الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

استفتاء المنهل

Share

لكل أدب امة من الأمم المعاصرة هدف معين عام ، يسعى الى نيبله كتابها وشعراؤها ، وادبنا الحديث ما يزال يدرج فى دور الطفولة ولم يستطع بعد ان يوضح خطوط اهدافه تماما فاذا كانت له اهداف معينة فما هي ؟ واذا لم تكن له بعد فكيف نرسم له تلك الاهداف حتى يسير على ضوء حاضره إلى احرازها فيى مقبل حياته ؟ هذا هو السؤال الذى طرحناه على الاستاذ السيد محمد حسن فقى وقد اجاب عنه بما يلى : قال الاستاذ :

" لكل ادب أمة هدف عام . فهل لادبنا الحديث هدف معين ؟ واذا لم يكن فماهو الهدف الذى ترسمونه له ؟ ثم ما هي أجدى الطرق للوصول اليه ؟ " هذا هو السؤال الذى وجهه الي الاستاذ الانصاري صاحب المنهل الاغر فأما ان يكون لكل ادب أمة هدف عام فهذا صحيح . لان " الشئ " الذى لا يهدف لغرض خاص هو " شئ " متخبط . أو هو مقدمة فاسدة لا تؤدى الى نتيجة صحيحة ولاتصدر من ذهن مفكر ونفس واعية .

والادب ترجمة شعور نشعر به فيستفزنا فنحاول ان نعبر عنه بالفاظ معينة ليشاركنا الآخرون ، كما يعبر الموسيقار عن شعوره ، بالحانه وريشته . والمثال بتماثيله وكل ذى فن من الفنون الجميلة بوسيلته الخاصة لمشاركة الآخرين له واحساسهم بنفس احساسه الذى استفزه ودفعه الى تجسيم شعوره فى شكل محسوس ليكون للآخرين نصيب منه يشقق المشاركة والتجاوب والاستمتاع إذن فالادب فى أسمى معانيه وأدقها هو ترجمة خلجات النفس ترجمة صادقة بالفاظ مختارة يتأثر بها السامع فيشعر بنفس شعور صاحبها . وهي مهمة سامية وخطيرة بلا شك ، إذ إن الشاعر الملهم او الكاتب الموهوب او القاص المبدع او الناقد العبقرى إنما يذيبون ارواحهم واعصابهم ومشاعرهم وخلاصة تجاريبهم للناس عصارة من انفس العصارات وأجملها فيتيحون لهم بذلك اوقانا سعيدة يتملون فيها بروعة الجمال وجمال الحقيقة ، ويتمتعون بمرأى الصور والظلال والالوان التى تعرضها عليهم ألواح اولئك الفنانين الفتانة .

كما أنهم يصححون الذوق العام للناس ويصوبون نظرتهم الى الحياة ويرهفون مشاعرهم وأحاسيسهم ويلهبون عواطفهم واخيلتهم ويسمون بنزعاتهم وافكارهم الى المثل العليا وسبل السلام والنور

يسعد الادباء الموهوبون فيسعد الناس معهم ويشقون فيشقون بشقائهم ولو فى فترات عارضة من حياتهم وحسبه هذا من تراث وتأثير

والأدب يحتاج الى القوة احتياجه الى الحرية . ففي كنفها يزكو ويترعرع ويؤتى ثمراته مباركة طيبة . هو خفقة حياة ونبضة قلب وترجمة حس . وهو صور وظلال واصداء واضواء وانداء ودراسة متمكنة لطبائع ووساوس القلوب وبصيرة نفاذة وشعور مرهف ووجدان رقيق . فالحرية له بمثابة الهواء الطلق الذي ينتفسه والا اختنق .

وقد يكون الادب مهمازا ومنقذا من محنة نازلة وكربة ليس الى ردها من سبيل . وقد يكون رائد نهضة وطليعة حضارة وبشير سلام ومذكى حماس وملهب عصبية .

هذه هي اهداف الادب كما نراها . فهل لادبنا الحديث هدف معين ؟ ! أجل سيكون له هذا الهدف او هذه الاهداف السامية اذا التزم الادباء الجادة المستقيمة التى فصلنا نهجها ومسالكها ودروبها ومنعرجاتها . وإذا اطرحوا الوهم القديم السائد بينهم عن الادب وانه تمكن من اللغة وتطويع للقوافى وضبط للاوزان والعروض وخبرة بالمحسنات البديعية وقدرة سطحية على استنباط المعانى ، وما لى ذلك من بهلوانية وشعوذة واجهاد للنفس والناس فى غير طائل ، فليس الادب الصحيح فى شئ من كل هذا ولاهو بسبيله .

والادب - بعد ذلك - هو الذى يرسم الاهداف ولا يقبل منا ان نرسم له هذفا والا كان ادبا مسيخا زائفا لا يصدر عن النفس ولا تضطرم به المشاعر فلنقبل منه اهدافه الرشيدة ولنأخذه على انه قطعة رائعة من صميم الحياة وتعبير بليغ عن ادق خلجات النفس واسمى نوازع الضمير واروع آيات الفكر والاكنا فى واد وكان هو فى واد آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية