الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

استفتاء المنهل, الكتب والصحف، التى انصح للناشئة بمطالعتها

Share

- ٨ -

تسألنى - يا صديقي - كما سألت غيرى عن الكتب والصحف التى انصح للناشئه ان يقرؤها وهذا جميل فى الوقت الذى يحتاج فيه الى توجيه صادق من كل فرد تكونت لديه تجارب علمته كيف يستفيد ثم هى ثقفته ان يفيد غيره بنشرها للناس صورا سافرة عن الحقائق لا يقصد منها الا الحق والنصح الخالص وقد اجابك كثير من هؤلاء المجربين اجابات ان تفاوت مقدارها فقد اتحد مرماها وتوحد هدفها فاصاب بعضهم شيئا مما تريد واريد ذلك انا نعرف قدر ثقافتنا ونعرف الاسباب التى تكون هذه الثقافة فنجد انها ثقافه محدودة فلا بد اذن للموهبين من الدراسة والقراءة ولهذا كان لزاما علينا ان ننصح لهم نحن الذين سبقناهم والذين سيتعلمون منا ما هو خير لهم هذا اذا كانت القراءة تقصد منها الدراسة للتثقيف والانتاج اما اذا كانت لازجاء الوقت وتضييعه فلا شأن لنا بها وليس لنا فيها رأى والمدرسة سواء كانت عالية او دنيا سبيلها ان تكون الملكة وتركز الذهن وتنمى العقليه فحسب وهذا خير كثير اما ماذا يكون الرجل المتعلم فى هذه المدرسة فى المستقبل فهذا يعود حتما الى

الدراسة او تركها بعد فانا نجد كثيرا من حملة الشهادات العالية يحملونها فى علوم سبيلها غير سبيل ما هم فيه الان حتى اذا ما دققنا النظر وجدنا الباعث على ذلك اليه والموجه لهم هذه الوجهة ما هو الا الدراسة الخاصة فى وقت الفراغ والقراءة المستقيمة المنتجة . قسرتهم أن يغيروا اتجاههم فأنتجوا هذا الانتاج العميق الوافر ؛ ولاضرب المثل ، ولاحتج بالدليل :

هؤلاء أربعة من أعلام العلم والادب فى هذا العصر ، وهم احمد امين ، ومحمد حسين هيكل ، وتوفيق الحكيم ، والمازني ؛ اذكرهم وحدهم لاضرب بهم مثلا ولا يعوزنى ذكر غيرهم ، هؤلاء الاربعة تخرجوا من مدارس عالية لو ساروا فى طريقها المرسوم لحاملى شهاداتها لكان اولهم قاضيا وثانيهم محاميا وثالثهم نائبا فى محكمة والرابع أستاذا أو مفتشا فى التعليم ، لكنهم لم يتقيدوا بها بل درسوا وقرأوا . فتغير اتجاههم فاصبحوا أعلام العلم والأدب . لكل فرد منهم مدرسته وانتاجه ، ولكل فرد منهم منزلته لدى قراء العربية ، غير منكور ما له من الأثر فى الادب الحديث والنهضة الحديثة ، هذا اثر الدراسة يصرف اثر المدرسة العالية الى طريق آخر غير الطريق الذي أرادته ويحوله الي وجهة ما كانت تريدها البرامج والشهادات ، وانما ارادتها القراءة المثمرة تنضج العقل وتنير الذهن الخصيب .

هذا فى ناحية تغير الاتجاه فى حملة الشهادات أما  من ناحية أخرى فهناك مثل آخر هناك ثلاثة من الاعلام لو لم يدرسوا ، لكانوا من صغار الموظفين لا ترفعهم شهادات لانهم لم يتحصلوا عليها ، ولا تؤهلهم ثقافة مدرسية . هؤلاء الثلاثة : المرحوم الرافعى ، والعقاد ، وفريد وجدى ، هم لم يحملوا الدكتوراه ، ولا اى شهادة عالية ، لكنهم نبغوا بالدراسة وتفردوا بالبحث وسهروا الليالى الطوال فى المطالعة فكان من حظ الدكتوراه ان تعطى لهم لنفخر بهم . وتتحلى برجال كان من مجهودهم أن سهلوا الطريق لطلابها من الشباب بما الفوا وكتبوا .

وبعد فهذه الامثلة صحيحة ، ودليلها واضح وحجتها قائمة ! أجل هى صحيحة كل الصحة ! فليعرف الناشئ كيف تكون القراءة ؟ وكيف يكون اثرها .

وأرانى مضطرا لأضع يد الناشئ على مثل بين يديه يدل على اثر القراءة فى إخوان سبقوه اخوان أراهم مثلا حيا صارخا فى اذن كل ناشئ يضرب كفيه يفتش عن الدراسة العالية وقد لا اكون مغاليا حيما أعتبر هؤلاء قدوة للناشئة يعتبرون بهم ، ومن هؤلاء ؟ !

هم الآشى ، والانصارى ، وابن عبد المقصود ، وقنديل ، وشحاتة والعامودي والعواد فكلنا يعرفهم اليوم ، وكلنا يعرف ان تحصيلهم اولا لا يزيد عن تحصيل أى ناشئ من هؤلاء الذين ننصح لهم ، بيد انهم لم يهنوا ولم يضعفوا بل كرسوا جهودهم للدراسة وأفنوا الغالى من صحتهم فى المطالعة حتى تكونوا هذا التكون واتلونوا بالوان ما درسوه من الكتب وآثار العلماء والادباء ؛ وحتى أصبحوا اعلاما فى شباننا ؛ وأخصهم بالذكر دون غيرهم . لان غيرهم أما مقصر عن اللحاق بهم ، وأما كان سبيله غير سبيلهم ، كالذين درسوا فى مصر فتلونوا بلون تلك الدراسة وانتهجوا نهجها التى تطلب ؛ وأخصهم بالذكر ليلمس الناشئ الحجة فيهم ؛ ولو كان طريقهم طريق الانشراح والانطلاق من هذا المحيط الذى أراردوه لانفسهم الى اجواء رحبة يستطيعون ايجادها لكان شأنهم فى الادب وفى الحياة عامة غير شأنهم الآن ؛ ولكنهم آثروا هذا الطريق ؛ وانتهجوا هذه الخطة فكان لهم من الفضل علينا كونهم قدوة ؛ أما كونهم معلمين مهذبين فلا ؛ وهذا نقص حبذا لو يتم ؛ وهذا فى الغالب منهم .

هذا نوع الدراسة التى أريدها للناشئة ! اما كيفيتها ، فلا أرى للقارئ الناشئ ان يتقيد بكتاب أو صحيفة ، بل ادعوه إلى ان يقرأ كل ما يقع يديه ، وكلما تسنى له ذلك . يقرأ كل شئ ويلاحظ كل شئ ويلتهم كل شئ تلتهمه حافظة وذاكرة كمعدة النعامة ، اما التكييف فمن شأن الدين والمجتمع والتقاليد ؛ فهذه هي التى تحدد حدود الاتجاه فى كل عالم وأديب ، سلبا وايجابا ، ولا يضر الانسان ان

يطالع فالشأن ان يعلم الانسان الحق ليعمل به وان يعلم ان هذا الشئ مثلا باطل فيتجنبه ويدحضه بهذا الحق الذي قرأ واعتقد ، وللحق بعد حرز حريز ، والباطل مكان مكشوف يزول ويضمحل امام البيئة وما اليها ، على انى احض الناشئ ان يقرأ كل يوم جزءا من القرآن الكريم قراءة دراسة وتفهم ، ثم فليقرأ ما شاء من كتب الحديث والتفسير للاقدمين ، وكتب البلاغة للأوليين ، مثل كليلة ودمنة ، والبيان والتبيين ؛ والعقد الفريد ، ومقدمة ابن خلدون ، والطبرى ومؤلفات اعلام العصر الحديث ، لا يهمل آثار من لم يعجب بهم . ولا يداوم على آثار من يحب او يعجب بهم .

اما الصحف والمجلات فصحف مصر ومجلاتها واحبها إلى واحسنها : الاهرام ؛ والمقطم ، والبلاغ ، والشباب ، والرسالة ؛ والازهر ، والفتح ، والهلال ، والمقتطف والسياسة والمصور . هذا ما اراه لكل ناشئ . والله ولى التوفيق .

اشترك في نشرتنا البريدية