رأى الأستاذ محمد عمر توفيق
أهو محصول وطني يريد صاحب المنهل الأستاذ عبد القدوس الانصارى آن يسأل الأدباء عن مدى صلاحيته للتصدير الى الخارج وعما يعود به ذلك على البلاد من نفع اقتصادى عظيم لا شك في تقدير قيمته ومزاياه . ؟
ان صيغة السؤال صيغة اقتصادية . . الأدب فيها أو عندها كأى محصول آخر من هذه المحاصيل الحجازية الكثيرة او القليلة
فهل أراد الأستاذ الانصارى أن يضيف محصولا حجازيا جديدا الى محاصيله الأخرى . . ويعرفها الناس ؟ !
انه ان اراد ذلك فقد أراد تقرير قيمة الادب الحجازى تقريرا ماديا أخشى ان لا يرضى رجاله المتحمسين له هوى أو وفاءا
ولولا أننى أعرف الاستاذ فى طليعة رجاله أولئك لقلت قد أراد ذلك . وسامحه الله ! ولأنه اخر من يريده واول من ينكره وباباه منذ كان الادب عنده مطلبا دونه كل مطلب مأمول .
ومادام هو لم يرد ذلك ، وانما اراد ان يسأل الأدباء عن مدى صلاحية الادب الذي ينتجونه هنا لنشره فى غير هذه البلاد فلماذا تخبر الصيغة الاقتصادية التى وجه بها السؤال اليهم مادام ان فى الامكان توجيهه فى صيغة اخرى لا تستثير تعليق القارئ آو تعليق كاتب الاجابة عليها . . وما افسح مجال التعبير عن ذلك الاستفتاء المقصود لو أراد الاستاذ ان ينتقي ويختار
اننى أرجح وأعتقد انه اراد هذه الصيغة بحروفها . . لا لضيق مجال التعبير ، او لأن الادب عنده كسائر المحصولات القابلة للتصدير بل ليرمز بها الى جناية الاعلان فى دنيانا هذه على الكثير من دساتير الحقائق التى كان سبب الغائها انها مطوية لم يعلن عنها بعد . . فهى لا تساوى اكثر مما تساويه السلعة البائرة فى سوق المزاد العلنى الرخيص
فكانه يريد أن يقول : هذا الادب الحجازي . . أفرضوه سلعة مادية بائرة ! افتراها صالحة للتصدير عسى ان تفيد من وراء ذلك رواجا لها بعض الشئ مادام ان للاعلان أثره فى تقدير قيمة الاشياء سلبا وايجابا . . ؟ !
وقد بعد عهد الناس بالادب الحجازى منذ انقطعت أسباب نشره هنا باتصال اسباب الحرب لذلك فقد يشق عليهم أن يفاجئوا بالحديث عنه - فيما اباحته المجلة لكتابها - حديثا يتسم بميسم الدعاية - فى نظرهم - بعد كل هذه الهجعة الطويلة .
ذلك لاننى اريد ان اقول - وسيقول الكثيرون : ان ادب الحجاز مغمور كادب الزنوج ان صح ان لهم ادبا مدفونا فى ذلك الجانب المقفر من الدنيا !
ولست أعنى - وان كان قد يعنى سواى - ان هناك أدبا حجازيا أثمرته اقلام كتاب هذه البلاد وشعرائها والقت به فى النار ، او فى قبور من الاوراق المطوية ! وان كان الحديث يجرى بان بعض من نعرف من الادباء قد أثمرت دراسته مؤلفا او مؤلفات من النثر والشعر ، فتلك مجموعة مستورة لا يتسنى لناقد ان يتخذ منها قاعدة لتقرير قيمة الادب الحجازى المغمور مالم تنشر على الناس .
ولكما اعنيه هو هذا الادب المنشور من قبل ومن بعد فى الصحف والمجلات وفى كتب قلائل لعل بعضها أرث من بعضها
واعني الى جانب ذلك الادب المطوى الذي قرآته وأقرؤه لبعض أصدقائي الكتاب والشعراء .
وأعني بأيجاز لا تطويل فيه ما تقرره المجموعة الأولى والثانية من مستوى طيب كان يجب ان يتمتع به الادب الحجازى لولا انه مستوى محجوب وغير مشهود .
ان تاريخ النهضة الأدبية مقرون بتاريخ العهد السعودي المجيد وهو تاريخ قصير الامد بالنسبة لخطوات الفكر الرا كد فكان المعقول ان تنتج خطوات هذا الفكر خلال تاريخ نهضته القصيرة اثارا كاثار اليازجى والمنفلوطي ، وزملائهما من رواد نهضة الادب المصرى ، على ما بين التاريخين من فارق فى امتداد تاريخ المحاولات هنالك وقصره هنا .
اما ان تنتج آثارا عليها طابع الادب المصرى الحديث بعد ان قطع فى اتجاهه كل هذا التاريخ الطويل ، فذاك ما يبدو غريبا فى نظر تاريخ نهضة الفكر وسيرها البطئ .
ان ادباء مصر طبقات . . نستثنى منها الطبقة الممتازة التى تمثل قيادة الفكر المصرى ، وهي طبقة المازني والعقاد وطه وتوفيق الحكيم ومن الى هؤلاء ممن تجاوزوا حدود الاقليمية الى دنيا الفكر العالمي المرموق .
ولكن ما يلى هذه الطبقة ، وما يليها وما يليها . . فريق من الشيوخ والشبان ، لا ندعى ان بعض ادباء الحجاز يتساوون واياهم بدون ممايزة اوتفريق ولكننا ندعى اقترابهم من مستواهم هذا غير مغرورين أو متحاملين
ولعلنا غير مغالين ، أو مبالغين ان قلنا : ان بعضا مما تنشره الصحف والمجلات المصرية الممتازة وبعضا مما يذيعه المؤلفون هنالك ، لا يكاد يلحق ببعض ما انتجه ، وينتجه الشعراء والكتاب فى هذه البلاد
ولعلنا غير مغالين او مبالغين لونقدنا شعر بعض الشعراء الحجازيين ، والشعراء المصريين وانتهينا الى نتيجة انصاف الاولين قبل الآخرين ولكن هذا ما يطول نفسه وتقصر المنهل وأية مجلة أخرى عن استيفائه
على ان المقارنة هنا غير عادلة مهما كانت نتائجها منصفة - وأى انصاف - لهذا النفر المنسى من أدباء هذه البلاد
ان هؤلاء لم تكونهم الدراسة الجامعية التى تكون الادباء - عادة - فى بلاد كمصر وسوريا والعراق .
وان فوضى الحياة واضطرابها هناك ، غيرها نظاما وطمانينة هنا . وانهم هناك أدباء . حرفة واتجاها فنيا كان الدافع الاول .
وانهم هنا أدباء ينساقون للاتجاه الفني بالدافع الاول حتى النهاية ، أما الحرفة فان الأدب لا يلتقى واياها فى غير ميدان الوظيفة والعمل الكتابي الماجور .
أفليس فى المقارنة بين أولئك ، وهؤلاء . . ظلم بين لهؤلاء ، وان كانت تؤدي الى الاعجاب باستمرارهم الى جانب أولئك غير مظلومين او مغلوبين ؟ !
ولكنما نقول عن ادب الحجاز قد يكون مشكو كافيه ولو قدر لما نقول ان يسمع به ، كاتب مصرى او سوري او عراقي ، فيري به إلى حيث يرمى بكل قصة لا تؤول بغير المبالغة والتهويل .
وهذا وأمثاله ، معذورن ، غير ملومين . . ما دام ان الأعلان عن هذا الادب الحجازي لم يأخذ طريقه الى ما هناك من صحف ومجلات وما اليها .
على اننا لا ننسى - الى جانب ذلك - فتور الأدب المصري عن مسايرة يقظات الفكر فى البلاد العربية كلها ، فقد اغفل جانبا كان يجب أن لا يغفله ، بعد أن تقلدت قيادة الفكر العربى ، ان لم تكن قيادة الفكر الشرقي كله
فكل ما نقول ؛ او يقوله سوانا ، عن ادب هذه البلاد مستغرب منكور عندها ، لانها تعن نفسها قبل بالبحث عنه ، والتعليق عليه ؛ ولان الصحف المصرية - الى جانب اهمال الاعلان من قبلنا - ما تزال تربط مصير الانتاج الأدنى عندها باسم الناظم ، أو الكاتب ، لا بقيمة الانتاج نفسه وما يساويه فى ميزان النقد والتقدير
وبعد ؛ آفادب الحجازى مغمور ، وأي مغمور ! وقد كان حريا ان لا
يذكر الأدب السورى والعراقي ؛ الا ويذكر بينهما دون أية مداجاة . . ولكن اغفال الاعلان عنه ، قد جنى عليه الاغفال المطلق ، فليس له فى دنيا الفكر العربى غير ما لماضيه من ذكرى تقليدية تفنى ولا تغنى
افتراه غير صالح " للتصدير " بعد كل هذا ؟ انه صالح كل الصلاحية . فأين هي الكمية المعبأة للتصدير . ؟
واين هم " المصدرون " الذين يستطيعون أن يدفعوا ضرائب التصدير مستبشرين ، متوقعين من ورائه الفائدة الطيبة ، والمورد العذب الجميل .
