الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

استفتاء المنهل, حول تصدير ادبنا

Share

رأى الاستاذ عبد الله عبد الجبار ادبنا ، وكيف يحيا

الادب الحي

الأدب الحي هو الذي يتخطى حدود الزمان والمكان فيخلد فى الصحائف والصدور ، ويعيش فى افواه الناس ، ويعبر القفار والبحار والهواء فاذا هو فى الشرق إن ولد فى الغرب ، واذا هو فى الغرب ان ظهر فى الشرق ، يملى جمالا ويذيع رايا ويوجه فئة ويقيم امة ويعقد اخرى . ويظل المتادبون على مر الاجيال عاكفين عليه يدرسونه وينقدونه ويستمتعون به ويستلهمونه ويكتنهون اسراره ويقلدونه عن وعى وعن غير وعى ، لانه يحملى فى طياته عناصر الخلود كلها او جلها من قوة الشخصية ، وسمته الحيوية ، ونزعة الابتكار ، وعمق الفكرة واشراق الخيال ، وصدق العاطفة ، وروعة الأسلوب .

ادبنا وضعفه

واذا نظرنا إلى الأدب الحجازى فى العهد الحاضر ، الفيناه - فى جملته لا فى تفصيله - ادبا لا يقوى على متجاوز حدود البلاد والتحليق فى اجواء بعيدة ، بل ان بعض الوانه يولد هزيلا مهيض الجناح لا تكاد تسمعه اوتقرؤه حتى تراه وهو يحتضر ، وربما خيل اليك انك تسمع حشرجة صوته وهو يلفظ النفس الأخير حين ينفض الحفل اوتطوى الصحيفة : فتشفق على هذا اللون ان يموت

وتخنق على ذاك ان كان ولد فتشيعه غير ماسوف عليه . والسبب في هذا واضح بين ، فادبنا لا يحمل فى ثناياه عناصر الحياة والبقاء

عوامل النهوض

ومادام ادباءنا قد اعجبوا بفحول الكتاب والشعراء فى المهجر والشرق العربى وجروا على سنتهم فى انتاجهم الأدبي ، فعليهم اذا ما راموا النهوض والذيوع والتفوق والخلود أن يلتمسوا تلك العناصر . ولايتأتي لهم ذلك الا اذا اتصلوا اتصالا وثيقا بتلك المنابع الأصلية التى استقي منها اولئك الادباء أدبهم . وأول هذه المنابع منهل الثقافة العربية الاسلامية والادب العربي الجيد فى مختلف العصور . وثانيها : معين الثقافة الغربية والأدب الاجنبى وثالثها ما تقلبوا فيه من بيئات وحيوات

المنبع العربي :

اما عن المنبع الأول فقد استقي منه ادباءنا شيئا وعليهم ان يستقوا منه أشياه وان يستكملوا عدتهم من علوم اللغة والالة والثقافة العامة ، وان يعكسوا على مرايا نفوسهم ما فى القرآن الكريم والحديث الشريف من فكر وخلق وجمال ادبي وتصوير فنى ، وان تكون دراستهم للادب والتاريخ دراسه نقد وتصور وحياة واستلهام حتى يصبح فى امكانهم ان يبرزوا لنا الابطال الأسلاميين وامجادهم ومغامراتهم شخوصا تتحرك وتضطرب بالحياة فى روايات تاريخية جميلة .

المنبع الغربي

واما عن المنبع الثاني فلم تكن لهم به صلة الا عن طريق غير مباشر فيما تأثربه ادباء العرب المحدثون الذين يجيدون غير العربية لغة او لغتين اجنبيتين وفيما حظيت به المكتبة العربية مما ترجم من روائع الغرب . وكل ماقام به

ادباءنا من مجهود فى سبيل الاتصال بهذا المنبع الغربى ، ان رفع بعضهم عقيرته بنادى بوجوب تعلم اللغات الاجنبية ولاسيما اللغة الانجليزية . كان ذلك منذ نحو عشرين عاما ، وانك لتعجب ان شبانا ممن ولدوا قبيل هذا التاريخ اوبعده بقليل قد شدوا من اللغة الأنجليزية شيئا ، وهم يمضون في سبيلهم قدما بخطى ثابته . وكانى بالزمن قد دار دورته فاذا نحن نستمتع بما ينقلون الينا من غرر الغرب وبما يضيفون لأدبنا من الوان جديدة . وانا لنرجو ان يحاول كهول الأدب وشبانهم تعلم بعض اللغات . الأجنبية حتى يتاح لهم الاتصال المباشر بالثقافة الغربية والأدب الغربى ، ففي ذلك فائدة لهم وللادب فى الحجاز بما يحصلون من معارف وما يتزودون به من اخيلة وصور جديدة وألوان ونوازع واتجاهات .

دراسة البيئة والحياة :

اما عن المنبع الثالث فلسنا - بطبيعة الحال - نفرض على أدبائنا ان يحيطوا انفسهم ببيئات اولئك الادباء المقلدين ، فلكل اديب بيئته وحياته الخاصة وانما يزيد أن يلتفتوا إلى بيئتنا وحياتنا يصورونها تصويرا صحيحا صادقا ، واكبر الظن ان الادب الحجازى فى صورته الجديدة وثوبه القشيب بعد الحرب سيحقق من النظرية القائلة " ان الأدب صورة للحياة " اكثر مما حقق من قبل ، وان الأدباء سينغمسون فى بيئتهم يدرسونها ويجوسون خلالها فاحصين مستلهمين متصورين حتى إذا امتلأت اذهانهم بالافكار ونفوسهم بالاحساسات وزخرت صدورهم بالعواطف وافعمت مخيلاتهم بالصور برز ذلك كله على القرطاس قصصا تصف مجتمعنا وتصور حياتنا فى دقة وأمانة كما هي أو كما كانت او كما يجب ان تكون .

الاتجاه النفسانى :

واذا كان الأدب فى جوهره تصويرا ناطقا للحياة النفسية ، تخاطب به

النفس الانسانية ، فما اجدر ادبائنا أن يدرسوا النفوس التى يصورونها والنفوس التى يخاطبونها دراسة تحليلية دقيقة ، ولا يتسنى لهم ذلك إلا إذا كانوا على دراية بالشعور واللاشعور والتصور والخيال والعواطف والانفعالات والميول والوجدانات والغرائز والنزعات ، وما الى ذلك مما يضمه علم النفس الذي دخل فروعا كثيرة من فروع الحياة ، والذي غزا الميدان الادبي في الشرق والغرب . وهذا الاتجاه النفسانى من شأنه ان يعين ادباءنا على أداء رسالتهم فى الحياة وعلى توجيه النفوس وصقلها ومعالجة نقط الضعف فى المجتمع ومن يدرى فلعلهم حين يتجهون هذا الاتجاه - يكتبون لنا قصصا نفسية مؤثرة مبينة على الدرس النفسى والتحليل السيكولوجى

النقد الادبى :

ويجب ان يحتل النقد الادبى مكانا خصيبا فى ميدان النشاط الادبي في الحجاز ، وعلى ادبائنا ان يفسحوا المجال للنقد النزيه الصادق ، وعلى النقاد والناشرين حماية السوق الأدبية من الأدب الرخيص فهو كالوباء يفسد القراء وعليهم ايضا ان يحاربوا الضعف الادبي بمختلف مظاهره ؛ كالتقليد الأعمى وفسولة الراي ، وهلهلة النسج ، وعقم الخيال ، ووهن العاطفة وكذبها وما إلى ذلك مما يزوى بالأدب الى الحضيض

عوامل اخرى

تلك هى عوامل النهوض والاحياء التى ذكرنا فى خلالها بعض مظاهر الضعف عند المنتجين . وتمت عقبات اخرى تقف فى سبيل تقدم الأدب كالجو الحار القلب الذي لا يساعد على الانتاج ، وكالجهل الفاضح عند معظم المستهلكين وكالفلسفة التى سارت على نهجها امتنا ويمكننا التغلب على هذه الصعاب بالصبر والجلد وانتشار الثقافة والمرونة النفسية والعقلية .

أدبنا والتصدير

وإذا اردنا ان يكون بيننا وبين الأقطار العربية تجاوب أدبي ثقافى نصدر اليها آدبنا كما نستورد منها ثقافتها وانتاجها الروحى والفنى ، فعلينا ان نسلك سبيل النهضة الادبية التى ذكرنا عواملها ، وان يجعل من آدبنا غذاء جيدا مختلف الالوان صالحا لنفوسنا نتذوقه فنستسيغه ونهضمه ، وتمضى فى هذه السبيل حتى اذا شعر ادباءنا الشبان بانهم قد اصبحوا مهرة فى فن من الفنون التى عالجها الأدب الحجازي من قبل أولون من هذه الآلوان الجديدة التى اشرنا اليها ، واحسن نقاد هذا الأدب بصلاح ما ينتجون للتصدير كان من من حقهم ان يجتازوا بأدبهم حدود بلادهم

على ان لبعض ادبائنا الموهوبين وثبات ادبية مشكورة تنم عن ملكات جيدة ومواهب حسنة يستطيعون بها ان يشتركوا فى زحمة الحياة الأدبية التى تعج بتيارات قوية فى مصر والشام والعراق ، على شريطة ان يراعوا الجدة والقوة والاختيار وسنة التطور ، فادب المقالة يتراجع اليوم امام ادب القصة الذى يتقدم بخطى ثابتة فى الشرق العربى ، ولا غناء فى مقالة لا تبنى على الافكار الدسمه او العواطف القوية او التحليل الدقيق ، ولا رجاء فى ادب المناسبات ولا فائدة فى الأشعار التى يقل حظها من الشعور والخيال . وعلى الادباء المصدرين - بعد ذلك - ان يهيؤا لانفسهم جوا من الدعاية مع ملاحظة أن الجودة والجاذبية الفنية خير دعاية

٢ - رأى الأستاذ عبد الله فدا

يأبى الاستاذ عبد القدوس الا ان تكون لى كلمة فى الاجابة على استفتاء المنهل الاغر خروجا على عادتى التى نشأت عليها والاستاذ عبد القدوس مكانه البارز بين ادبائنا ولطلبه مكانته الملحوظة

اما ان عندنا ادبا فذلك مالا شك فيه واما الأدباء فأنواع :

( ١ ) اديب لا يثق بقوته الأدبية ( ٢ ) اديب ضعيف النفس فهو دائم التردد ( ٣ ) اديب ركيك الاسلوب فهو يخشى الوقوع فى الخطا ويخافر التشنيع ( ٤ ) اديب جامد الشخصية والادب فهو لا يعمل شيئا ( ٥ ) اديب محدث غير كاتب أو كاتب غير محدث .

وهؤلاء طبعا لا يفكرون فى الانتاج الا بمقدار ما تقتضيه الضرورة الملحئة المتعلقة بأسباب حياة كل واحد منهم فانى يتسنى له الانتاج الخصب والتصدير

واما ان عندنا اسلوبا فذلك ما لاشك فيه بيد ان الاساليب متنوعة ولا تتعدى الاسلوب الرايق الرائع والاسلوب الجزل السجعى والاسلوب الضعيف المهلهل وهؤلاء من غير ريب مشغول كل واحد منهم بايقاف ما يمتاز به اسلوبه بغير تطلع الى آفاق جديدة من بحوث الأدب الا بقدر ما نسمح له به الظروف المواتية فى المطالعة بمقدار القراءة والدرس . اما عمق التفكير اما الدراسات الدسمة اما سعة الاطلاع بالمعنى الحقيقي فمفقود لدى الكثير من ادبائنا القليل الناضج قد اخذ قسطه بمقدار نشاطه

اما الاسباب فكثيرة جدا منها :

( ١ ) عدم الجرأة على النشر بفقدان وسائل التشجيع ( ٢ ) اعتقاد ان الكثير الناضج من ادبه الصالح لنقد الحياة لم يخرج من صدره بعد ( ٣ ) عدم توفر المادة من آلات الطباعة والورق ( ٤ ) ابتلاء الكثير من ادبائنا الناشئين بالمحاكاة ( ٥ ) كثرة ما نشر من المقالات والكتب المشوشة المضطربة ( ٦ ) قلة عدد القراء لقلة المتعلمين ( ٧ ) كون الكثير من ادبنا العام ادب تسلية ولذة لا ادب درس وتمحيص ( ٨ ) اسفاف يؤدى الى عدم محاولة الكتابة مرة اخرى فخفوت صوت الأدب عندنا على ما يظهر لي ناشئ عن هذه الاسباب والبواعث

اما كون ادبنا صالحا للتصدير فالنافع حقا صالح للتصدير . هذه المادة بسيطة ان تؤدى واجب الاجابة على استفتائك ان كان فيها ما يستحق النشر مؤملا لمجلتك الغراء الانتشار والازدهار ولادبنا القوة والاصدار

اشترك في نشرتنا البريدية