نشأ الأدب الحديث فى هذه البلاد قبل عشرين عاما ، مزيجا من تقليد لأدب المصريين ، وادب المهجريين ، ولا يزال
هذا الأدب مبحوح الصوت ضئيل الصدى غير معترف له بوجود لدى ادباء الاقطار العربية المجاورة . وقد
شحذت الحرب العالمية الثانية قرائح الأدباء هنا ، بما حصل لهم خلالها من استجمام وبما دعتهم اليه من تحول فى مجرى التفكير وتصحيح فى الاتجاه والمقاييس والاهداف . فكان ذلك داعيا للمنهل لأن تبادر فى عهدها الجديد باستطلاع آراء فريق من بناة الأدب وشداته فى مسلكهم الجديد حيال النهضة المرتقبة منهم بالأدب العربي السعودى حتى تشع انواره ويمتد رواقه فى الآفاق وقد وجهت اليهم الاستفتاء التالي في ذلك :
يزخر العالم العربي اليوم بطاقة عظيمة من الانتاج الأدبي القيم الواسع الانتشار والتصدير. وفي بلادنا أدب لم تتجاوز اصداؤه آفاق هذه البلاد فهل كان خفوت صوت الأدب عندنا ناشئا عن اسباب داخلية فيه ؟ أم عن بواعث أخرى ؟ واياما كان الامر فما هو رأيكم نحو هذا الأدب : هل يصلح للتصدير ؟ واذا كان لا يصلح له فكيف يصلح ؟
نرجو الأجابة بما يميط اللثام عن الداء والدواء " . وها نحن أولا ننشر اجوبتهم في هذا العدد وفيما يليه من اعداد ، شاكرين لهم عنايتهم بأدبهم ومقدرين لهم ذلك .
راي الاستاذ احمد عبد الجبار
ان صيغة سؤال المنهل تستدعي الى ان يسأل المرء نفسه : هل الأدب بضاعة يجرى عليه نظام البيع والشراء و " التصدير " والتوريد ؟ وهل ان ادبنا لا يصلح حقا للتصدير فنسأل عن الطرق المجدية للوصول الى هذه الغاية ؟
الحقيقة ان الادب الحي لا توزن قيمته بالارطال ولا يباع بزيادة الفرق فى الاسترليني او الذهب ! وانما هو الذى يفرض إرادته على سوق القراء فرضا ويتحكم بالعقول تحكما ، وان الانتاج الذي يستهدف صاحبه من ورائه المادة الفانية لا ينال إلا إياها .
والادب عندنا على نوعين أدب الحاضرة وأدب البادية ولا اظن ان صاحب المنهل يود ان يصدر أية كمية من الشعر النبطى أو الشعر " الحميني " الى الاقطار العربية بالرغم من ان البداة فى هذه الاقطار يفهمون على الغالب
هذا النوع من الشعر البدوى . وانني إذ افكر الآن فى أدب الحاضرة اجد ان الأدباء ينقسمون الى ثلاثة أقسام :
١ - قسم يتبع منهج القدماء ويسلك مسلكهم سواء فى الموضوع عام الاسلوب . ٢ - قسم وسط اتخذ افراده مكانة لهم بين القديم والجديد معتمدين على ادب المصريين والسوريين
٣ - قسم جمح الى المهجر فأخذ علومه على يد جبران ونعيمه وعريضه وغيرهم . ونستنتج مما تقدم ان ادبنا " ادب تقليدي " وهذا راجع بالنسبة الى الظروف التاريخية التى احاطت بنا. وليس هناك ما يمنع من ان نبلور ما اقتبسناه فى شىء يبرز شخصيتنا وما لنا من خصائص ومميزات فى ادب حى يستطيع أن يثبت له وزنا ثقافيا فى الأقطار العربية الشقيقة !
والطرق المؤدية إلى مثل هذا تنحصر اولا فى تثقيف الأديب . وثانيا فى تأمين الوسائل لنشر أدبه .
وتثقيف الاديب اهم شئ فى نظرى فليس كل من قرا كتابا او كتابين فى الادب وتصفح المعلقات وحفظ شيئا من الشعر ووهب ملكة النظم اوسلاسة التعبير وتيسر له ان ينشر ، اصبح اديبا لا يشار اليه بالبنان فحسب وانما بالاصابع كلها ، ويكون له حق رفع الراس عالية حتى يكاد يعلق عينيه باهداب النجوم
كلا ان الاديب عندنا يحتاج الى كثرة المطالعة لئلا يكون محدود التفكير ضيق المنافذ ويحتاج الى التخصص لكى لا يهيم فى كل واد ويتخبط ما بين الادب والشعر والحكمة والتاريخ دون أن يعرف حدود كل فن من هذه الفنون وما يتطلبه منه من ادراك وفهم وتمعن وفيما لو فرضنا ان الاديب عندنا اصبحت له ثقافة كافية وفرض نفسه على محيطه كرجل له قيمة علمية ووزن ثقافى ثابت فى هذا البلد فكيف يتاح له ان يفرض نفسه على الاقطار العربية ويمكن ان يقف فى صف عمالقة الادب فيها ؟ يحتاج الامر الى توفر الشرط الثاني الذي ذكرته آنفا وهو تأمين الوسائل لنشر الادب والدعاية له وهذه لا يخفى على القارىء وأهمها الصحافة القوية والتأليف القيم النافع
وفيما لو فرضنا مرة اخرى وجود هذه الوسائل لابد لنا من ابتكار المواضيع والتفنن والخروج من الدائرة الضيقة التى رسمتها لنا مدرسة الادب القديمة ويجب ان نسمو بادبنا من المادة الى الروح ومن التصوير الحسى الى الخيالي المعنوي . وان نلاحظ دائما متانة وحلاوة المبنى والمعنى فى التركيب
وإذا تم لنا هذا فعندئذ يثبت ادبنا فى ميدان النقد العلمي وينتشر من دائرته الضيقة الى أوسع وأبعد مدى
رأي الآستاذ حسين سرحان
هل يصلح ادبنا للتصدير
أجل . يصلح ، ويصلح . وفي عين الحسود عود ، وارجو إن لا يكون الاستاذ صاحب المنهل هو الحسود ، فانه اذن لا يحسد الا نفسه
ان أدباءنا ينتظمون اوسع المجالات في انشاء المقالات ، وانهم لارباب القصائد الجيائد ذوات المعاني الفرائد ، وانهم يبحثون فيوغلون ، ويكتبون فيبدعون . فلماذا لا يصلح هذا الادب للتصدير
وان الأستاذ نفسه صاحب المنهل ليعلم هذا - او بعض هذا - تماما ؛ ولكنه يستمرئ مغالطة نفسه ، واحسب انه بهذه المعالجة المبتكرة لا يريد الا ان يستزيد ويستفيد !
إذا كان زيدان وضا وقنديل والعامودى والكتبي وتوفيق وشحاته وعواد والفقي والآشي والكعكى والعطار والغزاوى والعريف والمغربي ، إذا كان هؤلاء الجمهرة لا يستطيعون ان يصدروا ادبهم المونق الجميل ، فنصيحتى اليهم ان يحطموا اقلامهم ، ويئدوا بنات افكارهم ، ويركنوا الى الراحة ويخلدوا الى الصمت ! فذلك - لعمري - خير ما يمكن ان يفعلوه للتوارى والانزواء .
ان الشعر والنثر والاقصوصة والرواية قد نضجت عندنا ، واتت اكلها أضعافا مضاعفة ، فما بغريب ان لا تجد الطريق الى الظهور ، او تحتجب واخواتها فى تبرج وسفور . ذلك لان الادب العربي الحديث وجد الاداة والوسيلة
والجو والتشجيع والتقدير فى البلاد التى قدر لها ان تسبقنا فى الطباعة والصحافة والتعليم ، فانتشر ادبها طيبه ورديئه ، وراج علمها خبيثه ومريئه ، واشهرت أقلام ما كانت لتشتهر ، لولا الميادين الفسيخة والمطابع الفاخرة والصحافة الرفيعة ، والاقبال الهائل ، وشيوع التعليم بين طبقات الامة مما كان يمحو الفوارق ويلغيها الغاءا تاما وصدر الينا آدب العراق ومصر والشام ؛ وحتى أدب السودان وأفريقيا والهند ، فلو وجد ادبنا من التنظيم والحث والوسائل ما وجدته تلك الآداب - او قل بعضها - لكان الادب الطنان الرنان ، ولكان له شأن أيما شأن
وقد اجتهد بعض الادباء ان يكتبوا لكبريات الصحف الادبية بمصر كالهلال والثقافة والرسالة ولكن الصحف المصرية - على تقديرنا لها - تنظر الى الاسماء فان وجدتها زنانة كالذبابة طنانة كالنحلة ، نشرت ، وزادتها هى زنينا وطنينا ، والا فهى ملقاة مع الاكوام . وقد اعتذرت الرسالة عن ذلك ونفته ولكن نفي الامر الواقع لا يزيده الا وقوعا وتأكيدا .
أفكل ما تنشره الرسالة والثقافة والهلال رفيع أو جيد أو بديع ؟ ان الادب جسم وروح ، فاما الجسم فهو الاسلوب ، واما الروح فهو ما يحتويه ذلك الأسلوب من معان وآراء وأفكار .
أما الاسلوب فى ادبنا فهو يختلف بين المتانة والسلاسة ، ولا يهبط عن هذين الا فى ادب بعض الناشئين والشداة على انه فى طريقه الى القوة والتمكن ، وأما الروح فهى تتفاوت بين اللطافة والعمق وبين السداد فى الرأى أو المقاربة اليه وليس بحتم على الاديب ان يحتفظ - دائما بمستوى واحد لا يعدوه ولا يسف عنه . فطالما قرانا لاعلام الادباء كالمازني والعقاد وطه وغيرهم أشياء لولا تواقيعهم عليها لشكلنا في ان ينزلوا بعد تحليق ويخطئوا بعد توفيق الى ذلك الحد العجيب
ارسموا للادب نهجه ووفروا وسائله وشجعوه وصدروه بعد ذلك ، فان جاءكم نقد أو ملام فبادروني بالكلام
