" اعتاد ( المنهل ) ان يوجه استفتاء فى كل عام الى الادباء فى موضوع واحد يراه . وفى هذا العام رآى تغيير الخطة وتحسينها بتقديم استفتاءات خاصة لنفر من الادباء ، كل فى موضوع خاص به تركيزا للرأي وتقويما للاتجاه وهذه آراؤهم ننشرها تباعا فى هذا العدد وفيما يليه " :
-١-
[ ما هى المواضيع التى راقتكم مطالعتها فى المنهل ؟ وما هى المواضيع التى يودون ان يطرقها فى المستقبل ؟ ] هذا هو السؤال الأول الذى وجهناه الى الاستاذ حسين عرب وقد اجاب عنه بهذا المقال :
١ - هذا سؤال ؛ ولكل سؤال جواب ، ولكن بعض الأسئلة يستدعى التريث والتفكير ، قبل اطلاق الجواب ، لأنه يفاجئ السامع أو المسؤول بدقة التهديف ، وبعد المرمى ، ويشعره بخطورة الفكرة ، وحراجة الجواب . وهذا السؤال من ذلك القبيل .
فاذا اردت أن اعين المواضيع التى راقتنى فى منهل العام الفائت . وجب على اولا ، ان احدد معنى الموضوعية ، كما افهمه أو كما يروقنى
فالموضوعية فى ظنى ، هي جماع ما تنطوى عليه الفكرة من معان ، وما يشتمله الاسلوب ، من صياغة وقوة اسر ، وهذه هي الموضوعية الكتابية فاما الفكرة ، فيعجبنى منها ما يتميز بالاستقلال والأبداع ، الاستقلال فى الرأى ، والابداع في العرض .
وأما الأسلوب ، فتأخذنى منه ، لطافة الجرس ، وانسياب اللفظ ويتكون من هذين رشاقة المظهر
ذلك ما يروقنى فى المواضيع ، ان كانت الموضوعية كتابية ، تعنى الفكرة والاسلوب ، وتشملهما دون مفارقة او حيدة .
أما ان كانت الموضوعية تعنى الفن والاتجاه ( وهو جائز ) فانا لا اتقيد بفن دون فن .
فلست اطلب من المنهل مثلا أن تعنى بالأدب أكثر من عنايتها بالعلم ، ولا ان تنصرف عن القصة ، لتزيد فى الشعر ! فان الناس لاختلاف مشاربهم ، وتباين نوازعهم ، لا يتحدون مذهبا ولا يتفقون سبيلا .
والصحف اليوم ، والمجلات على الأخص تذهب مذهب العمومية فى النشر والتثقيف ، فهى لا تقتصر على الأخبار ، أو السياسة ، أو الادب والموسيقى ولكنها تأخذ من كل بطرف ، حسب حاجة القراء ، وتنوع مطالبهم .
لذلك فانا أود لو اتسعت صفحات المنهل لكل شئ ، وما دام هذا ليس فى الأمكان الآن ، فسيكون مستقبلا ان شاء الله .
أما ما راقنى من المواضيع التى نشرتها المنهل فى العام الماضى وهنا موضع الحراجة - فقد راقنى جدا استفتاء المنهل عن تصدير الأدب ، لقد اوجد هذا الأستفتاء جوا حافلا بالنقاش الذهنى ، والتجاوب الفكرى ، بل رسم الخطط ، ووضح السبيل .
واننى لأظن انه كان من أثره هذه المؤلفات والدواوين التى أصدرها بعض ادبائنا فى العام الماضى وهذا العام .
ومما راقنى فى المنهل أيضا بصرف النظر عن الموضوعية ، فنية كانت أو كتابية ، راقنى فيه بحوث الاستاذين الأنصاري ؛ وابن جاسر ، واستقلال الاستاذين عمر عرب ، والعامودى ، وأساليب ، العطار ، وتوفيق ، وسرحان ولست أعين المواضيع بعد ان فصلتها تفصيلا ، فللقارئ الكريم حق تطبيق المقدمة على النتيجة ، ليخرج بالجواب الذى يروقه أو لا يروقه .
٢ - وهنا جاء دور الجواب على السؤال الثانى لأعبر عن رأيى فى المواضيع التى أود ان تطرقها المنهل فى مستقبلها ، و يجدر بى هنا أن اقول : إذا كانت
الجامعات والمعاهد هي مدارس النشء ووسائل تثقيفه فان من المعروف أن الصحف والمجلات هي مدارس الشعب .
والثقافة العامة ، اصبحت اليوم ضرورة لازمة لكل فرد ليستطيع خوض معترك الحياة . على ضوء معلوماته ، ولو كانت بدائية . ثم يتعين الطريق التى يسلكها بعد ذلك .
ولهذا ، كان مذهب الصحف اليوم مذهبا عموميا فى النشر ، لتستفيد من قرائها وتفيدهم فى نفس الوقت . وهذا ما أريده للمنهل فى مستقبلها الحافل ان شاء الله .
أريدها للاقتصاد ، والتجارة ، والشعر ، والأدب والفن ، والعلم ، والنقد فان الناس يتجهون اتجاهات مختلفة ، ولكل قارئ مطلب فحبذا لو وجد الكل مطلبهم فى المنهل
وأود لو اختصت المنهل الناشئة بعدد من صفحاتها ، فان فى ذلك تشجيعا لهم وتحفيزا لهممهم ، والأستاذ صاحب المنهل ما ينكر ذلك ولا أظنه يضن به . واخيرا . أود للمنهل مستقبلا حافلا بالآمال ، ولصاحب المنهل نجاحا مطردا وتوفيقا عظيما .
-٢-
[ هل الأدب غاية أو وسيلة ؟ واذا كان غاية فما فائدته ؟ واذا كان وسيلة فما مزيته ؟ ]
وهذا هو الاستفتاء الثانى الذى وجهته المنهل الى الأستاذ حسين سرحان وقد اجاب عنه بالمقال التالى :
سؤال فيه غرابة ، وفيه احراج ، وهو بعد ذلك يحتاج الى روية وتفكير ويفتقر الى مراجعة وتنقير .
والجواب عليه يختلف باختلاف الاذواق والاتجاهات ، وتتشعب به النفوس والاذهان ذات اليمين ، وذات الشمال .
وانا امرؤ لا تصدر نفسى عن نفس اخرى تتأثرها أو تذهب مذهبها ولا اجنى من ذهنى ( ازهار قوم اخرين ) إلا بقدر ما يرسخ فى النفس ، ويرسب فى الذهن من بقايا الاطعمة الفكرية التى اهضمها ، وكنائن الحفظ والدراسة التى تختزن فى الذهن الى حين
فاذا أردت رأيي - شخصيا - فى ذلك ، فاني سأقوله بكل صراحة لا لبس فيها ولا تغرير .
سأقول رأيى - يا صاحب المنهل - الذى اعتقده اجزم الاعتقاد ، وما ابالى اذا غضبت على ( العشيرة ) كرامها ولئامها على السواء .
الأدب يمكن ان يكون غاية ، ويمكن ان يكون وسيلة ، ويمكن ان يكون وسطا آخذا من كليهما بطرف ، ويمكن ايضا ان يكون ( لا شئ ) مستغنى عنه كل الاستغناء .
يكون غاية لمن اراد به امتاع الروح ، وتوسيع آفاق النفس ، وجلاء الذهن وارهاف البصيرة ، ونقل ( الحياة ) على صورتها الصحيحة فى خيرها وشرها وجمالها وقبحها ، وفى كل مشابهها ونقائضها ، وترقيها وتديها ، فان الذى ينقل جانبا واحدا من ( الحياة ) لمنتجع شر انتاج ، فوق ما فى ذلك من الزيف والكلال والخداع .
وهنا يكون ( الأدب ) ارقى واجود ما يكون ، وان نقل من الحياة أسوأ واقبح ما يكون . هذا هو الادب اذا كان غاية مجردة سامية .
فاما اذا كان وسيلة ، فهو اقل من ذلك بكثير كثير ، بل هو شر كلة فى النزر منه والغزير ولاسيما اذا استخدم ذريعة للتوافه العرضية ، والحساسات التجارية ، وتسلف الشهرة لطفل ما يزال يتدحرج فى نماطه ، والتهالك على الاشخاص لتجميل المستقبح ، وتحسين المستهجن . فذلك كله - يا سيدى - فوق انه سخف ؛ فهو غير ممكن لا فى القوى المجتلبة ، ولا فى القوى الفطرية
وقد مضى الزمن الذى كان يمكن ( بلوتارخوس ) فيه ان يقول عن ابطاله انهم يحاربون التنانين والسعالى والمردة ، فاين نحن من ذلك الزمان ؟ هذا الأدب الذى يجتر هذه النفايات ، يجب ان يطعن فى مقتله ، قبل ان ينيخ علينا بكلكله .
ويمكن للادب ان يكون وسطا بين الوسيلة والغاية اذا اخذ من طرفيهما بنصيب ، وذلك اذا استعمل اولا كوسيلة ، ثم انتهت به الوسيلة الى غاية بينة المعالم ، وتوخى فيه القصد ، والاعتدال ، فحينئذ يمكن ان يكافئ خيره شره ويلاقى نفعه ضره ، ولا ضير من طغيان جانب على آخر ، ما دام انه لا يرفع رجلا بعد رجل الا لهدف محدود أو لمرمى ملموح فى رزانة وتحفظ .
والأدب - بعد ذلك - يستغنى عنه كل الاستغناء ، ولا يجوز ان يعتبر ( شيئا ) فى ( الاشياء ) فى البلدان المتأخرة التي تعيش على النمط البدائى الفطرى فان اهلها يكتفون بالضروريات اللازمة فى شؤون حياتهم ، فماذا يريدون بعد المأكل والمشرب والملبس والزواج ؟ بل لعلها لا تجتمع لواحد فيهم ميسرة مذللة .
ان الأدب كمال روحى لذيذ ، والناس على ضربين ، ضرب بلغ الكمال ( المادى ) فاكتفى به عن الأدب ، وضرب لم يبلغ الكمال المادى ، فهو فى شغل بالتماسه عن الأدب ، وهناك ضرب ثالث ( ولكنه نادر ) استطاع ان يجمع بين اثنيهما بعد جهد عظيم وبذل كريم ، ومع ذلك فانى لأخاف ان تنطفئ الشعلة الروحية من ضغط المادة الجبارة التى تتوهج الى جانبها ولكن لماذا أخاف ؟ فانى لم ابلغ الكمال - بعد - فى واحدة فضلا عن الأثنتين .
