٣
رأى الاديب الموهوب الاستاذ حمزه شحاته
ما هي الحرب أولا ؛ لا شك ان الحرب نزاع مسلح . وأي نزاع فى الحياة لا يكون مسلحا ؟ انما تختلف الاسلحة وتتفاوت . فحرب سلاحها الالفاظ ، وحرب سلاحها الغش والخداع ، وحرب سلاحها الفكر ، وحرب سلاحها الجهد والسباق والحيلة ، وأخرى سلاحها النار والحديد ، وحرب سلاحها الضعف والاستعداء ، وحرب سلاحها الدموع والصبر .
فالحرب نزاع بين القوى .
هل النزاع فى الحياة ضرورة ؟ ان معنى الحياة نزاعها القائم المستمر فى الظاهر والخفاء وإذا كان صعبا أن يتصور العقل حياة بلا حركة ، فان صعبا ان تكون حياة بلا نزاع
نبدأ بالأنسان . اليس هو ميدان حرب تتطاحن فيه القوى وتتنازع
عاطفة تقهر عاطفة ، وخالجة تهزم خالجة ، ولمحة فكر تهدم عقيدة ، حب جديد يطرد حبا قديما ، صداقة تموت واخرى تحيا : ذكرى تلحد ، وذكرى تولد . هذه لغه الحرب ومظهرها الطبيعى .
والحب أليس حربا بين نفسين ، وصراعا بين قوتين ؟ أليس رغبة فى امتلاك وغلابا لانتصار ؟ اليس حربا تجيش لها الجيوش ، وتسير الطلائع وتسيل فيها الدماء البيضاء ، وتستشهد فيها الأرواح دون أن تموت ؟
والفكر ؟ اليس ميدانا يموج بأثار الصراع القائم فيه ؟ فكرة تصرع فكرة وخيال يخنق حقيقة . ونعسة تغلب يقظة ؛ القوانين ؟
اليست مظهر الحرب بين العقل المبصر ، والعقل الفطير ؟ أو بين الادراك اليقظ المسلح ، وبين الادراك الفطري الأعزل ؟
المخترعات . الآلات ! اليست لغة حرب العقول وتطاحنها
الخطب ، المحاضرات القصص ، الأشعار ، المقالات ، الفنون ! اليست كلها لغة النزاع على البقاء والسيادة والسيطرة ؟ او لغة دفاع الموت والركود في عالم النفس والخيال والحركة الخفية ؟
فالتنازع إذن ، مظهر ضرورة الحرب ، للحياة اي شئ في عالم الحيوان ، والنبات ، لا يخضع لنواميس هذه الضرورة ؟ الميكروبات . تتطاحن ، للحياة ، للغذاء الحياة : تصارع الموت ، للبقاء العافية . تدافع المرض ، للنجاة الأسماك ، تأكل الأسماك
الوحوش تتناحر . الحرب بينها تسلط - النهام النباتات . تتزاحم ، الأقوى يزحم الاضعف ، تمتص نصيبه فى الغذاء : الضعيف يحتال ويلتف ، لئلا يموت . كل شئ فى لوجود مسلط على كل شئ فيه .
اترى لو تعطل هذا الحافز الطبيعي في الحياة ) النزاع ( ؛ ماذا كانت تكون ؟ وماذا كان يكون معنى ليلها ونهارها ، ومجال الحركة والدأب فيها ؟
خمود تكون الحياة به برزخا بين دنيا ساكنه وأخرى هامدة معطلة . وهب ان امة لا تحارب امه ، وان فردا لا يغير على فرد ، فهل يكون معنى هذا انتفاء الحرب ؟ أو انتفاء فكرتها واسبابها ؟ كلا لأن الحياة نزاع دائم ، وحرب مستعرة الاوار . وما الدماء المهراقه الا احد ألوان الصورة التامه لها .
الا لو بطل النزاع ، ماذا تصبح الحياة ؟ وماذا يغدو معناها ؟ أحقا ، أم باطلا ؟ وحركة أو سكونا
والجمال ؟ أيكون للاحساس به معنى ؟ وهل يبقي مطلبا تريغه النفوس والافكار ؟ ولماذا ؟ الا يكون شيئا لا يختلف عن بقية الاشياء فى هذا الوجود الجامد ؟
وجه جميل ، جبل شامخ ، شجرة شائكة ، كلما تلتقي في النفس ملتقاها الخامد
نقول : لو بطل النزاع . وهذا خيال كله استحالة . أترانا نقول : لو بطلت الحياة ؟ . فاذا كانت الحركة قانون الحياة الطبيعي ، فان النزاع قانون معاشنا الفنى
الحرب فى حقيقتها الكونية ، من عمل القوة المتطلعه الى استكمال معانيها
ونفوذها ، فهي لغة الحياة والفطرة .
واذا كانت لغة باطل القوة واعتداها فى منطق الضعيف المعروف فانها لغة الحق والحاجه عند القوي المدل :
وهل تنشأ حرب لا يكون مبعثها الاعتداء من قوي ؛ كلا ! والاعتداء قد يكون رغبة خفية او ظاهرة فى اصلاح او ترقية . . ولكنه اعتداء القوي على الضعيف . . هو هكذا على كل حال .
وقد نرى أن الاختلاف في النزعات ، والتباين فى الاهواء والمصالح ، اقوى اسباب النزاع ، على انهما غير سببها الحقيقي . . بل هو طبيعة النفس ، وسنة الحياة ، وناموس القوة .
والآن فهل تطوي الحرب الحضارات أم تنشرها ؟ اية حضارة لم تكن وليدة حرب ونزاع ؟ ولا نعنى بالحرب هنا ما تراق فيها الدئار فحسب . أن كل نزاع حرب .
فالحرب تحمل الوية الحرية أحيانا ، وتنشر سلامها . وتوسع ميادين التطاحن العقلي ، وتشجع الابتكار ، وتولد القوة .
الحرب الفرنسية ، على وحشيتها . وفظائعها الهدامة . نشرت حضارة فرانسا وأيقظت تاريخها ، ورفعت لواء حريتها .
الحرب العامة الاولى ، أقامت للدنيا بناءها الجديد ، ووسعت امداءها ، وضاعفت النشاط فيها ، وغيرت قوانينها ، وقللت مساتيرها
هناك حروب تنتصر فيها الهمجية الابدة ، او القوة العارمة ، فتكتسح وتخرب ، وتطوي وتدمر حضارة المغلوب ، ولكنها تنشر وتبني حضارة الغالب
فهى طاوية ناشرة . صورة للصراع بين القوى ، الانتخاب الامثل . الاصلح . الاقوى .
وقد تهدم الحرب ، ثم تعجز عن البناء ، تطوى ولا تنشر ، كما فى حروب التتار ، والاندلس .
ولكن فى الدنيا حضارات ناعسة ؛ وحضارات كليلة ، وحضارات شائخة وحضارات يدب فيها وهن الفناء . فما فى انطوائها الا معنى انطواء القديم ، وما على من يبتر العضو الفاسد ان يقيم عضوا محله . فالحرب هكذا . انما هى عامل طبيعي للحياة قد يهدم ويبنى ، وقد يهدم ولا يبنى .
والحرب فى كل وقت ضرورة الحياة . ضعف تستغله القوة وتسخره لماذا لا يكون حربا عليها ؟ حرية تعوقها عبودية . لماذا لا تثور بها !
هناك قوانين الضعف ، وقوانين القوة . فالنزاع إذن . لغة الحرب الاخرى والأسلحة كثر ، وليس الحديد والنار امضاها . والقوة ليست قوة الجيش المحشود ، والنفوذ الممتد . هناك الثورات الساكنة ، والجلاد الصامت ، والتهيؤ المباح
ليست هذه الحرب الهادئة من أقوى الحروب وأقدرها ، وأرجحها فوزا ؟ انما الضعف ان تموت فى الامة ، وفي الجماعة ، وفي الفرد ، انباض هذه الحرب ، وتنعدم دلائلها . فما بعدها ما يضمن فوزا أو حياة .
هذه لغة العدم المطلق ، ولغة الضعف المنهار وبعدما اضعف امة لا يكون فيها طى ونشر . وما اضعف امة لا يكون فيها نزاع .
