اعتاد المحرر ان يوجه في كل عام استفتاءا مناسبا الى حضرات اعلام الثقافة والفكر فى هذه البلاد ، وجريا على تلك القاعدة صار توجيه الاستفتاء المسطور اعلاه الى حضراتهم . وها نحن ننشر اراءهم تباعا ، فى كل جزء رأيين لعرض مختلف وجهات النظر في هذا الموضوع ، شاكرين لهم فضل الاجابة .
١
رأي سعادة الاستاذ الجليل السيد صالح شطا النائب الثانى لرئيس لمجلس الشورى
سالنى الأستاذ مدير مجلة " المنهل " الغراء - هل الحرب تطوي الحضارات ام تنشرها - فلمكانة الاستاذ عندى وحلول المحل الأوفى من قلبي اجيبه على سؤاله هذا وان كان هناك من هو أولى منى واعلى كعبا فى هذا المضمار .
الحرب من حيث هى حرب فيها الدمار والهلاك وتقتيل الرجال ، وترميل النساء ، وتيتيم الاطفال وبوار التجارة وكساد الصناعة ، وهذا فى الحرب القديمة ، أما في الحروب الحديثة فهى البلاء المنزل والموت المحتم ، لا تبقى ولا تذر ، على شر او حجر اوشجر . واين الرمح والسيف من الغواصات والدبابات والطيارات : واين القوس والنشاب من المدافع على اختلاف انواعها وتعدد اشكالها ؟ واين
الرمي بالطوب والحجارة من الرمي بالقنابل وفيها الغازات السامة والقنابل المدمرة والمحرقة ؟ . لهذا جاء الاسلام بالسلام وحث عليه فى كثير من الآيات والاحاديث قال الله تعالى " وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " - " والذين اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " - " وجادلهم بالتي هي احسن " . ويروى انه قال عليه السلام : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية . وجميع حروبه عليه الصلاة والسلام كانت مدافعة عن العقيدة وحماية النفس ، ولم يؤذن له فى القتال الا بعد ما بلغت الروح الحلقوم : واخرج من دياره واوذي اصحابه بأشد انواع الاذى ، ومع هذا لما نصره الله عليهم يوم فتح مكة عفا عنهم واعطى المؤلفة قلوبهم عطاء من لا يخشى الفقر . ويقول اذا اشتد اذاهم : اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون . ويقول لأصحابه ، لعلكم تستفتحون بعدى مدائن عظاما وتتخذون فى اسواقها مجالس فاذا كان ذلك فردوا السلام وغضوا الابصار واهدوا الاعمى واعينوا المظلوم وما انتقل صلى الله عليه واله وسلم الى الرفيق الاعلى إلا وقد أبدل الله اهل الجزيرة العربية من بعد كفرهم ايمانا وعسرهم يسرا ، وتفرقهم وضعفهم قوة والفة ، فصارت " كلمة الله هى العليا " ثم الى من بعده خلفاؤه واستنوا سنته واهتدوا بهديه ، فكانت حروبهم كلها رحمة ورأفة ، وانظر الى وصاياهم الى قوادهم فى كتب التاريخ تعلم صدق ما اقول !
وما مضى بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم نصف قرن حتى عم الفتح الاسلامي اغلب المعمور من الارض ومع هذا لم يسمع انهم اخفروا ذميها اوهتكوا عرضا او قتلوا وليدا او امرأة والاغرب من هذا كله ان الاسلام انتشر فى هذه الاقطار وعمت اللغة العربية هذه البلاد كافة وساد الامن وترقت التجارة والصناعة وازدهرت الزراعه وعبدت الطرق وانشئت المدارس على اختلاف انواعها فى جميع البقاع التى وطأتها اقدامهم وعمت المساجد حتى صارت تعد بعشرات الالوف ، فزادت الثروة وانتشر العلم وظهر العلماء الفطاحل والأدباء المبرزون والفلاسفة
الكبار والاطباء الحاذقون ، فهذه الحروب هي الوحيدة في التاريخ التى نشرت الحضارة وعمت السعادة فى البلاد المغلوب على امرها .
واما ما عداها وبالاخص الحرب العامة فانه حتى بعد الفراغ عمت الفوضى فى العالم اقتصاديا واخلاقيا وهذه الحرب القائمة هي اثر من آثارها ولا يعلم ما حدث بسببها الا علام الغيوب من الشرور والفتن والهلاك والدمار اذا لم تنته قبل الربيع القادم فالحرب اذا لا تنشر الحضارة بل تطويها وتدمرها غالبا قال تعالى ) ان الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة وكذلك يفعلون ( .
انظر الى حضارة الاندلس والبلقان وغيرهما فانها قد محيت من خارطة الوجود وانظر الى اغلب المستعمرات فانك تجد فى كثير منها انقراض سكانها كما فى امريكا واستراليا وجنوب افريقيا وما فلسطين وبولونيا عنا ببعيد .
. نعم ان الحرب اذا وقعت بين امتين متماثلتين فى الرقي قد تصهرها فتعود الى ما كانت عليه او احسن ولكن هذا لا يكون الا بعد زمن طويل فبولونيا مثلا مكثت هى والتشيك اكثر من قرن تحت الاجنبى ولكنهما رجعتا احسن مما كانتا بعد الحرب ثم اختفتا ثانيا وهذه الجزيرة دوختها الحروب قرونا عديدة حتى اتاح الله لها توحيد أغلبها على يد بطل العرب جلالة الملك عبد العزيز ادام الله بقاءه فظهرت فى هذا الثوب القشيب ، ونسأل الله ان يديمه الى ان تصل الى سابق عزها ومجدها فى حياته العزيزة
ومع هذا يجب الاستعداد للعدو لارهابه ووقوفه عند حده فانه لا يفل الحديد الا الحديد لهذا امرنا الله سبحانه وتعالى بالاستعداد واخذ الأهبة لئلا نؤخذ على غرة ) وما ا كثره في هذه السنين ( قال عز وجل ) واعدوا لهم ما استطعيم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ( ) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ( . اي لولا ان الله تعالى يدفع اهل الباطل باهل الحق وأهل الفساد باهل الصلاح لغلب اهل الباطل والافساد في الارض وبغوا على المصلحين حتى يكون لهم السلطان وحدهم فتفسد الارض حينئذ .
اذا ارادت الأمة العربية والاسلامية ان تحفظ استقلالها وان تحمي حوزتها فى هذا الوقت العصيب فلتاخذ حذرها وتتاهب لليوم الموعود واذا كان الاتحاد لازما فى غير هذا اليوم فانه فى هذا اليوم الزم والفرصة سائحة لكل من يعمل . والا فما بعد اليوم كوفة ومن ضيع الحزم فى اوقاته ندما - وليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم ، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الي عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون
٢
رأى الكاتب المعروف الاستاذ عبد الوهاب آشى
قبل الاجابة الحاسمة على هذا السؤال . نريد ان نوجه سؤالا آخر نراه كمقدمة له . وان الاجابة عليه تؤدي حتما الى ما يجب ان يكون جوابا وشرحا للموضوع المطلوب . هذا السؤال هو : ) هل الحروب ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية للبشرية ( ؟ .
إذا رجعنا قليلا الى النظر فى الغرائز البشرية نرى ان غريزة حب الذات فى لغة العلم ، او الانانية والاثرة فى لغة الادب والعرف ، هى التى تصدر عنها كثير من الفضائل والمساوىء والخير والشر فى النفس الانسانية ، وانه لغريزة عارمة تدعو دواها إلى الاستحواذ على كل شئ ، والتغلب على كل ما يقف دون تحقيق الغاية التى يصبو اليها صاحبها . متى انس في ذاته القوة والأعـ . واني لمن استحصدت قوته ، وتكاملت عدته ان يقف عند غاية . ويقنع بما اوتيه ؟ ! .
وهي أيضا تدعو إلى الكفاح ومناضلة القوى المتغلبة العادية ولو الى مدى
محدود فى سبيل المحافظة على الحقوق التى حصلها صاحبها فى حياته . متى أحس فى نفسه ضعفا يقعده عن الطموح والعدوان . وانها كما تتمثل فى الأفراد فتشعل بينهم خصومة محدمة تسيل من أجلها الدماء . ندعوها نزاعا فرديا . كذلك تتمثل في جماعات الامة الواحدة التى تجمع بين بعض افرادها وحدة المصلحة . ويفرق بين هؤلاء وبين سواهم عدم اتحادهم فيها . والكل منهم يريد استخلاصها لنفسه فتثير بينهم لجاجا وعراكا ندعوهما حربا اهلية او ثورة محلية . وتتمثل ايضا فى الامم والشعوب المختلفة العناصر والمبادىء والسكن . فتنفث فيهم سموم العداء والبغضاء . لا يعالجها الا السلاح يقتل ويهدم ويدمر . وبدعو ذلك حربا دولية إذا حصرت بين شعوب ودول متعددة . وحربا عامة إذا شملت اغلب الامم .
فما هذا التناحر الدائب . الذي لا ينقطع مع الزمن فى مختلف اشكاله وصوره فرديا او جمعيا او امميا الا فورة وانتباه تلك الغريزة فى النفس الانسانية . تطغى على روح الجماعات والامم . كما تطغي على نفوس الافراد .
وقد جهد الانسان المتمدن وبالتالى الامم المتمدنة - بعد ان حدت قوانين الفضائل ومحامد الاخلاق نزعة العدوان . واصطلح المجتمع الانسانى فى تطوراته الحيوية على انظمة الحقوق وتقريرها - فى ستر دوافع تلك الغريزة . ولبسها بمختلف المعاذير الملتمسة . والمبررات المنتحلة . عند حدوث النزاع . واذكاء نار الحرب . كدعوى استرداد الحق المسلوب . أو نجدة الحرية والكرامة المذالة لدى الهجوم . وكدعوى مناهضة المعتدى . او نصرة الضعيف عند الدفاع . ولكن ما هى تلك الحقوق التى كانت ذريعة لأقامة شريعة القتل والتدمير . مقام شريعة المحبة والاخاء . وما حقيقتها ؟ ! . وهل كانت الطبيعة ومحاسنها . والأرض وكنوزها . حينما هبط اليها الانسان الاول . ملكا مسجلا له ولبنيه ؟ افلم تكن مستباحة له وللحيوانات والدواب ؟ حتى غالبها بذكاء عقله . وسعة حيلته . وقوة مداركه . فذلل ما كان منها فى مصلحته تذليلها . وطارد ما كان منها عتيا جبارا
عن ما اختاره من الارض ملجأ له وماوى . إلى النواحي التى يامن فيها من غوائلها ! فاقتنى الدور والمزارع . وابتني المدن والحصون والمصانع . واصبح هو ونوعه من بعده السيد المطاع فى الكائنات الحية ! افلا كان من دواعي النصفة والقسط . أن يكون هذا الميراث الانساني المكتسب بسلاح القوة حقا مشاعا للبشربة . يتساوي فيه ضعيفهم وقويهم وحقيرهم ورفيعهم ! اما كانت شرعة التسامح والتعاطف فيما بينهم اولى من شرعة المحاحكة والعنت في حق كان فى اصله مباحا ومشاعا ! ولعل ابا الطيب المتنبي نزع إلى ذلك حينما قال بيته الخالد .
ومراد النفوس اهون من ان تتعادى فيه وأن نتفانى
ولكن هيهات ! فان لمراد النفوس سورة لا يهدئها الا عزة الظفر أو خذلان الفشل . وان للقوة حكما صارما تعنو له الجباه ! واذا كان الانسان الاول احتكر ما أراده من الارض والطبيعة بقوة جثمانه وعقله . فما احرى ان يكوى ميراثه من بعده حقا مشروعا للقوى من بنيه . ونظام التطور والنشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي . يحتم تلاشى الضعيف وفنائه . ورسوخ قدم القوي وبقائه .
وقد كانت وماتزال الشرائع والقوانين مؤيدة لهذا الحكم غير انها احاطته بحدود وكيفيات يرجع اليها فى الفصل عند الاحتكام ، تكبت الى حد ما يعتلج في النفوس من نوازع الطمع والشره . فاستطاعت بعد جهاد عنيف ان ترسم للانسانية طرق اكتساب الحق ومشروعيته . ولا نقول جزافا حين نقول : ان تلك الطرق انما رسمت فى اساسها على اعتبار القوة ايضا . اليست النظم والقوانين تبعث الحق لصاحبه . اما بقوة الغلبية والاستيلاء فى الحرب . واما بقوة وضع اليد ، او بقوة الحجة والاستناد ، أو بقوة المال ، فى تبادل المنافع والمصالح والعرو السلم ! ثم البست الشرائع قد أجاحت غنائم العدو واسلابه عند اندحاره . اباحت فرض الجزيات والأتاوة على المخالف المسالم ثم ليست تدعو الى اخذ الحذر واعداد القوى للكفاح وارهاب الاعداء !
فما أضل اذن الفلاسفة والحكماء الخياليين . دعاة المحبة والاخاء والمساواة والسلام فى الانسانية ! ويا خيبة مساعى الساسة فى نزع السلاح والقاء العتاد بين البشر . تلك احلام تتراءى في ظلمات الاغراق فى احسان الظن والنية بالناس في الحياة الدنيا . يبددها اشراق الحقائق الواقعية التى تميلها ضرورات هذه الحياة . من تحبهم الناس ونكرهم لبعض . ومن تصافحهم اليوم ثم تباغضهم في الغد
وبعد . فالحرب شر لابد منه . وويل لا معدى للانسانية عنه . ولا تستطيع ان تنجو منه الا إذا استطاعت ان تتخلى النفوس عن غريزة حب الذات او الانانية . والأثرة . فهل يتسى ذلك ؟ إذن لركد العمران . وانكشت الحضارة وتعطلت حركة تطور النفوس والافكار والاخلاق . فى الفرد والجماعات والامم ولبقى الانسان الان هو هذا الانسان الاول حينما هبط الى الارض . فلم يغرب في آفاقها . ولم يجد في استعمارها . بل لتلاشى أمام قوى الطبيعة القاهرة . واندحر تجاه وحشية الحيوانات الكاسرة . ولقد كانت حروبه الاولى دفاعا عن نفسه وعن نوعه ازاء تلك الظواهر والمؤثرات . ثم اصبحت نضالا بينه وبين بني جنسه ، طمعا فيما قد نالوه ولم ينله . وحسدا لهم على نعمة انعمها الله عليهم وحرم منها .
ولقد حدثنا القرآن الكريم . كما حدثنا التاريخ عن أول خصومة استحرت فى عهد الانسان الأول . وسفك فيها الانسان دم اخيه الانسان الطاهر . وهى خصومة قابيل وهابيل التى انتهت بمقتل هابيل . وبعد ذلك افتتح باب الفتنة على مصراعيه . فكان نزاع . وكانت ثوارت . وكانت حروب . لا يعلم الا الله وحده كم التهمت من نفوس . وقوضت من عمران واجتاحت من حضارات وجرفت من عقائد ومبادئ . واذلت من امم . وادالت شعوبا من شعوب .
اما وان الحرب ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية للبشرية . فما هى اثرها ووظيفتها في هذه الحياة ؟ لا نكران في ان من استقرأ التاريخ يجد ان الحرب كما انها هدمت ودمرت . كذلك اقامت على انقاض ما هدمته ودمرته
معالم اخري من نتاج العقل والعمل الانساني . وجددت صورا وأنا من مباهج الحياة الانسانية وما سها . والحرب فى نتائجها الايجابية من اقوى المؤثرات واسرعها فى تطور مرافق حياة الفرد والجماعات والامم . وانتقالها إلى مختلف الأشكال والأوضاع التى بفرضها سلطان الغالب على المغلوب . وبعبارة ادق سلطان القوي على الضعيف .
وإذا كان لحياة الفرد النفسية والخلسية والفكرية انحلال لا يعيد جماع قوتها ولا يوثق عروتها معه الا الأيقاظ والتنبيه الشديد إلى درجة الزجر والتعنيف والصفع . فان للجماعات والامم والشعوب انحلالا في حياتها الاجتماعية لا يعالجه الا الصراع والكفاح . واسترخاء وجمودا لا يزيلهما الا الحرب تصهر النفوس فتنهضها . وتعصف بالعقول فتنفلت من عقالها . وترج البلاد فتغلى غليان المرجل لتصمد للكارثة إذا انست فى حماتها القوة والاستبسال . او ترجوا الخلاص والانتقال إذا سئمت حياتها الاولى لتستقبل حياة أخرى .
وكم كانت الحروب سببا فى اتساع الحضارات واطراد نحوها وتقدمها . بما تدفع الانسان الى ابتكار مختلف الصناعات والمخترعات التى تسهل له سحق آخيه . الانسان عند مهاجمته . او تقيه عاديته عند الدفاع عن نفسه . ويصبح كثير منها فى اوان السلم والاستقرار اداة رقام له ولبنى جنسه .
ويقول الدكتور غوستاف لوبون فى كتابه سرتطور الامم الذي نقله إلى العربية المرحوم فتحى باشا زغلول : ان احد الساسة الانكليز زار المدارس الانكليزية . فقال له احد كبار المعلمين ) اني احاول ان اصب شيئا من الحديد فى روح التلاميذ ( . ويرمي بذلك إلى وجوب ان يربى الابناء الانكليز فى مدارسهم تربية عسكرية جبارة . فان استعدادهم للحرب يكون اد عدم الخوف من الحرب . وان بث الروح الحربية فى نفوسهم يكون منهم رجال اقوياء أولى بأس شديد .
والآن نستطيع ان نحكم حكما قد يكون صارما وقد يكون جائرا . الا انه
حكم يؤيده التاريخ فى ماضيه وحاضره . ولا يعدو عنه منطق الحياة والواقع . الا وهو ان الحرب لا تطوي حضارة الا لتنشر أخرى . ولا تبيد أمة الا لتبعث أخرى . ولا تأتى على بلاد أو مدن الا لتنشئ مكانها أوبدلها بلادا أو مدنا أخرى فتلك حروب الاسكندر فى قديم الزمان . وهاتيك الفتوح الاسلامية فى عصورها الذهبية . وهذه الحرب العامة المنصرمه . كانت نتائجها تدميرا واجتياحا لنواحي الضعف والانحلال فى الحياة البشرية إذ ذاك . وبناء وتجديدا فى الأخلاق والأفكار والمبادئ والسياسة والاجتماع والحضارة والعمران . وما لنا نذهب بعيدا . وهذه الحرب السعودية التى انتهت باستيلاء عاهل العرب جلالة الملك عبد العزيز آل السعود على الحجاز وعسير ومعظم مقاطعات شبه الجزيرة العربية الشمالية والجنوبية . فانها كما قضت على جملة حكومات وولايات كانت كالأعضاء الشل فى جسم الجزيرة . وكما اجتثت أوضاعا سياسية بالية . وبدعا فى الدين ابتدعتها التقاليد الواهية : فقد اقامت حكومة متماسكة الاطراف . وكونت من مجموعها أمة واحدة تخضع لملك واحد . وتظللها راية واحدة . وبعثت في النفوس مشاعر وأحاسيس كانت مطوية فى خفاياها . ووجهت العقول والافكار والمبادئ والعقائد إلى وجهات عملية حيوية صحيحة . لم يكن الناس فى هذا البلد يألفونها ويسيرون فى حياتهم نحوها . واقتبست البلاد من مظاهر الحضاره والمدنية الحديثة فى أمد قصير ما لم تره طوال السنين والعصر الخالية . وما كانت تحاربه الحكومات السابقة ويمانعه أعوان الجمود والرجعية . ثم من ذا الذي ينكر ان العالم الآن فى فوضى اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وسياسية . تحتاج إلى هدم وتقويض . لتبدل إذا شاء الله باستقرار وارتكاز . ومن ذا الذي يدري لعل هذه الحرب الراهنة هي أداة التطهير والتصفية والغربلة ! وأحر رجائنا من الله هو ان يقصر من أمدها . ويزيح عن صدر العالم كابوسها . فانها حرب ان عمت - لا سمح الله ولا قدر - ستكون مشهدا من مشاهد القيامة ان لم تكن القيامة وقي الله العرب والمسلمين شرها . وأبعد عنهم لظى إدوارها .

