٤
رأى الاستاذ أحمد رضا حوحو
سالتموني عن الحروب ، هل هي تطوى الحضارة ام تنشرها ؟ ولا أكتمكم أنى اجد نفسي محتارا امام هذا السؤال الخطير ! لان الحروب اقسام مختلفة حسب اختلافات الميول والمقاصد . والحضارات ضروب متنوعة حسب تنويع الافكار والغرائز .
فانا مثلا ، أرى من الهمجية بعض ما يراه الغير حضاره ، وقد يرى البعض من الهمجية ما اراه انا وغيرى من الحضارة ، وهذا يختلف حسب اختلاف في الحضارة والرقي ، فكل له فكره وميله الخاص . فتجدنا نعد اليوم كل الات الخراب والتدمير من قنابل وغازات ، ومدافع وغيرها من اقسام الخسارة والتمدن ولكننا اذا امعنا النظر في معنى الحضارة الحقيقي ، نجد هذه المدمرات بعيدة كل البعد عن ميدان الحضارة . . واذا كنا مضطرين اليها اليوم ، فان الضرورات تبيح المحضورات -
الحضارة ضد البداوة ، ويقال تحضر فلان إذا صار حضريا ، أى صار مهذبا لينا ، مؤدبا اجتماعيا . . واذا كان من اللين تسميم الناس وخنقهم بالغازات . ومن التهذيب قتلهم وحرقهم بالقنابل ومن الاجتماع تشتيت العوائل ، وسفك دماء الابرياء . وتيتيم الاطفال ، وترميل النساء وتدمير البيوت ، وتخريب العمران . للغرض المادي ، فيحق لنا اذن ان نسمى هذه الوسائل الجهنمية حضارة
ونستطيع حينئذ أن نقول قولا واحدا " ان الحروب تنشر الحضارة " ! . لأنه لاشك فى ان هذه الجهنميات تزداد اضعافا ايام الحروب ، فهذه الحرب العظمى اظهرت لنا من العجائب ما كان يعجز الفكر عن تصوره . . وهذه الحرب الحالية نفسها تتمخض لنا كل يوم بشئ غريب . .
اما اذا اخذنا الحضارة بمعناها الحقيقى الصحيح ، فهنالك نستطيع ان نقول انه يمكن للحرب ان تنشر الحضارة كما انه يمكنها ان تنشر الهمجية . . وذلك
لان الامة الغالبة تريد دائما بل تنشر فعلا تعاليمها وتقاليدها على المغلوبين ، واذا كانت هذه الأمة الغالبة ذات قسط وافر من الحضارة فانها تبثها وتنشرها لا محالة فى تلك الامة المغلوبة ، وعلى هذا الاساس الحرب تنشر الحضارة . .
اما اذا كانت الأمة الغالبة متهمجة عربقة فى الظلم والفساد فانها تفرض لا شك همجيتها وفسادها على مغلوبيها ، وعلى هذا الحرب تنشر الهمجية . .
وربما كان احسن مثال يمثل به الكاتب فى هذا المقام هو " الأندلس " فان الأندلس قبل الغز والاسلامي كانت في الدرك الاسفل من الهمجية ، ولا تخفي على احد انظمة " الذريق " ( Rodnigue ) ملكها يومئذوا احكامه المتهمجة الغاشمة حتى ان الاسبانين انفسهم كانوا يتضجرون منها . فغزا الاندلس العرب ولما كانوا امة راقية متحضرة نشروا حضارتهم الراقية ، وبثوا رقيهم السامي حتى وصلت الاندلس ما وصلته من التمدن والرقي اللذين نتغنى بهما الى اليوم . . ثم انظر لما اعادها الافرنج مرة ثانية كيف محوا تقريبا كل ما وجدوه فيها من آيات الحضارة ومثل هذا كثير جدا . .
ولكن لا ننسى ان تقرر انه من المحتوم على الدولة المحاربة ) متحضرة كانت اومتهمجة ( ان تخرب وتدمر وتهدم وتقتل ، فهى مجبورة في بادئ الامر ) اي فى الحالة الحربية ( على ان تمحو تلك الحضارة الحالية ، ثم بعدما يستقر بها الحال ان كتبت لها الغلبة فان كانت امة متمدنة حضرت حضارة قد تكون ارقي من التى قضت عليها وقد تكون احط ، وذلك حسب تمكنها من التمدن والرقي .
واما إذا كانت الدولة الغالبة متهمجة فانها تزيد الطينة بلة حيث تقتل حضارة وتنشر همجية
واذ تبين لنا ان الدولة الغالبة لا يمكنها ان تنشر حضارتها ) اذا كانت متحضرة ( الا بعد اطفاء جذوة الحرب وبعد اقرار الحال ، واذ عرفيا ايضا انها فى حالة الحرب والقتال لابد لها من التخريب والتدمير ، يتضح لنا ان الحرب فى حد ذاتها تقضى على الحضارة على كل حال ، وانما نشر الحضارة يكون بعد انتهاء الحرب وهدوء الحالة وهذا طبعا إذا كانت الدولة الغالبة ذات حضارة ، اما اذا كانت ذات همجية كما اسلفنا فانها تزيد الخراب الذي احدثته خرابا ، وتبث بدل الحضارة التى قتلتها همجية . .
ومن هنا يبدو لنا واضحا ان هذه الحروب المادية لا فائدة فيها وهى الى طى الحضارات السامية اقرب منها الى نشرها
المدينة المنورة
٥
رأي الأستاذ أحمد الجاسر
يستطيع المجيب أن يقول " نعم " مستدلا بما يشاهد الآن من اشتغال العالم بالحرب ، وبالاستعداد لها ، وبالانصراف لكل ما يتعلق بها ، انصرافا هو بدون شك - من اعظم العوامل ، وأقوي الاسباب لطي " الحضارة "
ويستطيع ان يقول " لا " مقدما بأن " تنازع البقاء " قاعدة مسلم بصحتها وان الخرب للعالم هي بمثابة النار للحديد تصهره وتزيل زيفه . ومستنتجا بأن الحرب والحالة هذه - من " ضروريات " الحضارة التى لابد منها ، ومعتبرا ما تسببه من فقر وهلاك وموت ، امورا ضئيلة ، بالنسبة لما يعقبها من تقدم وقوة . قائما ذلك على كثير من المظاهر الكونية العظيمة ، كاصطخاب البحر
وهيجانه ، ومده وجزره ، تلك الافعال التى تتوقف عليها حركة " الملاحة " التى تعتبر من أقوى عوامل تقدم الحضارة . وكهطول الامطار هطول لا ينشأ من جرائه اضرار جسيمة ولكنها لا تعد شيئا عند مقارنتها بمنافعة التى هى اعظم من مضارة . ومستدلا بكثير من الحروب العظيمة التى غيرت مجري التاريخ ، تغيير لولاه لأصبح كثير من الحضارات العريقة فى القدم ، فى دوائر محدودة ضيقة .
وله أن يقول : إن الحضارة - التى اصطلح العالم على تسميتها حضارة - هي التى تجعل للحرب مظهرا فظيعا ، واثرا سيئا ، ويجد اوضح دليل ، وأقوي برهان حادثة الحرب " العظمى " التى لم يعهد العالم مثلها ، فى وقت لم تنل الحضارة من الازدهار والعظمة والتقدم مثلما نالته فيه . وإذن فعلى الحضارة تقع التبعة
وله أن يقول : إن الحرب تتنوع ماربها ، وتتشعب أغراضها ، ومن الخطل فى الرأي نسبة امر لحرب قبل معرفة مرماها ، ومنحى اتجاهها ، وانما يحسن الاستنتاج ويصح حينما تتبين الغاية . وهل لأحد أن ينكر ما للحرب الاسلامية فى عهد الخليفتين الراشدين ، وفي عهد بعض الخلفاء الامويين والعباسيين ، من سبب مباشر ، وأثر فعال فى نشر الخضارة الصحيحة ، المبنية على قواعد محكمة عن العدل والمساواة ؟ ! أم هل لأحد ان يثبت ان الحروب "الصليبيه" والحروب " الاندلسية الاسبانية وغيرها " لم تهدم ما شادته الحضارة الاسلامية ، ولم تنشر الفوضى والهمجية والجور ، باسوإ وافظع ما لتلك من مظاهر ؟ !
أما " أنا " فأقول : - معبرا عن رأيي الذي طلب مني الاستاذ الانصاري ابداءه - مرحي لك أيتها الحرب ! وسقي الله اولئك الجدود القائلين ) بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما ( .
وأما انت أيتها الحضارة الزائفة فالى حيث ألقت وبل الله بالرحمة ثرى اولئك الابطال الصناديد الذين دوخوا العالم لصلاحه أمثال " خالد ، والمثنى وعمرو ، وطارق ، وصلاح الدين ( رضوان الله عليهم اجمعين
