الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

استفتاء السنة, هل الحروب تطوى الحضارات أم تنشرها

Share

٨

رأي الاستاذ محمود عارف

سؤال نجيب عليه ، على عادتنا فى الاجابة على استفتاءات المنهل السنوية ، ونحن نحاول بقدر الامكان تخريج الراي المعتدل . بعد امعان النظر ووجوه الاستفتاء المشتمل على شتى الاراء . وها نحن نسرع بالاجابة وعلى الله الاتكال .

حضارة كل أمة من الامم ، هى الصورة الممتازة لجوانب حياتها المستكملة . فالأمة التى بلغ منتهى امتيازها فى الفنون والعلوم ، ووسائل البناء والتشييد حد الكمال تعد امة متحضرة . وقد ولد الانسان الاول ومعه العقل ، ومشى على الارض وهو اعزل ، ثم اخذ يستهدي بنور العقل ، ويستعين به على ترتيب حياته وتنظيم وسائل معيشته . ومن هذا يتضح بان للعقل دخلا كبيرا فى تهيئة حضارة الانسان منذ الخليقة . والمعروف من تاريخ التطور البشرى ان الانسان ساير مراحل الحضارة بعقلين ، فقد عاش الانسان عيشة فى غاية من البساطة ثم تملص من نير هذه المعيشة طالبا حياة ارقى من الحياة الأولى ، فاستهدي بنور العقل الأدبي .

العقل الادبى

وأول خطوة خطاها الانسان فى سلم الحضارة بعد تطليق حياة البساطة الأولى كانت بتأثير العقل ، فقد هداه لمعرفة الزراعة ؛ فعرف كيف يستغل الأرض والامطار . وفي هذه المرحلة خرج من البداوة ، الى حياة الجماعة

المنظمة . وبحكم حياة الجماعة اضطر الى وسائل التدبير فعرف البناء والحرب والصناعة والطبخ والخبز ثم نشات له اداب من شعر وقصص ، وحضارة الانسان . فى هذه المرحلة هي حضارة العقل الأدبى .

العقل العلمي

وهو العقل الذي ظهرت بوادره وبواكيره فى بدء القرون الوسطى ، حيث خرج الانسان من طور التخيلات الى طور التدقيق ، وخرج ايضا من طور المحاورات اللفظية التى كان يعنى بها امثال سقراط . . وارسطاطا ليس . . الى حيز الحقائق العلمية . وفي هذه المرحلة شهدت حضارة الانسان مبتكرات فى عالم الاختراع . يصح ان تعتبر من العجائب هذه هى مراحل التطور للعقل الانساني . ومن خلال هذه المراحل يستطيع الانسان المؤرخ معرفة حضارة الانسان بالتقريب . قياسا على مراحل العقل الانساني .

وقيمة الانسان بماله من حضاره ممتازة . وقد شهدت العصور حضارات جمة فى امم مختلفة . بعضها فى الشرق القديم . وبعضها فى اوربا . والماثور عن أوثق مصادر التاريخ القديم . ان الشرق القديم هو منبع الحضارات التى وجدت فى الدنيا . وأول الاجناس التى ابتدعت الحضارة هم المصريون . والاجناس السامية فى آشور وبابل . ثم انتقلت مع الزمن من الشرق القديم عن طريق اليونان . وروما . الى أوربا الغربية . ثم عن طريق بيزنطة ) الاستانة ( الى اوربا الشرقية .

وكما شهدت العصور حضارات مختلفة . صادفت الحضارات حروبا جمة . ومن بين هذه الحروب ما هو هائل جائح . ومنها ما هو عادل سائح . وغريزة الحرب نشأت في الانسان مع بقية الغرائز الأخرى التى منها حب السيطرة والغلبة . وقد عرف الانسان الحروب منذ خرج من حياة العزلة إلى حياة الجماعة . وحياة الجماعة يستدعى التبسط والتوسع في الأرض . فلما الحت عليه حاجة التوسع .

اثار الحروب اشباعا لغريزة السيطرة . وغرضه الاول من إثارة الحروب هو بسط حضارته فى امتداد لأرض . ولم يرو لنا تاريخ الانسان ان حروبا قضت قضاء مبرما على حضارة ما . وان كان المأثور ان بعض الحروب احدث فى بعض الأمم شيئا من التلوين فى الصبغة القومية . ليس له اقل تاثير على حضارتها . لان الحروب كانت بالنسبة للانسان من الامور العارضة التى تزول بزوال اسبابها . كالمرض بالنسبة للصحة . والأكل بالنسبة للجوع فكلاهما يساعد على استئناف القوة . ويعين على تهيئة النشاط .

وقد شهدت حضارات بعض العصور القديمة حروبا هائلة نالت فيها بعض الامم حصة من الاستفادة تعادلت بين الغالب والمغلوب . فالغال فى فرنسا والبريطان فى بريطانيا قد غلبهم الرومان قديما على امرهم - فخذ الغال والبريطان عن الحضارة الرومانية الغالبة

أما القوط الشرقيون . واللومبارد فى ايطاليا . والفرنك . فانهم غلبوا على تلك البقاع التى كانت حضارتها رومانية - وكانوا اقل حضارة من الرومان - فأخذوا من حضارة الأمة . المغلوبة . وتشبه الغالب بالمغلوب . ومن هذا القبيل حضارة الفتح الاسلامى . فقد استفاد الفرس والروم . من العرب حضارة القصيدة الاسلامية . فى الوقت الذي استلهم فيه العرب من كلتا الدولتين ذخائر الذهن الفارسي والرومي . مع احتفاظ العرب بتراثهم الاسلامي . ومجد حضارتهم الخالده

ولعل سائلا يسأل : بعد ان اقمنا الدليل على عدم تثير الحروب في مصير الحضارات اين ذهبت حضارات آشور وبابل وفينيقيا . والفراعنه ؟

والجواب على ذلك عند التاريخ الذي يؤيد نظرية سنة التطور ومعنى هذا ان لكل شئ مدا وجزرا ، وارتفاعا وهبوطا ، فاذ ذكر التاريخ انحطاط الحضارات القديمة . او فناءها ، فليس معناه ان الانحطاط او الفناء كان بتاثير الحروب فيها . بل ان المعنى الذى يفهم ويتفق مع قاعدة سنة التطور هو ان

حضارة أخرى قامت - مثلا - فى الغرب فطفت على اخراتها فى الشرق .

دخلت الثانية فى الأولى . بحكم تماسك الأولى . وانحلال الثانية . وهو طغيان قضت به سنة التطور السائدة فى جميع شؤون الانسان . وكل كائن فى الحياة . وحضارة العصر الحديث قد جمعت فى جوهرها شتى العناصر التى قامت على أساسها معظم الحضارات القديمة . ولذلك لا تؤثر فيها الحروب العارضة

٩

رأى الاستاذ عثمان حلمي

لما كان السؤال عن الحروب مطلقا وعن الحضارة بالاطلاق يكون الجواب ان الحروب تطوى الحضارة وتنشرها فانها قد طوتها طيا ونشرتها نشرا ، ولولا الحروب ما سامت حضارة ولا يخفى على احد صحة هذا الجواب فان الانسان يعلم الأشياء بسبب من اسباب العلم وهو هنا الاستقراء لمن يطالع التاريخ ولكن هل نقيس الحروب المستقبلة وهذه الحرب التى نري العالم فى مستهلها على الحروب التى مضت ام لا ؟ فقبل كل شئ نقول ان الحضارة والحرب والطى والنشر كلمات بسيطة مفهومة المعانى وانما الحضارة والحرب من بينهما قابلنا التقسيم بنسبتهما الى الاسلام وغيره فكل حرب اختارها المسلمون فى جميع الازمان كانت اداة نشر للحضارة الصحيحة كما يشهد التاريخ واما غيرها من الحروب فانطوت امامها الحضارات ولا ينكره احد . فان الله لما خلق بقدرته البشر لم يخلقهم ليعيشوا فى شر بل كرمهم فى البر والبحر واسكنهم فى ارض كجنة فيها ما تشتهيه انفسهم وجعلها لهم كفاتا احياء وامواتا ولم يبثهم فرادى فى اودية وجبال وصحارى بل جمعهم فى مدن وقرى وامنهم فيها وجعلهم اولى حرث ونسل ثم ارسل اليهم رسله

ليعلمهم ان الغاية من خلقهم هى عبادتهم كما قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون " فكان الواجب عليهم ان يطيعوا خالقهم ويفعلوا ما يؤمرون كالملائكة سكن طبقات السماوات وان يجتنبوا عما ينهون عنه ليزكوا انفسهم فى هذه الحياة الفانية هى التى كمدة لاخبارهم ، حتى يسعدوا بالحياة الابدية عند مليك مقدر ولكن حسدهم الشيطان عدوهم فانساهم ربهم وسول لهم ان يسفكوا الدماء ويهلكوا الحرث والنسل فقامت طائفة تعتدى على اخرى والآخرى نهضت تدفع عن كيانها فوقعت حروب طوت الحضارات واضطرت شعوب لتحمل بيوتها على ظهور دوابها لتعيش حينا فى سهل وحينا فى جبل كما تشاهد في زماننا بقيتهم فهذا طي ، وقد اراد الله دفع الناس بعضهم ببعض فصمدت سكان مدن فى وجوه الاعداء فقامت حروب فحفظوا الحضارة كما قال الله " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد " وهذا نشر

واما الحرب الحاضرة التي يتعين اسمها فى مستهلها فستكون كامثالها فان سنن الكون متماثلة ، فسوف تؤثر في مصير حضارة العالم تأثيرا ظاهرا وستطوى بساط مافسد وتلوث في الظلمات من الحضارات ثم تنشرها نظيفة وقد طلعت عليها شمس الحقيقة واظهرت محاسنها فان الله خلق العقل حرا ، ولكن اكثر الناس سلموه الى الشهات اسيرا ، فاذا طحنت الحرب اصحاب الهوى انطلق العقل وسارع الى ما حبل عليه ، فيقود العقلاء إلى الصراط المستقيم ، وكذلك سنجد الناس ان شاء الله سيبحثون بعد هذه الحرب عما يسعدهم من مبدىء تضمن السلام ، وتؤسس لهم حضارة لويتهم الرفاه التام ، فلا يجدون حينئذ الا تعاليم دين الاسلام فيهتدون بهديه ويمشون بنوره ، كالمسلمين الذين طبقوا هذ القانون السماوى على انفسهم ، فعاشوا على الارض قرونا باعظم قسط من الأمن والعدل والهناء والثروة والمجد والعرفات ، وماذا يريد بعدها الانسان ؟

واما الحضارة الحديثة فستجلى هذه الحرب حقيقتها مجزرة لم يسبق

لها مثيل قد برعت فى تاسيس تلك المجزرة نخبة من المهندسين شيدوها على ارض واسعة اشتغلت في بنائها مئات ملايين من العمال قرنين كاملين وصرفت عليها مليارات من الذهب - لو انها صرفت فى تعمير الارض جمعها لكفت - فلما نمت عمارة هذه المجزرة حسبها الناظرون الى سعتها والى تشكيلاتها انها امم لهم عواصم وبلدان وقرى وفيها معاهد التعليم وفيها مكتشفون ومخترعون لما يسهل العمل وفيها معامل لاعدادا الالات وفيها اسواق ومتاجر للأقوات والملابس والحلى وفيها طرق المواصلات ووسائط النقل بجميع انواعها يتكاثرون ويتفاخرون ويتسابقون فى عملهم ، وقد عنيت بحفظ هذه المجزرة برا وبحرا وجوا بجنود واساطيل وطيارات فاجريت قبل ربع قرن ستة ١٩١٤ م مراسم افتتاحها بذبح ١٠ ملايين من شبان البشر ، ومن العجيب ان يكون مؤسسوها وعمالها فى عداد ضحاياها

اشترك في نشرتنا البريدية