الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

استفتاء المنهل, حول تصدير ادبنا

Share

١ - رأى الاستاذ محمد عمر عرب

ان ادبنا - وبعبارة ادق - الادب فى الحجاز ، ادب ناشئ فهو وليد الربع الثاني من هذا القرن ، وهذا الزمن ضيق المدى ، وهو لا يكفى لتكوين ادب قوى ممتاز كالادب فى مصر ، لان هذه الفسحة من الوقت لا تتيح له الظهور بالمظهر الذى يجب ان يكون باعتباره ناشئا فى منزل الوحى ومهبط لغة الضاد ، وهو مع كل هذا قد سار بخطى ثابتة ، وقوة جبارة الى ما يهدف اليه من غايات ويرمي اليه من مطالب ، وقد سبق بخطوات الفكر الوثابة هذا الزمن القصير الامد

فرأينا بعضا من الادباء والشعراء الحجازيين قد تغلغلو في صميم الحياة الواقعية تارة ، وحلقوا فى اجواء الخيال اخرى ، فانتجوا لنا اثارا قيمة حرية بالتقدير جديرة بالاعجاب ، اثارا عليها طابعها الخاص ، طابع العربية المحض من جزالة فى اللفظ ومتانة فى الاسلوب ودقة فى التعبير وقوة وصفاء فى الديباجة

قرانا كما قرأ غيرنا - بعض هذا الادب بنوعية : النظم والنثر لبعض ادبائنا وشعرائنا في نمازج من النثر ، وانماط من الشعر ان لم تكن فى مستوى ادب الادباء المصريين المبرزين الممتازين كالعقاد والمازني وطه حسين ، ومن اليهم ممن يخطوا الحدود الاقليمية واصبحوا ادباء عالميين ، بحيث صار ادبهم ادبا عربيا خالصا مبينا ، فهى فى مستوى انتاج من يليهم ومن يليهم من بعض ادباء مصر وغير مصر .

بل لا نكون مغالين اذا قلنا ان هذا الادب ارفع بكثير من مستوى بعض الادب في العراق وسوريا والمهجر ، لولا جهل كتاب العربية بهذا النتاج الطيب الحسن

لقصور الدعاوة له وعدم نشره على الناس في شتى الاشكال والأوضاع كالنشر فى الصحف ، او وضعه بين ايدى الكتاب البارزين فى مصر لتمحيصه ومعرفة جيده من زائفه ، ولياخذوا بذلك فكرة عن هذا الادب يكون لها اثرها ومداها فى الاشادة به والتنوية عنه .

وان عدم الدعاوة لهذا الادب وتنظيم وسائل نشره فى مصر وغير مصر من الاقطار العربية ، جعله ادبا مغمورا وجعل ادباء العربية لا يمكنهم ان يقارنوا بينه وبين الادب في سوريا والعراق وغيرهما من البلاد الناطقة بالضاد .

وعلى هذا فان الادب فى الحجاز صالح للنشر ، كل الصلاحية ، والاحرى بادبائنا ان يبعثوا بنتاجهم الادبي الى امهات الصحف العربية فان في هذا النشر وسيلة لمعرفة قيمته وتقدير اثره . والله من وراء القصد .

٢ - رأي الأستاذ حسين عرب

ليس من شأنى أن اناقش لفظة التصدير فى سؤال الأستاذ الأنصاري وهل هي تنطبق معنى وصورة على الأدب ام لا ؟ فليس من طبيعتى التلكؤ عند بعض المفردات اللغوية ومحاولة تقرير مفهوماتها وتركيزها ، إما حسبى من ذلك النفوذ الى النتيجة المنشودة فى كل شئ حتى اذا ما استطعت أن أقرر فيها رأيا ما . تركته لتمييز القارئ الكريم - وله بعد ذلك حرية القبول او الرفض

على أنني أرى إجمالا انها صحيحة الأستعمال مجازا لأن للغة العربية أفقا يتسع مداه وتتباعد ارجاؤه .

وتطور العلم في العصر الحديث أدى الى تطور عام فى مفهومات الكلمات واشتقاقات الألفاظ والمعاني

فالصوت يؤخذ ، والبرقية تسحب ، والأخبار تتطاير ، والأشارة ترسل ، والاختراعات تباع .

فلا غرابة اذن فى أن يصدر الأدب ، اويورد العلم ، او تسرق المعاني ، أو تشحن الأفكار .

أحسبني بعد هذا الشرح البسيط قد استهدفت كما استهدف الأستاذ الأنصارى للذع الاخوان الأدباء حول تجويز معنى التصدير ، وانا ابعد الناس شرودا عن اللذع ولكننى دفعت الى مالم ارد وحسبى جزاء وفاقا ارضاء نفسى وخدمة الصديق الأستاذ حفظه الله وبارك فيه

يقول الاستفتاء : ان فى بلادنا ادبا لم تتجاوز أصداؤه آفاق هذه البلاد ولو انصف ودقق لقال : إن فى بلادنا ادبا لم تتجاوز اصداؤه طوايا الأدباء وزوايا المكاتب الخاصة .

اما آفاق هذه البلاد فلم تصل اليها الأصداء وهى لا تزيد أن تصل اليها لانها كما ترى هى - فى غنية عن الاستماع الى الحان لا تستسيغها نفوسها

وما أشبه حديثي هذا بالمثل العامي القائل ) حسن السوق ولا حسن البضاعة ( ان خفوت صوت الأدب عندنا ليس ناشئا عن اسباب داخلية فيه بل عن أسباب متعددة متنوعة تعتبر خارجية عنه ) على حد تعبير السؤال (

واهم هذه الاسباب هو انخفاض مستوى الثقافة العامة فى البلاد الى حد بعيد وقلة وسائل النشر وضعفها على قلتها تلك عوامل كافية لعدم تصدير اى ادب مهما كانت مكانته من حيث الدسامة والغثاثة او القوة والعجز ، ولهذا فمن الظلم للادب فى بلادنا ان نقول ان خفوت صوته يرجع اليه .

فالشريط الكهربائي الذي يسجل اغاريد بتهوفن وفاجنر وعبد الوهاب وغيرهم يمكن ان يسجل نغمات الزنوج ونقيق الضفادع - بل يمكن أن ينقل الى الناس اصوات الحمير المنكرة ، ودمدمة القنابل المخيفة ولا فرق فى التسجيل بين صوت وصوت .

ونحن نقرأ كل يوم فى الصحف والكتب التى تردنا من الخارج آدابا مختلفة منها ما يستحق العناية والنشر ومنها ما يستحق الصدوف والقبر ، ولكنها على كل حال اصوات تسمع ، وتحتل حيزها من جو الثقافة العام ، و يمثل كل منها مجتمعا خاصا وبيئة معلومة . بل ربما وجدت لها محبذين ومشجعين ) ولكل ساقطه لاقطه

هذا حينما ينطلق الفكر حرا فتتسع افاق البشر والنقد ويصبح الحكم للقارىء وحده فى اختيار الاصلح ، وتحبيذ ما يريد ، ونبذ ما لا يريد ، ونقد ما يقبل المناقشة والنقد .

وقد مرت بآداب الامم جميعها ادوار مختلفة ، وعصور متباينة ، فكانت تتميز على بعضها قوة وضعفا فى بعض الاحايين ، وربما تساوت منهجا ، واسلوب فى قليل من الاحيان - ولكن التاريخ وعاها فيما وعى ، وسجل قوتها وضعفها فاشاد بعصور التقدم والازدهار كما اشار الى عصور التقهقر والانحطاط ، وضرب الأمثلة لكل بما يطابق الواقع ويصور الحقيقة

يؤخذ مما تقدم من البحث أن كل ادب يصلح للتصدير سواء كان غثا او دسما ، هذا على اعتبار ان الأدب بضاعة تبحث عن مواطن الرواج والنفاق فى الأسواق فالأسواق دائما لا تضيق بأنواع البضائع . الصالح منها والطالح .

فكما ان الادب درجات بعضها فوق بعض فالقراء درجات بعضها فوق بعض أو ان شئت فقل بعضها تحت بعض

فهناك مثلا قارئ يكفيه أن يقرأ ما تنتجه أقلام تلامذة الرافعي والعقاد والمازني وامثالهم ، حسب اتساع مداركه ووفرة معلوماته

وقارىء آخر يرتفع عن قراءة هؤلاء ومناقشة آراءهم وقارى ثالث لا يرضى الا ان يعيش بفكره وخياله مع افلاطون وهوميروس وملتون وابن رشد

وجميع هؤلاء قارئ دارس متتبع مع الفوارق البينة بين تباين عقلياتهم وتفاوت ثقافاتهم

وكل منهم يجد فيما يقرأ غذاءه الروحى ومتعته النفسية والفكرية أظنني بعد هذا الشرح قد قررت النتيجة التى آراها وهى تتلخص فى ان كل أدب يصلح للتصدير اذا وجد وسائل التصدير وأسباب الرواج

وان الرواج لا ينحصر للقوة والتميز فقط ، بل بتسع لمادونهما بحسب حاجة القارئ والمدى الذى تصل اليه نظرته وتفكيره

والى هنا يعتبر الجواب على استفتاء المنهل قد انتهى ) رسميا ( . بيد أنه بقيت نقطة مهمة تستحق الاشارة والتنويه وقد يمكن اعتبارها جزءا من الجواب وهي إذا استبدلنا الفقرة الأخيرة من الآستفتاء بالعبارة التالية

" هل ادبنا يصلح للتصدير باعتباره قويا متميزا وكيف يصلح على ذلك الأعتبار " ?

هنا تحتاج فى الكلام على هذ الأدب الى الفصل بين الشعر والكتابة لأنهما يختلفان مأخذ او سبيلا ويتباينان غاية ومراما .

فسبيل الشعر غير سبيل الكتابة ، وماخذه غير ماخذها فالشعر يقوم على العاطفة ويستوحى الخيال ، ويسترسل فى التصوير

والنثر يعتمد على المادة الأدبية المتركزة والثقافة العالية العامة اكثر من اعتماده على أي شئ آخر .

والمادة الأدبية التى تتركز عليها كتابة الأديب أو نثره لا تنحصر فى فن من الفنون أو علم من العلوم ولكنها تتعدى ذلك الى ما بعده بمسافات شاسعة !

ليس الأديب مهندسا ولا طبيبا ولا فقيها ولا فيلسوفا ولكنه شئ من كل أولئك .

فالأديب كمتعلم تتسع له جوانب الثقافة ومناحى العلوم أكثر مما تتسع لأي متعلم آخر وله أن يضرب فى كل ميدان بسهم

وهناك من الأدباء الكتاب من يبحثون فى الطاقة الذرية ، وقوة المغناطيس وفى الجمال ومعرفة حدوده ومفاهيمه .

وفي النفس كما قال عنها ) ابن سينا ( ومعارضوه .

وفي التاريخ ومناقشة الحوادث التاريخية واقوال المؤلفين وارائهم ومذاهبهم :

وعلى سبيل التدليل والتمثيل نشير هنا الى امثال العقاد والمازني وطه حسين ، وزكى مبارك وهيكل وغيرهم من اعلام الأدب العربي المصري .

والى الرسالة والكاتب المصرى والكتاب . والهلال وغيرها من امهات الصحف الأدبيه فهؤلاء ادباء ، وهذه صحف ادبية ، ولكن الادب فى كل فن جامع يتناول كل شئ بالبحث والتحليل والدراسه والنقد على ذلك كله يقوم فمن الادب الكتابي أو فن الكتابة الادبية وهذا مالا تحتاج اليه الشعر ولو تشعبت مقاصده واتسعت مناحيه .

نخرج من هذا الى القول بأن فى بلادنا شعرا قويا متميزا على قلته يمكن تصديره على ذلك الاعتبار .

وان ليس فى بلادنا مثل ذلك من أدب الكتابة أوفن النثر . مع احترامي وتقديري للقليل النزر من نتاج بعض ادبائنا الممتازين ! :

لماذا لأنه مآخذ الشعر قريبة سهلة التناول . فالعاطففة ممنوحة للجميع ، والخيال مبذول ، والتصوير متاح .

أما مآخذ النثر والكتابة ، فهي الدراسة العالية المتركزة والثقافة العامة المتشعبة ، وهذا ما نحتاجه فى حاضرنا ، ونرجوه فى مستقبلنا اذا يسر الله لنا النجاح والتوفيق .

واذ اوضح الداء فقد سهل الدواء .

اشترك في نشرتنا البريدية