ما هو اثر الادب الحديث فى هذه البلاد
قبل أن أتكلم عن أثر الأدب الحديث فى هذه البلاد أتكلم عن الأدب الحديث . فنحن إذا بحثنا عنه ، وعن التطورات التى تطورها نصل على ما نظن الى موضوعنا بلا كبير عناء .
أترضى عنا يا أستاذ بذا ؟ وتقبل منا ان تجعل أصل الموضوع الذي تسألنا عنه هو الادب الحديث ؟ وان نجعل اثره فى هذه البلاد فرعا منه ؟ نسمعك تقول نحن سألنا فأجب أنت كما تشاء وتحب .
ان الادب هو عصارة الفكرة ، وثورة الضمير ، وصوت الأمة ! ومرآة شعورها وتفكيرها والاديب هو النقادة المرشد . هذا تعبير مختصر عن الادب النزيه الذي لا يصدر الا عن عقيدة خالصة ، ورأى حر . وهذا الادب هو نادر . وهذا الادب لا يرضى به الكثير أما النوع الآخر من الادب ، أدب الذين يؤجرون أفلامهم ويبيعون ضمائرهم ، فهو ما يملا الأسواق الأدبية . ولا تسمح لنا الحقيقة أن نساير المقابلة البديعية فنقول : وهو ما يرضى به الكثير ، لا لان
الكثير لا يقبله لانه غير نزيه ، فاذا كان الامر هذا اذن لابد أن يرضى الكثير عن النزيه الحر ، وهذا ما لا نقوله فى الأول ، بل الحقيقة ان الكثير يرضى عن هذا .
هذه النظرة فى الأدب الحديث عامة لا تنحصر في قطر دون آخر . وإنما تنجلي بوضوح في الاقطار المتحزبة ابناؤها حول رأي او زهيم ، ضد رأى اخر أو زعيم ثان . وهذه النظرة هي حول ناحية واحدة من نواحى الحياة ، وهذه الناحية هى أهم نواحى الحياة اذا تجاوزنا الدعاوات المختلفة ، أو جعلنا ذلك نوعا آخر لا مساس له بالادب الحديث . ومن الممكن ايضا ان يجعل الأدب السياسي ادبا خاصا ، أو موضوعا قائما بذاته لا علاقة له بالادب الحديث ولكن فيم نبحث ؟ أنبحث في الأدب الاجتماعي ؟ فالادب الاجتماعي يبحث عن التقاليد والاخلاق والعادات وهذه أما أن تكون دينية أو سياسية . أو نبحث في الأدب التاريخي ؟ فهذا المرتع الخصب للميول السياسية . ففي اى ناحية اذن نبحث ؟ . ان كل موضوعات الأدب إذا نقبنا عن المحور الذى تدور حوله نجده أما سياسيا أو دينيا الا ما ندر من وصف منظر خلاب أو رحلة ممتعة أو رواية خيالية . على ان الأدب الروائى لا يخلوا غالبا من ذينك الموضوعين . أما الأدب العلمى ، وهو ما يكتب فى الفنون والصنائع فذاك نوع آخر يسمى باسم الفن او الصناعة التى يكتب في موضوعها .
الأدب نوعان نزيه حر يبحث عن الحق والخير والجمال ، وغرضي . وكلا النوعين بوجه العموم غير مرضي عنه . فاى ثمرة تكون اذا لمالا يرضى به الناس ؟ نعم هكذا رأينا الأدب يعبر عن مكنونات النفس وما يحمله الضمير . وما يملا القلب من حب يتغزل به صاحبه ، وهجاء فيه الكره ، والبغضاء والحسد ، وحماس يفتخر به قائله ، ومدح يشط فيه الاديب ويبالغ ، ورثاء قل ان يسلم من الكذب
والتصنع ، وتسجيل للحوادث ووصفها تسجيلا ووصفا قل أن ينصف فيهما الشاعر أو الناثر ، ويسلم من الهوى .
وهكذا نرى الأدب الحديث يسير فى هذه النواحي متشعبا بقدر ما تشعبت الحياة ، متطورا بقدر تطورها ، متلونا بقدر تلونها . اختلط نقيه بالكدر ، والثمين بالمزيف الرخيص . وهكذا نرى التيارات في هذه الحياة تجرف الأدباء الامن تشبث بحبل الحق فاعتدل في أدبه وترفع . وهذا لعمر الحق قوة جبارة وعظمة فذة ، وارادة قاسية ، وثبات مضن . وهذا كله من صفات العبقريين وقليل ما هم المبقربون .
ومن العجيب المدهش أن يكون الأدب الحديث كذلك . وأن يتطور هذا التطور الهائل ، فتنساب الافكار والآراء فى جميع طرق الحياة ، فتملأ الاقلام هذا العدد الهائل من المجلات والصحف العالمية وتملأ المكاتب مؤلفات الأدباء . ولعل السر في ذلك هو ما تحدثنا به من عدم الرضا عن الادب فكل أمة أصبحت تفكر في إيجاد صحافة لها . وأصبحت تشجع أدباءها وتعضدهم ليدافعوا عن سياستها ، ولينشروا مبادئها ، وليقوموا لها بالدعاوة الواسعة . وتجاوز الحال الى ابعد من هذا ، حتى اصبح كل حزب في الامة ينشئ صحافة ، تذب عن فكرته وتدافع عنه ، يعتز بها وبادبائها . فلقد تطور الأدب الحديث تطورا كبيرا ، فنظمت دراسته كما نظمت دراسة الفنون الآخر ، فله مدارس خاصة ، وله قسم عام في الجوامع العليا ، كما لاهم العلوم الفنية مدارس خاصة وأقسام هامة فى الجوامع وأصبح فيه تخصص . كما في الفنون تخصص فكما يتخصص الطبيب فى الامراض الداخلية أو الجراحة كذلك الاديب يتخصص فى التاريخ أو فى الفلسفة الى غير ذلك هذه كلمتنا عن الأدب الحديث ، وهي كما نراها ، موجزة مختصرة ، وهي كما نخالها كافية لتمهد لنا الجواب على سؤال المنهل
ان فائدة الأدب الحديث الغير حجازي في الحجاز ضئيلة جدا ، لان أهم موضوعاته وأكثرها يخوض بها الكتاب فى معترك سياسة الشعب أو الحزب ، والقليل منه ، وهو طبعا من الاهمية ، بمكان ، لا يبعد عن ذا يبحث فى غير هذا من نواحي الحياة . وكلا النوعين لا يقرأه الا القليل النادر من المتعلمين والمشتغلين بالادب . ولا يستفيد منه الا قليل من هؤلاء وهؤلاء . أما الأدب الحجازي فطفل رضيع . ويا للأسف أصيب هذا الطفل بأمراض وبيئة سارية . اذا لم يعجل له بالدواء الناجع فالموت المحتم له . أى والله يا استاذ ! لقد افسد الأدب عندنا جرأننا على الأدب ، فيكفى لان ننعت بلقب الاديب كل من كتب مقالا مهما يكن اسلوبه ، ومهما يكن موضوعه ، ومهما يكن ضفه وسفسطته واعجب . من هذا ان كثيرا من المتأدبين يصدعون الادباء بمقالاتهم يرجونهم ان يعدلوها لتنشر فيبلغ بها صاحبها مكانة الاديب . ولقد احسنت أنت بجعل صفحات منفردة فى المنهل للتلاميذ والناشئة أي والله يا أستاذ لقد افسد الادب فى الحجاز الحملات التى يشنها البعض على البعض وليتها تكون بين الندين وليتها تكون حملات ادبية سليمة من الطعن فى الاشخاص . فكثير ما قرأنا لباشي ردا لاذعا مهزئا على أديب له مكانة فى الادب وكثيرا ما قرأنا ردا لاذعا مليئا بما يترفع عنه الادب . وانه لخير للصحافة ان تهمل امثال هذا فلا تنشره فانه مضر غير نافع ومفسد غير صالح ونصارح الاستاذ بعامل آخر جعل أثر الادب فى الحجاز بسيطا وهو ان الاغلبية الساحقة لا تهتم بالادب وما يكتبه الادباء على انه ولا شك ان الادب الحديث بالرغم على جميع العوامل السالفة قد احدث اثرا فى الافكار والآراء . ولو كان هذا القدر من فائدة الادب بماثل الطل من الوابل لاستشهدنا بالآية الكريمة ان لم يصبها وابل فطل فعلمنا بلا اسهاب قبر
الفائدة التى أفادها الأدب ولكن اثر الأدب دون الطل . على اننا نظن ان لو حافظ الادباء الحجازيون على كرامة الادب ، وهنوا بالمواضيع القيمة فشغلوا اقلامهم وصرفوا افكارهم وما وهبهم الله من ميزة البيان والبلاغة الى ما وراءه النفع الجم والخير الكبير ، ولو حرصت صحافتنا على هاته المهنة ونزهتها عن دخلاء ) الادب ( لكان للادب أثر غير هذا ، ولكانت ثماره مغذية شهية ؟

