رأي الأستاذ عبد الله الغاطى
صديقى الأستاذ الكبير عبد القدوس الأنصاري أحييك اطيب تحية : -
وبعد فأحسبك الآن ذاكرا تلك السويعات الطيبة التى كنا نقضيها في الحديث عن الأدب ، شعرا كان أو نثرا ، فننقد ونقرظ ، ونؤمل ونتألم أحسبك ذاكرآ هذا كله ، وذاكرا نسمات الأصيل فى الطائف الجميل ، يوم كنا نتمنى آن تواتينا واهنة عذبة ، فى أيام يقدر فيها للادب أن تقال عثرته وللأديب ان يحترمه الناس ، فتعيننا هذه النسمات على الضرب فى مجاهل الفكر ، فنكتب في شىء من الراحة ، ونقول فى كثير من الحرية ، ونصدر الناس صحفا وكتبا ومجلات
أجل : انك ذاكر هذا كله ، فلولاه ولولا حرصك على الأدب الذي اخلصت له ما استطعت لما صدعت شمل الصمت ودللت على عزيمة الشباب وثباته فأخرجت لنا من غيابة الزمن مجلتك الكريمة .
آرايت يا صديقى الكريم كيف تتحقق الأمانى ؟ فما مجلة المنهل التى تفرح بها اليوم الا أول البشر ، فى انقلاب ما كنا نتخيل الى حقائق وما كنا نستبعد من آماني الى ما يسر النفس من واقع ملموس
فأنا الآن أكتب فى كثير من الجذل لمجلتنا المنهل بعد غياب طويل ، وغدا ساكتب لصحيفة أخرى ، وفى الذى يليه سأكتب لثالثة
ورابعة و . . و . . وحينئذ لا يبقى على ما تمنيناه إلا نسمات المصيف ورحابه وعطوره ، وهذه سهلة هينة ، ليس بيننا وبينها إلا ان نركب السيارة ، او " عفريت البر " كما يقول الصديق الفلالي قرب الله داره !
أما بعد ، فتسالني يا صديقى الأستاذ عن ادبنا وهل يصلح للتصدير ؟ وكنت أحسب ان يقف السؤال عن هذا الحد ، ولكنك رحت تسائلني عن كيفية اصلاحه كأنك شاك فى صلاح ادبنا !
فيا سيدي الأستاذ ، اذا كانت اللغة الأفرنسية على بعدها عنا وبعدنا عنها رحبت بادبنا فترجم اليها " اثار المدينة " ، واحتفلت به كتحفة فنية ان دلت فعلى الذوق الأدبي يعبر عن آثار مدينة المصطفى عليه الصلاة والسلام
ما معنى هذا ، أليس معناه صلاح أدبنا لأن يصدر الى بلاد الغرب . ان الذى يستقرىء يا سيدى الآستاذ نهضة هذه البلاد الأدبية ليحمد لها هذه الخطى الواسعة ، وليحمد لأدبائها الابرار جهودهم الطيبة المشكورة .
انك تعلم ويعلم الناس ان الحركة الأدبية فى هذا البلاد لم تكن فى العهد العثمانى شيئا مذكورا ، وان الناس فى تلك العهود كانوا يخشون أن تلتوى ألستتهم عن النطق بالعامية - بله العربية - الى التركية ، وليس العهد الهاشمي عن ذلك العهد ببعيد ، بربك ماذا قرأت من مخلفات ذينك العهدين من نتاج فكري ، اللهم إلا قليلا مما كانت تنشر القبلة وبريد الحجاز من شعر سخيف لا فنية فيه ولا حياة .
أما هذا العهد الكريم فانك واجد فيه من التراث الادبي ما يغنيك ! فرائد من الشعر الرفيع خيال خصب واسع أساليب مشرقة من البيان تفيض حيوية وفنا .
إقرأ ما تشاء من شعر عواد ، وشحاته ، وفقي ، وسرحان ، وسرح طرفك فيما تشاء من قصائد الغزاوى ، وقنديل ، وعرب ، وطاهر
واتل فى اتزان وروية ، ما ينثره من رفيع البيان سعيد العامودي ، وشطا واحمد العربى ، وعمر توفيق ، والعطار ؛ اقرا ما تشاء لهؤلاء ولغيرهم من ادبائنا فلست الان فى مجال سرد للاسماء - فانك ظافر ولاشك بذخرفتى ، وواجد ضالتك التى تنشد .
ادبنا يصلح للتصدير - يا سيدى - كل الصلاح ، والداء الذى قعد بأدبنا عن التصدير انما هو انصرافنا عن الاتصال بالصحف فى الاقطار العربية ، واكتفينا بتملق " الرسالة " فراح كتابنا يرجونها ان تنشر لهم من نتاج يعجز الكثيرون عن الآتيان بمثله ، وراحت هي تعرض عنا مكتفية بدرر العقاد ولالىء قطب ، وفرائد النشاشيبى ، واتخذنا نحن من اعراض " الرسالة " مقياسا لعدم صلاح آدبنا الحديث للنشر والتصدير ، فلم نرسل للصحف العربية فى سوريا ولبنان والعراق ، ولو فعلنا لرايت يا سيدى الاستاذ كيف يصلح آدبنا للتصدير
أضف الى هذا رغبة كبار الادباء عندنا عن الادب ، فما عادوا يحسبون له قيمة ، وهم عالمون كل العلم انهم ادباء قبل كل شئ ، للا دب عليهم حقوق الرعاية والتشجيع ، بأقلامهم وما أوتوه من نفوذ وجاه !
ولا تنس قلة صحفنا قبل الحرب فلو كانت لنا صحف كافية ؛ لسمعت وسمع العالم العربى لادبنا صوتا غير الذى سمعت .
وانى لكبير الامل فى الله ثم فى هذه النهضة الكريمة فى هذا العهد السعيد فى أن يكون لنا أدب ذو شأن يستاهل أن يترجم الى لغات اجنبية ، لا أن يصهر إلى الشرق العربي فحسب

