الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

استفتاء المنهل, الكتب والصحف، التى أنصح للناشئة بمطالعتها

Share

- ٧ -

استفتاء طلب منى الاجابة عليه الاستاذ " الانصاري " صاحب "المنهل" وعلل طلبه بقوله " تنويرا للاذهان وافادة للقراء " . وأنا لا ادري - ولست أخال أدرى - مع احترامى لحضرته ، واعتقادى بصراحته ، هل التعليل على ظاهره ، أم له " بطن وظهر " ؟!! لاننى أعتقد أن عالمنا تصدق عليه تسمية الفيلسوف " احمد التنوخى " : عالم معكوس من بعض النواحي ، والا فما الذى حدا بالانصارى الى استفتاء مثلي في هذا الموضوع المهم الخطير الكبير ، الذى لست من رجال الاجابة عليه ، ولعله استسمن ذا ورم ، وحينئذ فلا عتب على حينما أدعو له منشدا

أعيذها نظرات منك ثاقبة          ان تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

ولو كان بيني وبينه عداوة - أو صداقة على رأى حكيم الشعراء : منها ما يضر ويؤلم - لقلت : انه أراد الانتقام منى بحيلة لطيفة ، تعجز أقدر العالم وأعرفه بطرق الانتقام والدهاء ، لاننى بسبب الاجابة ، سأبرز فى فضاء رحب ، تتعاورني فيه السهام من كل جانب ، أو سأدخل فى مأزق ضيق ؛ لا أستطيع الخروج منه الا موتورا ، إذ من لازمها - أى الاجابة - تفضيل كتب وصحف على أخرى ، بل ارضاء قوم واغضاب آخرين ، حكم ان لم يكن حقيقة فماذا

يكون موقفى من اصحاب الكتب والصحف المفضولة ؟!! وما ذا يكون موقفهم منى ؟! ... الجواب بديهى ؛ أو بدهي كما يقول الانصارى واللغة العربية بمعنى أصح ، وليعذرنى الاستاذ حينما أصرح له بانه - عفا الله عنه - قد سعى في ضررى وهو لا يعلم ، أو يعلم ويظهر الجهل عملا بقول " صلاح الدين الصفدى " ( من فطنة في الفتى إظهار غفلته ) - لانه أوقفني موقفا حرجا ليس لدى من المقدرة والمؤهلات ، ما أستطيع به التخلص والخروج مر . ذلك الموقف ولو ( كفانا لا على ولالى ) ولكن :

هنيئا مريئا غير داء مخامر     لعزة من أعراضنا ما استحلت

هذه مقدمة استرسل بها القلم عفوا - من دون تمهل - وهى تحت رحمة القراء ، يعللونها كيف شاؤا وبما شاؤا ، ولهم أن يقولوا - بلسان القوم الغضاب - وأوافقهم على قولهم : انك كطائر صغير ، أطال وقوعه فوق شجرة عظيمة ، بقصد مضرتها ، فلما تعب من طول وقوعه قال موجها الكلام اليها : ان كنت قد ألمتك فأخبرينس لاطير ، فأجابته : لم أعلم بوقوعك حتى أحس بالمه !

ولهم أن يصفونى وصفا صادقا ، ازاء موقفى فى اجابة سؤال الانصارى ، بذلك الطائر الابله المسكين الذى ينخدع بمجرد سماع كلمات الاغراء والمدح فيخر ساقطا بين يدي خادعيه - ان صدق " الدميرى " - وما ذا يضيرنى من كونى بتلك الصفة وسادتنا العلماء يروون " المؤمن غر غافل " وابن السماك الشاعر يقول : ( وما فاز باللذات غير المغفل ) ؟ ؟ ! ! . .

أجل ! سأجيب على ذلك السؤال ، وسأبذل قصاراى في اتخاذ الحيطة ، واعداد العدة لارضاء نفسى والانصارى ، والقراء والناس أجمعين ، وبعد ذلك لا أهتم - ولن أهتم - بما ينالني أو اناله من ضير أو خير : وعلى أن أسعى وليس على ادراك النجاح

التربية الصحيحة قبل كل شىء

إن ناشئة البلاد ورجال مستقبله ، إذا كان تثقيفهم على أساس متين محكم ، من التربية الدينية الاخلاقية الصحيحة المبنية على معرفة أصول الدين وفروعه وادابه والعمل بذلك ، معرفة وعملا ناشئين عن اعتقاد راسخ ، وايمان ثابت ، ويقين قوي ، بحيث يصبح ذلك فيهم عادة مستحكمة ، وطريقة مألوفة ، لا يستطيعون تغييرها ، ولا يؤثر فيها أى مؤثر ، فلا خوف عليهم بعد ذلك من مطالعة أى كتاب أو صحيفة من أى نوع كانا ، وان التبعة العظمى فى تدهور أخلاق بعض الناشئة وسرعة تغيرها تبعا للمؤثرات - متى حصل ذلك - تقع على كواهل رجال المعارف ، فهم المسؤلون أمام الله تعالى ثم أمام خلقه عن ذلك ، لانه هو واجبهم ، وفى مقدرتهم واستطاعتهم أن يوجهوا الناشئة في مستقبلهم الى أى جهة شاءوا من الخير أو الشر .

واذا عدمت التربية الصحيحة أو صار أساسها متضعضا ، ومبناها على شفاجرف هار يتأثر بأقل مؤثر فصاحبها لو طالع جميع الكتب الاخلاقية ، وعاشر الكرام البررة ، فانه لا ينتفع بذلك . وقد قال بعض فلاسفة الغرب ، وصدق فى قوله : ( ماذا تعمل الكتب المقدسة بشخص لا يعقل ؟ فان المرآة لا ينتفع بها انسان ليس له عينان !! ) وقول الله أصدق وأبلغ وأجل ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم أضل اولئك هم الغافلون ) سورة : ٧ آية ١٧٨ - وصف سبحانه بعض خلقه بان حواسهم موجودة ، ولكن ليس لها تأثير بهم ، وليس لهم انتفاع بها ، لانهم قد اعتادوا أن لا يستعملوها فيما ينفعهم . وهجروها وقتا طويلا أصبحت بعده لا تحس بما يناله اصحابها من الضرر ولو أحست فانها لا تقدر على دفعه ، وهذا مؤيد لما جاء فى ( علم وظائف الاعضاء ) من أن

العضو إذا ترك القيام بوظيفته مدة طويلة ثم أراد ذلك لم يقدر عليه ، وقد قرر الباحثون فى ( علم الاخلاق ) أن الناشئ خاضع لمؤثرات بيئته التى نشأ فيها في كثير من أحواله ، وقد يختلف ذلك الخضوع قوة وضعفا لدى البعض لاسباب ليس هذا موضع ذكرها .

فائدة الكتب والصحف

قد يعترض على ما تقدم بان كثيرين من عظماء العالم ونابغيه هم مدينون للكتب بالعظمة والنبوغ فى كثير من الفنون النافعة ، وان المقصود من الاستفتاء الافادة عن الكتب والصحف النافعة ، لناشئة عربية اسلامية ، في مختلف شؤنها الحيوية ، والجواب على هذا الاعتراض هو أنه لا احد ينكر ما للكتب والصحف من الفائدة العظمى فى توجيه ميول الانسان وارشاده الى الجهة التى ينحو نحوها ، وانارة طريقه ، سواء كانت تلك الوجهة - فى نظر الاخلاقيين - نافعة أو ضارة وليست الكتب هي التى توجد فيه تلك الميول ، وتبعثها من جديد ، وانما هى وسيلة من الوسائل التى تستعمل لادراك مأرب محقق وجوده . ومن المعلوم أن مآرب الناشئة تختلف ، ومشاربهم تتغاير ، وغاياتهم تتنوع ، وعقولهم تتفاوت . ومن التكلف الممقوت والجنف المزرى أطرهم ، والحكم عليهم بالالتزام مطالعة كتب او صحف مخصوصة ، وخطر مطالعة ما عدا تلك الكتب او المجلات عليهم ، لان الواحد منهم ميال الى كتب لا تتفق مع مايميل اليه الاخر بنوعها ، ولا فى زمن تأليفها ، ولا فى فنها الذى الفت فيه ، ولا فى طريقتها الوضعية ، ولأن الحظ معدوم الفائدة ، إذ الضر منتف ، تكون ناشئتنا - ولله الحمد - قد انغرست فيهم الاخلاق الدينية الفاضلة حتى اصبحت عادة مستحكمة بحكم الوسط والبيئة ، و " الملاح " الماهر يشق طريقه بين العواصف والامواج .

الوقاية من تيارات التشكيك والالحاد الجارفة

لكن الحازم من يتخذ اهبة النجاة وهو متلبس بالخطر ، ومن ينظر الى المستقبل نظرة حذر واتقاء ، ومن يستدل بالمقدمات على الغايات ، وحيث اننا على ساحل بحر خضم من الالحاد والتهنك والفجور والمادية ، تنبعث منه امواج متلاطمة ، تدع ماتصل اليه شذر مذر - الا من سلمه الله وقليل هو - فمن الواجب ان يساورنا الخوف وينتابنا الحذر ، فنحطات للامر قبل وقوعه ونتخذ من الوسائل القوية ما يحصننا ويحول بيننا وبين تلك الامواج المتلاطمة التى اودت بحياة كثير من الناس وستودي .

واذا كان اعرف الخلق بربه واقواهم ايمانا يكثر من دعاء " يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك " ويخاف على اصحابه وهو بين ظهرانيهم ( اشد الخوف من تيار الشرك والتشكيك وحينما رآي فى يد عمر ابن الخطاب ورقة من الكتب المتقدمة - المحرفة انتهره بشدة وغضب قائلا : " لقد جئتكم بها - اي الملة بيضاء نقية " فما لنا لا نخاف على ناشئتنا - وفى تربية البعض منهم ما فيها من تلك التيارات الجارفة الهائلة ، التى اكتسحت اغلب المعموره ، وتكون حاجزا للحيلولة بينهم وبينها )                            [ البقية فى الجزء القادم ]

اشترك في نشرتنا البريدية