الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

اسطورة, عينا الاخ الخالد

Share

نقل : ابو العيد دودو

-2-

عاش فيراتا في بيته ايام النور ، وكانت يقظته صلاة شكر وامتنان . فقد اتيح له ان يرى صفاء السماء عوض الظلام ويشعر بلون الارض المقدسة ويستنشق عبيرها ويحس الموسيقى الجلية المنطلقة مع الفجر وكان يعتبر معجزة التنفس وسحر الاعضاء المتحررة بمثابة هدية عظيمة وصار يمس ، خاشعا جسده ونعومة جسد زوجته وبقوة اجسام اولاده ، ويلاحظ حضور الاله ذى الالف شكل في كل مكان ، سعيدا فخورا ، في لين ، بانه لم يتجاوز حدود حياته ويتحكم في مصير غيره ، وبأنه لم يعتد على اى شكل من الاشكال الالف ، اشكال الاله اللامنظور . كان يقرأ فى كتب الحكمة صباح مساء ويمررن على انواع الصلوات المتمثلة في التأمل الهادىء والاغراق فى عوالم الفكر الشيقة والاحسان الى الفقراء والادعية المتفانية . لقد اتسم مزاجه بالمرح ولان حدثه حتى مع اقل خدمه شأننا . فازداد حب اهله له واشتد . كان يساعد التعساء ويواسي الاشقياء والمعذبين . وما اكثر دعوات الناس التى كانت ترف عليه وهو نائم . ولم يعودوا يسمونه بريق السيف ، وينبوع العدالة ، كما كانوا في السابق ، بل سموه حقل النصيحة ولم يكن الجيران يأتون اليه من الشارع لليترجوه الحكم فيما بينهم فحسب ، بل كان الناس يفدون عليه من اماكن بعيدة ليحل نزاعهم ، رغم انه لم يكن قاضيا فى محكمة . فكانوا يرضون بحكمه ويصغون الى كلمته دون ادنى تردد . وكان هو سعيدا بذلك ، اذ تبين له ان النصيحة احسن من القضاء وحل النزاع افضل من رفع الدعوى : كان يحس ببراءة حياته من كل ذنب . وذلك منذ ان ترك التحكم في اقدار الناس مع انه كثيرا ما تدخل فيها معاتبا ناصحا لا اكثر . فاحب ظهيرة حياته وعاش مرح المزاج .

وهكذا مضت ثلاث سنوات وتلتها ثلاث اخر كنهار ضاح ، وازدادت

عريكته من لين ورقة ، الى درجة انه كان ، اذا رفع اليه نزاع ، يكاد يعجز عن ادراك ان على ظهر البسيطة اضطربات كثيرة ، وان الناس يتزاحمون ، مدفوعين بغيرتهم التافهة ، رغم مالهم من حياة عريضة ونفحات وجود لذيذة . لم يحسده احد ، ولا حسد هو احدا ، وكان منزله ينتصب كجزيرة سلام فى الحياة الممهدة ، منزها عن جداول النزوات وتيار الطمع .

وذات مساء ، فى السنة السادسة من راحته ، كان فيراتا قد مضى فراشه ، عندما سمع صباحا مدويا واصوات الضرب . فنهض من فراشه ، ونظر فرأى اولاده قد ابركوا عبدا واخذوا يضربونه على ظهره بسوط مصنوع من جلد فرس البحر ، فكانت الدماء تسيل منه . وبحلقت فيه عينا العبد ، وقد جحظتا تحت وطأة العذاب : مرة اخرى تراءت له تلك النظرة الثانية في اعماقه ، نظرة الاخ القتيل . فاسرع فيراتا اليهم ومسك اذرعهم ، وسأل عما حدث .

ومن خلال الجدل والخصام تبين له ان ذلك العبد كان عليه ان يمتح الماء من بئر الصخرة ويحمله الى البيت في دنان خشبة ، ولكنه قد تاخر عدة مرات عن الوصول الى البيت يحمله ، مدعيا ان حر الظهيرة قد اعاقه . فعوقب غير مرة الى ان هرب امس بعد عقاب مرير حل به . وكان اولاد فيراتا قد ركبوا خلفه ، فتمكنوا من القبض عليه بقرية فى الجهة الأخرى من النهر ، وربطوه بحبل الى سرج الحصان . فكان يسحل مرة ويركض خلف الحصان اخرى ، واعيد الى البيت بقدمين ممزقتين ، حيث كان ينتظره عقاب امر واشد ، وذلك كانذار له ولبقية العبيد (الذين كانوا ينظرون الى المستلقى ارضا وركباتهم ترتعد) الى ان قطع فيراتا بمجيئه العقاب الظالم .

نظر فيراتا الى العبد . كانت الرمال تحت قدميه مبتلة بالدم ، وكانت عيناه جاحظتين كعينى حيوان يذبح ، فرآى فبراتا خلف جمودهما الاسود ذلك الرعب الذى اعتراه ذات مرة في ليلته تلك

قال لاولاده : اتركوه فقد نال عقابه

فقبل العبد التراب امام قدميه . وابتعد الابناء عن ابيهم حنقين لاول مرة . فعاد فيراتا الى مكانه وغسل جبينه ويديه ، دون ان يشعر لما فعل وعندما لمس الماء عرف فجأة مانسيه وعيه اليقظ : ها هو ذا يعود الله

القضاء للمرة الاولى ويصدر حكما فى قضية . ولاول مرة منذ سنوات هرب النوم عن عينيه .

ولما كان مستلقيا في الظلام ارقا ، ارتسمت امامه عينا المنطرح ارضا ، عينا العبد (او لعلهما عينا اخيه القتيل ؟) وعيون اولاده الحانقة . وتساءل وتساءل عما إذا لم يكن اولاده قد ظلموا العبد . لقد روت الدماء رمال بيته لمجرد تكاسل غير ذى بال وانهال السياط على جسده بسبب تأخير قليل . واحرقه هذا الذنب اكثر مما احرقه لسع السوط الذى احس به في ظهره آنذاك كالصلال الحامية . ان هذا العقاب لم يحل طبعا بانسان حر ، وانما بمملوك له ، اصبح ملكه منذ ان ترك حضن امه كما تقتضى قوانين الملوك ، ولكن هل يرضى الاله ذى الالف شكل عن قانون ملك ، يحتم ان يكون جسد انسان في قبضة ، وضمن حدود ارادته ، وان يعاقت دونما ذنب ودون ان يكون له مجال للاختيار ، سواء امزق الغريب حياته ام شوهها ؟

قام فيراتا من مضجعه ، واشعل الضوء ، ليبحث عن اشارة في كتب التعاليم ، ولكن عنه لم تجد ، في اى مكان ، فرقا بين انسان وانسان عدا الفرق في نظام الطوائف والرتب ، كما انه لم يكن هناك ، فى اى مكان فى عالم ذي الالف شكل ، فرق وبعد في حق المحبة وطلبها . واخذ يرتشف العلم في عطش متزايد ، لان نفسه لم تنفتح قط لهذه المسألة مثل انتفتاحها الآن . وثمة ارتفعت الشعلة مرة اخرى في نشارة الضوء ثم خمدت .

وما ان هبط الظلام على الجدران حتى اعتراه فيض من الاسرار الغامضة : ان هذا المكان الذي يتلمسه بنظرة عمياء لم يعد مكانه ، وانما هو ذلك السجن الذى اكتشف فيه بفزع أن الحرية هى اعمق حق من حقوق الانسان ، وانه لا يجوز لاحد ان يسجن احدا لامدى الحياة ولا لمدة سنة واحدة . لقد اتضح له انه هو نفسه قد سجن هذا العبد في دائرة ارادته اللا منظورة وقدده الى قراره الفجائي ، بحيث لم تبق له خطوة من خطى حياته طليقة . وعندما كان جالسا في هدوء ، يحس بالافكار توسع صدره لينسكب فيه النور من العلق اللا منظور ، اتضحت له الاشياء وبانت فاقتنع بأنه مذنب مادام يتحكم في البشر ويجعل منهم عبيدا بمقتضى قانونه الذى هو قانون الانسان الفاني وليس قانون الاله الخالد ذى الالف شكل . ثم انحنى مصليا : شكرا لك يا ذا الالف شكل ، انت الذي ترسل الى رسلا من كل اشكالك ليبعدوني عن الاثم ، فازداد قربا منك على طريق

ارادتك اللا منظور ! من على بمعرفته في عيني الاخ الخالد الشاكيتين ابدا ، الاخ الذى يتمثل لى بكل مكان ويرى من خلال نظراتي ، وانا احمل عذابه لاعيش حياة طاهرة واتنفس دون ذنب .

تألق وجه فيراتا من جديد ، واستقبل الظلام بعينين متفتحتين ، وارتشف تحية النجوم البيض ، ثم مض عبر البستان الى النهر ، مستنشقا هواء الصباح المتماوج . وعندما ارتفعت الشمس في سماء الشرق . غطس مرة اخرى في الماء المقدس ، وعاد الى اهله ، وكانوا قد اجتمعوا لاداء فريضة الصبح .

دخل الى دائرتهم وحياهم بابتسامته السمحة ، ثم اشار الى النسوة بالعودة الى غرفهن . واخيرا قال لاولاده

انتم تعلمون ان هناك هما واحدا كان يشغل نفسى منذ سنوات ، وهو أن اعدل واعيش في الارض من غير ذنب . وقد حدث الآن ان سالت الدماء في حرز بيتى دماء انسان حر ، واريد ان اتبرأ من هذه الدماء واعاقب على الجريمة التى ارتكبت في ظل سقفي . ان العبد ، الذى انزل به عقاب شديد بسبب شئ تافه ، حر منذ الساعة ، يستطيع ان يذهب الى حيث يشاء ، لكيلا يرفع دعوى ضدكم امام القاضي الاخير

ظل الاولاد صامتين ، فشعر فيراتا بما فى هذا الصمت من عداوة

احس بعداوة الصمت لكلمتي . ولست اريد ان اسئ لكم قبل ان اصغى اليكم

بدأ الابن الأكبر :

- انك تريد ان تعتق مذنبا وتجازيه عوض ان تعاقبه . ان لدينا في البيت عبيدا كثيرين ، ولا حساب لهذا . ولكن لكل عمل اثره ، ولا ينفصم عن السلسلة . فاذا اعتقت هذا فكيف يجوز لك ان تحتفظ بالأخرين ، وهم ملكك ، اذا كانوا يرغبون في الانصراف :

- اذا كانوا يودون الانصراف عن بيتى ، فيجب على تسريحهم ، فلست ريد الاحتفاظ بانسان حى ، لان من احتفظ بمصير آخر فقد اذنب .

رفع الابن الثاني صوته :

- ولكنك تقضي على طبيعة الحق . ان هؤلاء العيد ملك لنا كالارض واشجار الارض وثمارها . وما داموا يخدمونك فهم مرتبطون بك وانت مرتبط بهم . انك تمد يدك الى رقبة تنمو عبر الزمن منذ آلاف السنين العبد ليس سيد حياته ، وانما هو خادم سيده .

- ليس هناك الا حق الهى واحد ، وهذا الحق هو الحياة التى وهبت لكل منا عبر انفاس فمه . انك تعظنى بالخير انا الذى كنت اعمى البصيرة ، فظننت انى معصوم من الخطا : منذ سنوات وانا اغتصب حياة الغير ، ولكنى الان ارى بوضوح واعرف انه لا يجوز لعادل ان يجعل من البشر حيوانات . اريد ان اعتق الجميع لاكون على الارض بريا من كل ذنب فى حقهم .

ارتسم السخط على جباه اولاده ، واجاب الأكبر بحدة

- فمن سيقى الحقول ، لكيلا يعوز الرز الماء ، ومن سيسوق الثيران فى الحقل ؟ هل ينبغى لنا ان نصير عبيدا بسبب اوهامك ؟ انك لم تتعب يديك بعمل طوال حياتك ، كما انه لم يهمك ابدا ان حياتك كانت عالة على الغير . حتى الحصيرة المضفورة التى كنت تنام عليها تحتوى ايضا على عرق الغير ، وكانت مروحة الخادم تحرسك وانت نائم ! والآن تريد تسريحهم لكيلا يجهد احد سوانا ، نحن فلذة كبدك ! وهل ينبغي لنا فوق ذلك ان نطلق الثيران عن المحراث ونجر الحبال عوضا عنها ، حتى لا تقع عليها ضربات السياط ؟ فانفاس ذى الالف شكل تنحدر ايضا من افواهها . فلا تحسن ما هو قائم بسوء ، يا ابي ، فانه ايضا من عند الله . ان الارض لا تتفتح من تلقاء نفسها ، فيجب استعمال العنف معها ، لكى تخرج الثمار منها . فالقوة قانون تحت النجوم ، ولا نستطيع الاستغناء عنها .

- لكن انا اريد الاستغناء عنها ، فقلما يكون الصواب بجانب القوة . واريد ان اعيش على الارض بدون ظلم .

القوة تتسلط على كل ملكية ، انسانا كان ذلك او حيوانا ، والارض الصابرة . فحيث تكون سيدا ، يجب ان تكون حاكما : من يملك فهو مرتبط باقدار الناس

- ولكنى اريد ان اتحرر من كل ما يوقعني فى الاثم . ولذا فانى

مركم بتسريح العبيد من البيت ، وعليكم انتم انفسكم ان تكدوا من اجل حاجياتنا .

سال الغضب في نظرات الاولاد ، وما كادوا يقدرون على كبح جماح همهمتهم . ثم قال الابن الاكبر

لقد قلت بانك لا تريد ان تخضع ارادة انسان ، فانت لا تحب ان تصدر الاوامر الى عبيدك ، لكيلا تذنب ، ولكنك تأمرنا نحن وتتدخل فى حياتنا . وانى لا سألك ، اين الحق هنا في نظر الله والبشر

سكت فيراتا طويلا ، وعندما رفع رأسه ، لمح اشعة الجشع فى نظراتهم ، فاشمأزت نفسه ، وقال بصوت منخفض

لقد هديتموني الى طريق الحق . لست اريد ان استعمل القوة معكم . خذوا البيت واقتسموه كما تريدون ، فلم يعد لي نصيب لا في الاملاك ولا فى الجريمة . صدقت : من يحكم فقد قيد الآخرين ، وقيد روحه قبل كل شىء . من اراد ان يعيش بلا ذئب ، فلا يجوز له ان يكون له نصيب فى البيت وفى مصير الآخر ، كما لا يجوز له ان يقتات من كد غيره ، ان يشرب من عرق غيره ، لا يجوز له ان يتعلق بلذة المرأة وكسل التخمة : لا يعيش مع الهه الا من يعيش فى عزلة ، ولا يحس به الا من عمل ، وهو ملك للفقر وحده . وانا اريد ان اكون اقرب الى للا منظور منى الى ارضى الخاصة ، اريد ان اعيش بلا ذنب . خذوا الدار واقتسموها بسلام

وعقب ذلك استدار فيراتا وذهب ، بينما وقف اولاده مندهشين . وقد احتدمت فى اجسادهم حلاوة الجشع المشبع ، ولكنهم كانوا خجلين فى اعماقهم .

قفل فيراتا على نفسه فى غرفته ، ولم يستمع الى دعوة ولا الى موعظة . وحينما هبطت الظلال على الليل ، تهيأ للسير . واخذ عصاه وطاسة الصدقة مقدوما للعمل وكمشة من الفواكه ليقتات بها واوراق النخيل بامثال الحكمة للصلاة ، ثم شمر ثيابه وغادر بيته في صمت ، من غير ان يلتفت مرة اخرى الى زوجه واولاده وجميع ما يملك . وسرى الليل كله إلى ان وصل الى النهر الذى ألقى فيه مرة سيفه فى ساعة من ساعات اليقظة المريرة . وعبر الجسر وصعد بمحاذاة النهر على الضفة الاخرى ، حيث لم تكن عمارة ولا عرفت الارض المحراث بعد

وعند الفجر وصل الى مكان اصابت الصاعقة فيه شجرة عنباء عتيقة واحدثت حريقا فى الغابة . كان النهر ينعطف عن قرب وقد حطت اسراب الطير فوق الماء الضحل لتشرب دون خوف . وكان التيار العارى يلقى اضواء على المكان او الظلال تساقط من خلف الاشجار . وقد بعثرت الصاعقة الاخشاب والاغصان المكسورة هنا وهناك . وتطلع فيراتا في مربع مضاء يتوسط الغابة على حدة . فقرر ان يبني هنا كوخا ويكرس حياته للتأمل ، بعيدا عن اعين الناس ، بريئا من الذنب

قضى خمسة ايام فى بناء الكوخ ، لان يديه لم تكونا متعودتين على العمل وكان نهاره ايضا مليئا بالتعب ، اذ كان عليه ان يبحث عن الفواكه لقوته ، ويحمى كوخه من الادغال التى كانت قد نمت بسرعة وقوة ، ويحيط المكان باوتاد مدببة ، لكيلا تقترب النمر منه في الليل ، وهى تزار جائعة فى الظلام . ولم يكن ثمة صوت انساني ينفذ اليه ويقلق روحه ، فكانت ايامه تمر هادئة كمياه النهر ، تجددها العين اللا نهائية

كانت الطيور تفد عليه باستمرار ، فالرجل الهادىء لم يكن يزعجها ، وسرعان ما بنت اعشاشها فى كوخه ، فكان يوزع عليها بذور الزهور الكبيرة والفواكه الصلبة . هكذا اعتادت ان تثب اليه دون ان تخشي يديه ، وتنزل اليه من فوق اشجار النخيل كلما دعاها ، فيداعبها وتسكن اليه فى دعة تتركه يلمسها . وذات يوم وجد في الغابة قردا صغيرا على الارض ، مكسور الرجل ، يصرخ كالاطفال . فاخذه ورباه الى ان تعلم واصبح يقوم على خدمته كالخادم ، وهو يلعب مقلدا حركاته . هكذا كان محاطا بالاحياء . وبرغم هذا كان يعرف سلفا ان للحيوانات ايضا قوتها وقسوتها وشرها كالانسان . فقد رأى التماسيح تعض بعضها بعضا وتتطارد حانقة ، والطيور تلتقم الاسماك بمنقارها الحاد من النهر والثعابين لدورها تشدد الخناق على الطيور فجأة وتلتف عليها : سلسلة الفناء الجبارة التى لفتها تلك الآلهة العدوة حول العالم . لقد تبدت له ناموسا لم يستطع العلم رفضه . ومع ذلك فقد ارتاح لذلك ، فهو مجرد ملاحظ ومراقب لهذا الصراع ، دون ان يكون له نصيب في دائرة الفناء والخلاص المتنامية

لم ير انسانا منذ سنة واشهر . ولكن حدث ذات يوم . ان اقتفى صياد اثر فيل فى اتجاه النهر . فلمح على الضفة الاخرى صورة نادرة !

رأى رجلا ابيض اللحية جالسا امام كوخ صغير ، وظلال المساء الصفر تضئ ما حوله ، وقد حطت الطيور ، في امن ، على شعره ، وامامه قرد يكسر له الجوز . وكان فيراتا يتطلع الى القمة حيث تتأرجح البغاوات الزرق الملونة ، وعندما رفع يديه ، انحدرت اليه كسحابة صفراء ، وحطت فوق يديه . فخيل للصياد انه رأى القديس الذي قيل عنه : ستتحدث الحيوانات اليه باصوات الانسان ، وتنمو الزهور تحت خطاه . يستطيع ان يقطف النجوم بشفتيه وينفخ القمر بانفاس فمه وترك الصياد صيده وعاد الى البيت ليحدث عما رأى التالي جاء الفضوليون ليترصدوا الاعجوبة في الضفة الاخرى وازداد عدد المندهشين ، الى ان عرف احدهم فيراتا ، الرجل الذى لا يعرف بلده عنه شيئا والذى ترك بيته وخيراته من اجل العدالة . وانتشر الخبر ، فوصل الى اذن الملك الذى تالم لفقدان الوفى فامر بتجهيز قارب بثمانية وعشرين جادفا ، فاطلقوا يجدفون ، الى ان وصل القارب الموضع الذى بني فيه كوخ فيراتا . تم فرشوا الزرابى امام قدمي الملك الذي اقبل على الحكيم . منذ سنة وستة اشهر لم يسمع انسان صوت فيراتا فوقف خائفا حيران امام ضيوفه وفي انحناءة الخادم امام سيده ، واكتفى بالقول

- بورك مقدمك يا ملكى . . فعانقه الملك قائلا :

نذ سنوات وانا اتابع اتجاهك نحو الكمال ، وقد جئت لارى الشئ النادر فى معيشة العادل واتعلم عنه .

انحني فيراتا :

كل ما اعلمه هو اننى نسيت وجودى بين الناس ، لاظل بريئا من الذنب . ان المعتزل لا يستطيع ان يعلم الا نفسه . ولست ادري ما إذا فان ما افعله حكمة ، وما احسه سعادة - ليس في مقدوري ان انصح بشيء او اعلم شيئا ، ان حكمة المعتزل غير حكمة العالم ، وقانون التأمل شئ آخر غير قانون الفعل .

اجاب الملك:

ولكن مجرد رؤية كيف يعيش الرجل العادل هى فى حد ذاتها

تعلم . فمنذ ان رأيت عينيك ، اشعر بفرحة بريئة . ولست اطمع في اكثر من ذلك .

وانحنى فيراتا ثانية ، فعانقه الملك من جديد :

- هل يمكنني ان احقق لك املا فى مملكتى ، او احمل كلمة منك الى اهلك ؟

- لم يعد لى شئ اوكل به فوق هذه الارض ، يا ملكى ! لقد نسيت انه كان لي مرة بيت بين البيوت واولاد بين الاولاد ، ان لطريد العالم والزاهد كل الحياة ، اما البرئ فله طمأنينة النفس . ليس لى امل سوى ان ابقى بلا ذنب فوق الارض

اذا وداعا : اذكرنى فى صلاتك

- انى اذكر الله ، وبذلك اذكرك انت وكل من على الارض ، فهم جزء منه وانفاسه .

وانحني فيراتا . فانزلق قارب الملك من جديد . ولم يعد فيراتا يسمع صوت انسان منذ اربعة اشهر .

ومرة اخرى طوت شهرته البلاد كصقر ابيض . وسرعان ما وصلت اخبار ذلك الرجل الذى تخلى عن بيته وثرائه ليعيش حياة التقشف الحقة - وصلت الى ابعد القرى واكواخ الشاطىء فاطلق الناس على الرجل الورع الاسم الرابع من اسماء الفضيلة : " نجم العزلة . فمجد القساوسة عزلته في المعابد ومدح الملك وحدته امام عبيده وكان اذا اصدر قاض حكما في البلاد ، اضاف قائلا : عسى أن تكون كلمتي عادلة ككلمة فيراتا الذى يعيش لله ويعرف كل حكمة

وعلى مر السنين كان غالبا ما يحدث ان يتخلى رجل عن بلده واهليه ، إذا عرف ما في اعماله من ذنب ، وتجلت له حياته عديمة المعنى ، فتصدق باملاكه ويشد رحاله الى الغابة ، حيث يبنى لنفسه ايضا كوخا ويعيش فيه متعبدا . فالعبرة اقوى رابطة على الارض تربط بين البشر ، اذ ان كل عمل يوقظ في الآخرين الرغبة فى العمل . ان هؤلاء المتيقظين قد احسوا بفراغ حياتهم ورآوا الدماء فى ايديهم والذنب فى نفوسهم . وهكذا نهضوا ومضوا الى العزلة ليبنوا لانفسهم اكواخا مثل فيراتا وينصرفوا الى العبادة ، مكتفين بسد حاجاتهم الجسدية . وعندما كانوا يلتقون ببعضهم

اثناء البحث عن الفواكه ، لم يكن احدهم يكلم الآخر ، لكيلا يقيموا فيما بينهم علاقات جديدة كانت عيونهم تبتسم في رقة ، ونفوسهم تتبادل التحية . اما الشعب فقد اطلق على تلك الغابة اسم قرية الاتقياء ولم يحدث ان مر بالغابة صياد حتى لا يدنس القداسة باراقة الدماء

وذات مرة ، عندما كان فيراتا يتجول صباحا في الغابة ، لمح احد السكان منطرحا ارضا دون حراك ، ولما انحنى فوقه ليقيمه ، لاحظ ان ليس بجسده نسمة . فاغمض عيني الميت ، وصلى عليه ، ثم حاول اخراج الجثة من الدغل ، ليدفن جسد هذا الاخ ، بعد ان يجهز له كومة من خطب ، لتذهب روحه الى عالم التحول طاهرة نقية . الا ان الحمل كان ثقيلا على ذراعيه الواهلتين من جراء سوء التغذية . فمضى الى اقرب قرية ، وعبر النهر فى طلب المساعدة .

وما ان رأى سكان القرية ذلك الرجل ، الذى اطلقوا عليه اسم "نجم العزلة ، يسير في شارعهم ، حتى اقبلوا عليه ، ليقوموا على خدمته فى اجلال واكبار وينفذوا مشئته . وبدأوا في الحين بقطع الاشجار لدفن الميت . وحيثما سار فيراتا كانت النساء تنحنين امامة ، وتوقف الاطفال لينظروا اليه في دهشة ، وهو يسير صامتا . وخرج بعضهم من البيوت لتقبيل ثوب الضيف الجليل والفوز ببركة القديس . وكان فيراتا يسير مبتسما عبر هذه الموجة الناصحة ، وشعر ان في مقدوره ان يحب الناس ثانية حبا نقيا بعد ان قطع علاقته بهم

الا انه حين مر بآخر بيت من بدوت القرية ، وهو يرد على تحيات المقتربين منه في بشاشة وطلاقة ، رأى عينى امرأة تصبان عليه جام غضبها - تراجع فزعا ، فقد خيل الله انه يرى عيني اخيه القتيل ، وكان قد نسيهما منذ سنوات . تراجع فجأة ، لانه لم يعرف العداوة في ايام عزلته وحاول ان يقنع نفسه بان عينيه قد خدعتاه ، ولكن نظراتها كانت لا تزال منصبة عليه في جمود وتصلب . وما ان تمالك نفسه ثانية ، واراد ان يتقدم من بيتها ، حتى تراجعت المرأة في الممر . مظهرة له عداوة بالغة . واحس بحقد تلك المرأة ينصب عليه في اعماق الممر المظلم ، محرقا اياه كعيني نمر في الدغل الهامد . اخذ يحدث نفسه قائلا : " كيف يمكن ان اكون قد اسأت الى امرأة لم ارها حتى يثب على حقدها ؟

لا بد ان هناك خطأ يجب على توضيحه " . واقترب من البيت في هدوء وطرق الباب بكعبه ، فتردد الصدى المجرد ، ومع ذلك احس بقرب المرأة الغريبة الملىء حقدا . فعاد يطرق الباب في صبر ، وانتظر طارقا كالشحات . واخيرا خرجت المرأة المترددة وتطلعت فيه بنظرة حاقدة عبوسة . ثم صرخت فيه :

- ماذا تريد منى بعد ؟

لا حظ فيراتا كيف لزم عليها ان تمسك بمصراع ، لان جسدها كان يهتز من غضب . ونظر فى محياها ، فشعر بالاطمئنان ، لاقتناعه بانه لم يرها قط سابقا ، اذ هي لا تزال شابة يافعة ، وهو قد ابتعد عن الناس منذ سنوات . فليس من الممكن ان يكون قد اعترض سبيلها واساء الى حياتها . اجاب فيراتا:

لقد اردت ان احييك ايهتا المرأة الغريبة ، واسألك لم تنظرين الى فى غضب . هل كنت عدوك ام انى فعلت شيئا ضدك ؟

حفت بفم المرأة ضحكة ساخرة غاضبة:

- ماذا فعلت بى ؟ ماذا فعلت بي ؟ ان ما فعلته بي شىء تافه ، تافه جدا : اخليت دارى بعد ان كانت عامرة ، سلبتني اعز عزيز ورميت بحياتى الى الموت . اغرب عن وجهى ، حتى لا يقع ناظرى عليك ، وإلا فان غضب لن يظل طويلا كامنا ،

نظر اليها فيراتا . كانت عيناها زائتين ، فظن ان المرأة مجنونة ، فاستدار ليعود ادراجه واكتفى بالقول:

- لست انا الذى تعنينه ، فانى اعيش بمعزل عن الناس ، ولست اتحمل ذنب اى انسان . ان عينيك لم تعرفانى

ولكن حقد المرأة وثب خلفه :

- انى اعرفك جيدا ، انت الذى يعرفه الجميع . انك فيراتا الذى اطلق عليه اسم " نجم العزلة " والذي خلعت عليه اسماء الفضيلة الاربعة . اما انا فلن امجدك . ان فمى سيصرخ ضدك الى ان يصل صراخي آخر قضاة الاحياء . وما دمت تسأل عما فعلت بى ، فتعال معى لترى بعينك

قادت المندهش وادخلته الى البيت ، ودفعت بابا يؤدى الى مكان

منخفض مظلم . وجذبته الى الركن ، حيث كان شئ متمددا هامدا فوق حصيرة . انحنى فيراتا ، ثم تراجع فزعا : كان ثمة طفل ميت ، تطلعت فيه عيناه الشبيهتان بعيني اخيه ، موجهتين اليه تهمة خالدة . والى جانبه كانت المرأة تصرخ والالم ينفضها نفضا

- الابن الثالث ، آخر ما احتواه حضنى ، وقد قتلته انت ايضا ، انت الذي يسمونه القديس وخادم الآلهة

وحين اراد فيراتا الدفاع عن نفسه ، زادت من عذابه:

- انظر الى هذا النول . هنا كان يقف براتيكا ، زوجي ، اليوم كله ، ينسج قماشا ابيض ، ولم يكن في البلاد نساج احسن منه . فكانوا يأتون اليه بالطلبات من الاماكن البعيدة . وكان عمله يسهل لنا العيش والحياة ، فكانت ايامنا وضيئة . كان براتيكا خيرا طيبا ، لم يكن يعرف الوهن والتعب ، وكان يتجنب الاشقياء والازقة . لقد اولدني ثلاثة اطفال ، فربيناهم ، ليكونوا على شاكلته ، جديين عادلين . وعندما سمع - ولو اراد الله ما اتي الغريب ابدأ ! - من صياد ان رجلا تخلي عن المال والولد ، ليمتزج بالله كدنيوى ، ونبش لنفسه كوخا بيديه ، وعندئذ اظلمت افكار براتيكا ، فكان يستغرق في افكاره مساء ولا يتكلم الا نادرا . وحين استقظت ، ذات ليلة ، كان قد رحل عني الى الغابة التي سميت غابة الانقياء والتي تقيم فيها انت ، لتذكر الله . وما ان ذكر الهه حتى نسينا ونسي اننا كنا نعيش على قوته . فدخل الفقر الى البيت واعوز الاولاد الخبز ، فمات الواحد بعد الآخر ، واليوم مات هذا الاخير ، وذلك بسببك ، لانك اغويت زوجي . لقد وارى التراب الصلب اولادى لاجل ان تكون انت قريبا من جوهر الآله الحق . فكيف تريد ان تكفر عن هذا ، ايها المغرور ، حين اشكوك الى قاضى الأحياء والاموات ، اشكو اليه ان اجسادهم الصغيرة قد اعوجت تحت الف عذاب ، قبل ان يقضوا نحبهم ، بينما كنت انت ترمي الفتات الى الطير بعيدا عن كل عذاب . كيف تريد ان تكفر عن انك اغويت رجلا عادلا يترك العمل الذى كان يغذيه ويغذى اطفاله الابرياء ، وذلك حين توهم بحماقة انه سيكون فى العزلة اقرب الى الله منه في الحياة المعاشة .

كان فيراتا واقفا ، وشفتاه ترتجفان:

لم اكن اعلم انى كنت محرضا للاخرين . فاين حكمتك اذا ايها الحكيم ، إذا كنت تجهل ما يعلمه

الاطفال ، من ان الافعال كلها صادرة عن الله ، ولا احد يستطيع تجنبها وتجنب الذنب بمحض ارادته ! انك لم تكن الا مغرورا ، عندما اعتقدت انك سيد افعالك وأنك تهدى الآخرين : كل ما كان لذيذا بالنسبة لك ، فهو الآن علقم بالنسبة لى ، وحياتك موت هذا الطفل .

انت على صواب ، وانى لارى : ان معرفة الحقيقة عن طريق الالام اكثر ديمومة من معرفتها بواسطة عزلة كل الحكماء . ان علمي كله تعلمته عن الاشقياء والمعذبين ، وكل ما رأيته بعينى المضطهدين ، عين الاخ الخالد ، لم اكن ورها ، كما ظننت ، بل مغرورا : لقد تكشف لى هذا من خلال المك الذى اتالم له الان . فاعذريني اذا ان انا اعترفت لك بانى اتحمل ذنبك وذنب كثير من الناس ايضا دون ان اعلم بذلك . فحتى ذلك الذى لا يفعل شيئا ، هو فى الحقيقة يفعل اشياء ، ويذنب على الارض ، والمعتزل نفسه يعيش فى اجسام اخوته كلهم . اغفرى لى ايتها المرأة . سأعود من الغابة ، فلعل براتيكا يعود ايضا ويوقظ الحياة فى حضنك من جديد ، عوضا عما حدث .

انحنى فيراتا وقبل طرف ثوبها ، وحينئذ زايلها الغضب وشيعت المبتعد عنها بنظرة مندهشة

قضى فيراتا ليلة اخرى فى كوخه ، يتأمل النجوم ، وهى تلتمع ، بيضا ، فى اعماق السماء ، ثم تنطفئ فى الصباح . ونادى الطيور مرة اخرى واطعمها ، مداعبا اياها ، ثم اخذ عصاه وصحنه كما جاء قبل سنوات وعاد الى المدينة .

ما كادت الاخبار تنتشر بان القديس قد ترك عزلته وعاد يقيم بين الجدران ، حتى خرجت الجماهير الى الشارع ، لتسعد برؤية من يرى الا نادرا ، الا ان بعضهم كان خائفا من ان عودته ، مبتعدا عن الله ، قد تعنى التنبؤ بحدوث مصيبة . كان فيراتا يسير ، خاشعا ، عبر الصفوف المحيية ، محاولا ان يرد على تحيات الجموع المحتشدة بابتسامة بهيجة ، اعتادت ان تقبع على شفتيه ، ولكنه لم يستطع ، وظلت عيناه حازمتين وفمه مغلقا .

ووصل هكذا الى بهو القصر ، وكان المجلس قد انفض ، والملك جالسا وحده ، فمضى اليه فيراتا ، فنهض الملك لمعانقته ، ولكن فيراتا  انحنى الى الارض ومسك ذيل ثوبه علامة الرجاء . فقال الملك

لقد اجبت الى طلبك قبل ان تعرب عنه . يشرفني ان استطيع

خدمة ورع ومساعدة حكيم .

اجاب فيراتا :

- لا تسمنى حكيما ، فان طريقي لم تكن لاحبا . لقد درت في حلقة ، واقف ، انا المرتجي ، الآن على عتبتك ، حيث وقفت مرة لتعفيني من خدماتى . اردت ان اكون بريقا من الذنب واتجنب اي فعل ، ومع ذلك لم اسلم من الشباك التى تضعها الآلهة في طريق الدنيويين .

فاجاب الملك

- يصعب على ان اصدقك في هذا . كيف يمكنك ان تظلم الناس ، وقد تجنبتهم ، وكيف تذنب وقد كنت تعيش في الله ؟

- لم اظلم وانا عل علم بذلك . لقد هربت من الذنب ، غير ان اقدامنا مقيدة بالارض ، وافعالنا بالناموس الخالد . فالترك فعل في ذاته . انى لم استطع ان اتهرب من عينى الاخر الخالد الذي نذنب في حقه ونحسن اليه الى الابد ، وذلك ضد ارادتنا آثارا مذنب سبع مرات ، لاني هربت من الله وخدمت الحياة . كنت انسانا لا نفع فيه ، لآنى غذيت حياتي ، ولم اخدم احدا اخر والآن اريد ان اخدم من جديد

- كلامك غريب عني يا فيراتا . اني لا افهمك . قل امنيتك حتى احققها لك .

- لا اريد ان اتحرر من ارادتى ، لان الحر ليس حرا والذي لا يفعل ليس بريئا . انما الحر ذلك الذى يخدم ويضع ارادته تحت تصرف الآخرين ويسلط طاقته على عمل من غير سؤال . ان اوساط الافعال هى كل ما تنتج - اما بدايتها ونهايتها ، اسبابها ومفعولها فعند الآلهة . انتزع مني ارادتى ، فالارادة ، اية ارادة ، بلبلة واضطراب ، والخدمة ، اية خدمة ، حكمة ومعرفة ، فاشكرك على ذلك ، يا ملكى !

- لست افهمك . انك تطلب مني ان احررك من ارادتك وتلتمس منى وظيفة فى نفس الوقت . اذا فالحر هو الذى يرضى بخدمة الآخر ، وليس ذلك الذى يأمر بها ؟ انى لا افهم هذا !

- من الاحسن لك الا تفهمه اعماقك ، يا ملكي ؟ ولو فهمته فكيف كان يمكنك ان تكون ملكا بيده الامر ؟

اسود وجه الملك من غضب:

- هل تعنى ان الامر اقل درجة من الخادم ؟ - ليس هناك اكبر ولا اصغر عند الله . فلا يبرأ من الذنب ويبقيه حيث

هو الا ذلك الذى يتنازل عن ارادته من غير سؤال . ولا يتعرض للغواية والاثم الا ذلك الذى تكون له ارادة ويظن ان الحكمة تجنبه العداوة . ظل وجه الملك مسودا :

اذا فالافعال كلها متشابهة ، وهذا يساوى ذاك ، وليس هناك اكبر ولا اصغر امام الله والبشر . .

- قد يبدو فعل اكبر فى اعين الناس ، اما عند الله فالافعال كلها متساوية .

نظر الملك عابسا الى فيراتا طويلا ، وتكور الزهو حقدا في اعماقه ، ولكنه عندما لمح وجهه المنفوض ، وراى الشعر الابيض فوق جبينه . ظن ان العجوز قد عاد طفلا امام مرور الزمن . فقال ساخرا لبختبره

- هل تريد ان تكون مشرفا على الكلاب فى قصرى ؟

فالنحنى فيراتا وقبل الدرج علامة الشكر والامتنان . ومنذ ذلك اليوم اصبح الكهل الذى اطلقت عليه مرة اسماء الفضيلة الاربعة ، حارسا للكلاب فى المتبنة . وتكن مع الخدم في اسفل محل في الدار . وخجل منه اولاده ، وصاروا يلفون حول الدار لكيلا يقع نظرهم عليه ، وتجنبه القساوسة ، ولم يعد جديرا باى شئ ، ما عدا الشعب ، فقد ظل ينظر متعجبا بضعة ايام ، ويقف كلما ظهر الشيخ ، الذى كان مرة أول رجل في المملكة ، بمقود الكلاب ، الا انه لم يكن يهتم بالناس . وهكذا ضلوا الطريق بعد حين وتركوا التفكير فيه البتة .

كان فيراتا حريصا على اداء واجبه من الصبح الى المساء . فكان يغسل جراح الكلاب ، ويخدش الجرب عن جلودها ، ويحمل لها الاكل ويكنس عفنها . وما اسرع ما احبته الكلاب اكثر من اى واحد في القصر ، وكم كان فرحا بذلك سعيدا ! وكان ثغره المتشقق ، الذى كان قلما يحدث الناس ، لا ينى عن الابتسام ، كلما تبدت له فرحة الكلاب . وعاش سنوات طوالا دون ان تطرأ على حياته حادثة مهمة . ومات الملك قبله . وارتقى العرش ملك جديد ، لم يعره اى اهتمام . وقد ضربه مرة بالعصا ، لان كلبا نبح عند مروره . اما الآخرون فقد نسوا فيراتا تدريجيا .

وعندما تمت سنواته قضى ودفن فى مقبرة الخدم . فلم يذكر احد ذلك الذى اطلقت عليه اسماء الفضيلة الاربعة ، اذ اختبأ اولاده ، ولم يرفع قسيس صوته بالدعاء له والترحم عليه فوق جسده الهامد . باستثناء الكلاب ، فقد عوت يومين وليلتين . ثم نسيت هى ايضا فيراتا الذى لم يكتب اسمه فى تواريخ الملوك ولم يرد فى كتب الحكماء .

ترجمة أبو العيد دودو

اشترك في نشرتنا البريدية