رأي الاستاذ السيد امين مدني
لا إخال المنهل الغراء تقصد بسؤالها عن ادبنا وهل يصلح للتصدير ، ان هناك فوارق بين ادب الاقطار العربية ، وان لكلا منها ادبا مستقلا له صبغته الخاصة التى يمتاز بها عن سواه كما تمتاز بعض الصناعات والمنتوجات
فكما ان لغة الادب واحدة عند الحجازى والمصرى والعراق والسورى وان اختلفت لهجاتهم الدارجة ، كذلك بحوثهم الصميمة الادب لا تختلف الا بقدر ما نلاحظه على ادباء القطر الوحد ، وما بينهم من تفاوت من حيث الافق الذى تسمو اليه تصورات الادباء ، والمواهب التى يتمون بها . ومن حيث الاطلاع وسعة الدراسة ، وما فى الاديب من دقة ملاحظة واصالة راى وقوة منطق وسرعة ادراك ، وماله من جودة اسلوب وما عنده من اراء فى الحياة .
ويزيد هذا التقارب ارتباط العالم بهذه المواصلات التى توشجت وتعددت وسائلها واستخدامه الاثير وقبله الصحف لنشر الاداب والمبادىء والاراء مما جعل العالم يوشك ان يكون مجتمعا واحدا ، وناهيك عما لهذا من اثر فى اخيلة الشعراء والكتاب .
ثم هناك ما هو ابعد اثرا واقوى سببا لوحدة الادب المعربي على تفاوت البيئات التى يصدر عنها ، وعلى ما بين الامم العربية من بعد المسافة بعد ان اتسعت خارطة البلاد العربية ، حتى بلغت ساحل الاطلانطيكي - الا وهو تشابه قضايا
الامم العربية فى ماضيهم المروع ، وايجاد قضيتهم فى حاضرهم المضطرب فالانقلابات السياسية والاجتماعية التى حفل بها تاريخ الامم العربية فى هاته السنوات الاخيرة تكاد تكون واحده فى مؤثراتها على حياة الشعوب العربية وافكار ابنائها
وكل من هذا وذاك مع ما يشترطه الادب من قواعد واحكام لا يسمى الادب ادبا الا اذا كملت فيه ، جعل للادب العربى وحده وثيقة وطابعا واحدا مازالت يد التطور تحسن تشذيبه ويجيد صقله ، وتزيد فيه من اساليب الاداب الغير عربية وموضوعاتها ما يزيد قيمته ويفيد قارئيه
على ان كل جديد يدخل على الادب العربى يتأثر بالادب العربى اكثر . بتاثر الادب العربى منه ، فلا يلبث ان ينصهر فى بوتقته فيمتزج به وينطبع بطابعه فلا يميز عنه . وانك لتلاحظ ذلك جليا عندما بلغت الشعوبية شدتها فى العهد العباسى ، واخذت رغبة الخلفاء وذوى النفوذ تدفع الكتاب الى ترجمة الادب الفارسي والفلسفة اليونانية . وتلاحظ ذلك عندما نهض بنو امية يحاكون العباسيين فى اشادة نهضة ادبية فى الاندلس . وتلاحظ ذلك فيما تقراه لاخواننا السوريين فى امريكا ولامثال ابى شادى من الذين حاولوا التجديد فى الادب العربى . انك لتلاحظ ذلك فى الاساليب التى وضعت له علوم البيان والبديع . وفى الموشحات الاندلسية ؛ وفى اسلوب الادب الحديث ، فكل ذلك تأثر بالادب العربى وخضع لقواعده وقيس بموازينه
. ٢ : مع ١١٠١ . ١٠ بيد انه وان كان الادب العربى كما مربا واحدا في مجموعه ابنما ازدهر . وان كان الاديب العربى ساير الحياة وتطوراتها وعبر عن مباهجها والامها باسلوبه الخالد ، منذ جاهليته حتى عصره الحاضر فى غير صقع واحد . فليس كل ادباء العربية جمعا فى مكانة واحدة ، فما لامشاحة فيه ان لليول والابجاهات النفسية ، وللدراسة المنظمة وسعة الاطلاع ونباهة الفكر وصفاء الاجواء ، والتقدير والتشجيع والانقطاع للدراسة والانتاج ، ان لكا هذى اثرا فعالا فى نبوغ الاديب وتفوقه
وان ذلك لتراه واضحا فيما يصل اليك من المؤلفات والصحف فلبس كل ما تصدر عن مصر مثلا تمينا ، وليس جميعه فى مستوى واحد ، منه الممتاز ومنه العادى ، ومنه المتذل الرخيص ، وكذلك كان ما ينشر لادباء الحجاز فمنه الجيد الثمين ومنه الغث السخيف .
- صح غير ان الحقيقة المؤلمة التى لا مناص من المجاهرة بها ، ان ادباءنا كتابا وشعراء لم يجاروا النهضة الادبية كحفدة لمعشر عكاظ . ومجنة . ودى المجاز . وان مبهم كانوا فى اكثر ما نشروه سطحيا فكانت موضوعاتهم عجالة - ونظرة عجلى ونظرة خاطفة - الى غير ذلك من الكلمات التى كانوا يعتذرون بها عن عدم تغلغهم فى صميم الموضوعات التى يطرقونها
ونحن اذا اردنا ان نرجع للاسباب التى كان منها هذا التفاوت بين ادباء قطر واحد ، يعيشون تحت سماء واحدة فقد لا نجد بعد ان استقرينا البواعث التى وحدت الادب العربى غير الأسباب التى مرت بنا فاما ان تسكون هى مرء فوضى الدراسة وضيق نطاقها . وإما ان تكون من عدم التقدير والتشجيع ٣٢-٣١ للذين يدفعان الاديب فينقطع للدراسة والانتاج والتوفر عليهما .
- ٤.٠ ونحن اذا امكننا التغلب على هاته الاسباب وتهيئة الاجواء النقية الوضاءة استطعنا ان نصدر ادبا لا يخحل منه . وما ذلك اذا تضافرت الجهود واخلصت الضمابر بعزيز .

