( الاستاذ محمد امين التميمي كاتب هذا المقال أحد خبراء خطوط الوثائق القديمة ، وخاصة ما كان منها باللغة التركية ، وقد امضى خمسة عشر عاما بمصر قائما بهذا الشأن واطلع هنالك على كثير من الوثائق القيمة فيما يختص بالحلقة المفقودة من تاريخ هذه البلاد فى القرن الثالث عشر الهجرى أشد القرون الخالية صلة بنا وغموضا عنا بالنسبة لما لدينا عنه من المعلومات ، وقد ترجم الاستاذ تلك الوثائق بلغة عربية فصيحة ، وأطلعنا على المجموعة التى يعمل لاخراجها تكملة لسلسلة التاريخ العربى هذا وقد كان للاستاذ الأثر الطيب فى تصويب كتب التاريخ فى المدارس المصرية الابتدائية والثانوية فيما يتصل بالمعلومات التى كانت فيها عن الدعوة الدينية الاصلاحية بهذه الجزيرة )
لا يجد الذين يطالعون تاريخ هذه البلاد ابان نهضتها الدينية الاصلاحية فى القرن الثالث عشر الهجرى على يد الامام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتأييد الامير محمد بن سعود - فيما نشر عنها وعن تاريخ حقبتها من كتب التاريخ ما يشبع النهم ويغذى الفكر من المعلومات المبوبة المتسلسلة برغم أن ذلك القرن قريب منا جدًا ويرغم كونه ألصق القرون بنا . . وقد زحفت دعوة الاصلاح الدينى هذه زحفًا سريعًا شاملًا منظما من منبتها بالدرعية فعمت انحاء جزيرة العرب كلها ، من حدود اليمن جنوبًا ، الى حدود العراق والشام ، وكان من جراء ذلك أن ثارت الدولة العثمانية فعملت على خنقها وعلى تضييق نطاقها الى حين ، وقد تزلزل عرش آل عثمان ، ولكن لا من الدعوة الدينية لذاتها ، فانهم كانوا يعلمون من التقارير الرسمية التى كانت تصل الباب العالى باستاتبول من ولاة الترك فى البلاد المتاخمة لحدود الاقطار التى شملتها اضواء الدعوة الاصلاحية الجديدة - أنها قائمة الاركان على تعاليم الاسلام الصحيحة واحكامه الراشدة ، وهدايته النيرة ، ولكن عرش آل عثمان انما زلزل بهذه الدعوة من الناحية
السياسية المجردة ، وهذه الناحية تتمثل فى الخشية من أن تتخذ هذه الدعوة طابع الحركة الوطنية العربية الاستقلالية ، فيتسع نطاقها بحيث تشمل العراق والشام ومصر وغيرها من البلاد الناطقة بالضاد ، واذ ذاك تنفصل هذه المجموعة الكبيرة التى هى قطب الرحى فى العالم الاسلامى - عن فلك تلك الدولة ، لتدور فى فلكها الخاص ....
وكما ارادت السياسة ان تحصر اضواء الدعوة وتمنع انتشارها ، كذلك عملت نفسها على عدم التمكن من دراستها وتفهم اسرار تاريخها وتعقب حركاتها وسكناتها وكذلك بقى ما بين ايدينا من اسفار التاريخ غير محيطة لتفاصيل مبلغ استياء تلك الدولة من هذه النهضة الجبارة ولاشاملة مساعيها الهائلة لاخماد ريحها بأنارة ولاتها فى العراق والشام ومصر لمحاربتها بشتى الوسائل . ولا مستوعبة كيفية عصيان (شريف كنج) والى الشام لها ، ولا اسباب هذا العصيان ، ولا رفضه لمحاربة اخوان له فى الاسلام . . الأمر الذى أدى الى أن يحكم عليه السلطان بفصل عنقه وبعثه الى الاستانة ولذلك أسرع الرحيل الى مصر منتجئًا بمحمد على باشا ؛ ولا توضح تلك الكتب ايضا كيف اقتنع محمد على بعد ذلك بمحاربة الدعوة الاصلاحية ، ولا كيف استعد لذلك ، ولا تفاصيل المعارك . ولا التقارير الرسمية المرسلة من القواد اليه . ولا المراسلات المتبادلة بينه وبين استانبول بشأنها . . ولا ما يتصل بذلك من مراسلات واعمال ....
هذه الحلقة المفقودة من تاريخ هذه الديار فى تلك الفترة العصيبة تكملها وتنم عنها وتشرحها الوثائق التاريخية المحفوظة بدار المحفوظات العمومية وبالقسم التاريخى بالديوان الملكى بالقاهرة . . وجميعها مكتوب باللغة التركية اللهم إلا بعض مكاتبات عربية تعد على اصابع اليدين مرسلة محمد على أو لقواده من عبدالله بن سعود ، او من المندوبين البريطانيين فى مخا وبومبى الى محمد على أو من سكان مكة المكرمة والمدينة المنورة أو من بعض الاشراف . . وقد وفق الله الى جمع عدد وفير من هذه الوثائق التركية وترجمتها وتبوبيها وترتيبها على نمط فنى مفيد لدراسة ماضي تاريخنا فى فترة من
فتراته العصبية ؛ وابى لا أزال فى صدد جمع البقية الباقية وترجمتها ، سدًا للفراغ الملحوظ فى تاريخ الدعوة الاصلاحية ببلاد العرب . . واذا تم ذلك على الوجه المنشود فساقوم بنشرها فى كتاب مستقل متسلسلة التواريخ ، مشروحة ، ومعلقا عليها بما يلزم ، شرحا وتعليقا مجردين عن الهوى والغرض ، خدمة للعلم ، واشباعا لنهم الادباء ومحبى الاطلاع وتصحيحا لمعالم التاريخ العام والخاص ، بما يجمع الشمل ، ويقرب بين الاقطار العربية المتحفزة الى النهوض . وابرازا للعبر من الماضى القريب الى عصرنا ، وتحليلا للحقائق المطمورة ، وكم فى التاريخ من عبر لأولى البصائر ، وكم فيه من حقائق مطمورة تحمل عظات لأولى الالباب

