضع شرائط خاصة لتخديمهم يراعي فيها طبعا مصلحتهم ومصلحة مستخدميهم على السواء .
١٧ - تجتهد اللجنة بكافة الوسائل ، وتسعى لدى ولاة الأمور فى تأسيس مدرسة زراعية واخرى صناعية فى العاصمة على ان يكون التعليم فيهما عمليا قبل كل شىء .
١٨ - العمل على انشاء جميع المساكن الخربة من جديد ، وتعمير الصالح منها للتعمير ، ومساعدة من لا يستطيع الانشاء أو التعمير من اصحاب هذه المساكن بواسطة الشركة المذكورة ، أو بواسطة شركة عقارية تؤسس لهذا الغرض والفائدة من هذه العمل هي : -
) أ ( حل مشكلة المساكن التى اصبحت بكميتها الحالية اقل مما يجب بالنسبة لتزايد السكان .
) ب ( ايجاد اعمال دائمة للعاطلين من العمال .
) ج ( تجميل منظر المدن بايجاد المباني الحديثة فيها على طلال الخرائط الكثيرة الموجودة الآن .
١٩ - منع التسول مع العمل على تشغيل القادرين من المتسولين فى مختلف الاعمال ومساعدة غير القادرين منهم بتخصيص اعانة شهرية لكل منهم ويكون ذلك بمعرفة كل من مديرية الأوقاف ودار العجزة ولجنة الصدقات
٢٠ - تنظيم شئون المطوفين من الناحية الاقتصادية بواسطة هيئاتهم وتخصيص قسم تتفق عليه من ايراداتهم لمساعدة بعضهم بعضا ولاعانة أرامل وابناء من لا عائل لهم وتشغيل من يستطيع منهم فى مختلف الاعمال الاقتصادية طيلة السنة إذا امكن لتحسين أحوال معيشتهم من الناحيتين المادية والاجتماعية
٢١ - رسم جميع المناظر والآثار تنشر باستمرار فى الصحف والمجلات السيارة فى العالم الاسلامي ، وتأسيس محطتى اذاعة لاسلكية فى كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة تذاع منهما الأخبار العامة والمحاضرات فى كافة المواضيع ، ويذيع منها عظماء الحجاج أثناء وجودهم هنا وفى هذا كله فائدته التى لا تخفي !
٢٢ - تواصل اللجنة القيام بدعاية واسعة النطاق للشئون الاقتصادية والدعوة الى تشجيع كل مشروع وطنى ، وكل صناعة وطنية وذلك بتأسيس مجلة اقتصادية وبموالاة القاء المحاضرات الاقتصادية والنشر فى الجرائد والمجلات والأعلان عن كل المشروعات والمصنوعات فوق قيامها بانشاء المعرض الزراعي الصناعي السنوى المشار اليه بعاليه
وبعد فهذا برنامج متواضع ، نعلنه للناس اجابة لرغبة المنهل الأغر ، معتقدين انه برنامج عملي قابل للتطبيق كما تريد هذه المجلة ويريا صاحبها الغيور ولنا في حكومتنا الجليلة الساهرة وعلى رأسها جلالة الملك المعظم وسمو الأميرين المحبوبين ولي العهد والنائب العام ثم معالي وزير المالية رجل الاقتصاد في هذه البلاد اعظم الآمال في تحقيق النهوض الاقتصادى المرموق ، وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والفلاح

